Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Rajab Mahmoud Derbi
الكاتب الليبي رجب محمود دربي

الإثنين 24 يناير 2011

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة

مرايا السحائب (5)

رجب محمود دربي

هذه مرآة من مرايا سحائب أخرى ستأتي لاحقاَ عددها في علم الغيم، ليست بقصص و إنّما كلمات تطلع في كروم من العبارات المعلقة على شرفات مدينة كانت نصف مسحورة اعتلت وجه القمر وعبر عناقيدها ترى ما لا يراه الا القلب وبنصفها الآخر كانت تصبو الى الضوء. كانت مفاتنها بساتين معلقة في ساحة الأفق في ثياب من حرير المسك وفي صدرها رواق مفتوح على النجوم ونافذة المطر. وفي احدى المرات الغيبية ازدانت المدينة بالذبول وشرعت السحائب ترسل لها هوج الرياح القادمة من اقاصي البحار وعسف الزمان. مدينة كانت سحائبها عناقيد عطر تنسج قداستها المخملية للمطر وكان على عينها يرسم البحر للصيف دفلة بيضاء. أبعث هذه المرايا الى ذاتي في عرش الثّريا.. والدي.


5. خليفةُ درنة... رماد ريحانة

بهيجٌ وراقصٌ كما النّد والبخور هو العصر في سواني الجبيلة، في رفقٍ صامتٍ يسري فى مجرى حداثنه، ينغمس في شرودِ غمائم فرحة تحس بها في الأفق نجمة متكئة على عرش الثريا ومع انسياب الدوالي الفاتنة تغادر عصافيرقباب السماء ديارها ، يستقبل العصر هتاف سحائب تركض في دروب كهوف اسوار المدينة ،معلقة في البراري، سترحل شمسه الدافئة عما قريب، سترحل حيث البرد الخفيف يحلو في أكمام بساتين زنابقها حمائم ملونة وحسناوات يرسمن في مرايا السحائب مكنون الخيال ،حيث هشة الريح الجنوبية تسري في الفضاء الأريحي مطلة على اشرع ابواب منعطفات ازقة "الجبيلة" بعد أن حيّت بستاين "المغار" المنغمرة باصوات العصافير الطليقة، وهنا سحائب قادمة من بعيد تستصرخ الشرفات، تمخر بدلالٍ صوب موطئ اقدام جدوال تغني بعشق الماء،تمضي فيه مع نسيم المساء المعطربعجائب أحلام الصبايا.

تبدأ السواني المترامية في استقبال الغروب، تبدأ في فتح كوة عين غدران مرتعشة موعودة بزرقة البحر، تبدأ في نقش انغام البلابل بسندس أنامل الغيم، وهنا برودة عصر خفيفة تنسحب الى بيوت واطئة نوافذها تفتح على السواني، عند قدمي السواني تبعث الغمائم بنسائم الخريف الرائقة، يلف السواني من جهة اليسار هضاب جافة يسميها اهالي البلدة "الجبل"، الجبل خيام بيضاء ترتطم بها ريح قادمة من الجنوب، مغمورة بالبرد البارد، ريحٌ ترتجل بشذى بقايا الياسمين،وهنا نوافذ بيوت السواني الشمالية تطل على شاطئ بحر، بحر يتذكر كلّ كأس عبّها ثمّ غرق في موج ضباب مستتر عبر اثواب المساء، ثمّ مسّه شعاع تاء النسوة ، يترنم للأفق الدائري الممتد من كنائس الخيام القديمة من عند منحدرات" الفتايح" حتى "ابومسافر"، الشمس تزحف نحودهاليز المغيب حيث راحتي الجدائل تفتح جفونها لعناقيد السهول،وهنا عصافير متناثرة تسبح في الأفق الفسيح تشقش لصدى النجم البعيد، وكان صِبية يركضون بجنون فوق عشب السواني خلف العصافير، غمائم تسكن الخيام، تكبر، تورق، تكتسي عباءة السنين، وتهرع شوقاً لنافذة ليل ضفائرها تحاورعيون الفضاء الرحيب، وكان هناك صفصافة توشوش نفسها بين خمائلها ، وكانت خيول رياح الخريف تستعد للميز بين مشاتل الآفاق الزاخرة بالريحان، بعد قليل امواج غروب المغيب تلف الشرفات بحرير المساء، اما السواقي الأنيسة القادمة من اعالي البطاح فتحيطها برذاذها الهساس منذ الشروق، وكلّ بساتين الحقول اسفارها.

يمضي العصر متسارعاً الى منتهاه، وهنا شمس في سماء "الجبيلة" تمضي الى مغيب، عصافير تتفرق ، تلهو، متلهفة على دوود الضفاف المتناثرة، تبشر بغسق يتطوف في افق لا ينتهي ، وكان صبيان يحلوا لهم التجمع لهواً عند كلّ عصر،ينصبون الفخاخ و "الشقاليب" لإسر العصافير، وعند العجلة يقتنصونها بالحجارة و"المقاليع"، يطاردونها أين حلت، تفتح العصافير احضان الفضاء احياناً لخداعهم ومن له أذن فليسمع يقظة غناء عصفور طريد يرفرف فوق غصن شجرة صنوبرعلى ضفاف طريق "المصلى"، وكان اذا صحبهم الملل يلتقطون حجارة يتبارون في "عزقها" الى اقاصي بعيدة ، فمن يصل الى المدى الأبعد، ومن ينحسر مداه، وفي النهاية لا فائز إلا زجاج الشبابيك، وكان اذا دعاهم الضجر عاثوا في سانية "سي منيسي" فساداً وفي قطوفها الدانية قطفاً وافتراءً وهو هناك يقف هادئاً مثل شجرة الأرز، يبتسم مع الأشجار،يغيب في رؤى ترنم الساقية ويتابع خطوه عبر المشاتل، بينما المدينة تحت اكمام الخريف تستقبل قدوم مطر بعد حين وتحمل فوق رأسها قطيع غمائم وعناقيد رمام قديمة، وفي واديها غمامة تفرش النعناع والشيح واليانسون، وعلى الجسر طائر سليوة يصفق بجناحيه ويشير للغمائم، وحسناء يعبث بسوالفها ريح مزدانة بالندى وشاب جعل يغني عن "بير" وسوالف ووردٍ، ازدادت الحسناء تبختراً ودلالاً، وهسهس من تناغم السواقي نقر دفوف كحفيف ورق " ليمون الشفشي" والبحر يزهر فيه غسق بعيد.

يظهر في الفضاء غيم متناثر، وهنا البحر تسري في امواجه اطياف شمس غروب سنيّة، يمد الموج انامله في حركة وطورٍ، في صوت صمتٍ تأتي موجة ، من البعد تأتي تعابث رداء الصخور وعلى الرمل تترك غبطة الملح ، الصِّبية يشاكسون طيور السليوة في ركض عنيد، يتلاحقون، يتطايرون، ثم يتوقفون، فعلوا هذا ثمّ شرعوا في الركض، وعلى الشرفات المجاورة غسيل معلق لم تلتقطه الصبايا بعد، يحذفونها بحجارة من طين، وفضاء ترمح فيه اصواتهم، تتشيطن مع الغيم القادم من سرحات السحائب ، غيمة تتنقل بين الدوالي والعرائش وترتدي طفولة القمح، تقف عند بقايا عنقود عنب ثمّ تسكر، وهنا نقرة رذاذ مطر تبحث عن نفسها، تستحيل الى موجة في عباب البحر، صبي يعدو نحو فخ في اسره عصفور، ووردة "نوار عشية" تعبس تحت معطف غيمة سكرى، تستمع الى سقسقة تائهة تفرّ وجلاً الى اعشاش بعيدة عن قيد فخٍ تلوذ به اصابع حالمة، ومدّ الصبيان نظرهم الى عروة الريح الجنوبية.

يخبو العصر كما النجم خلف مجاهل السحائب، يعدو نحو ظله ململماً عباءته الفضية، اندفع الصبيان نحو المشاتل يحملون روح الدعابة والمكر والبراءة، كلّ صبي عنتر زمانه، هكذا يظن، وهكذا يصدق، كلّ صبي يثرثر، لا تهدأ كلماته، وكلّ عصفور له حكاية مع كلّ صبي، تحكي عن محض طيف يهفو ويشدو لشاطىء بلا بحر، تنزلق بسمات الصبايا الحنينةعلى الغسيل والصبيان، يهرعن لجمع الغسيل ، ينهل الماء من السواقي هلهلات دمع الغيوم، وهنا فخ يترصد عصفوراً آخراً على قصد، وهنا شجرة توت تتقطر برذاذ الماء والنار والرماد.

لا أحد سوى الصبيان يزرع فخاً لعصفور يلهج بفرح الغروب ويطرّز باجنحته سماوات الحدائق، لا احد سوى الصبيان يحرس الحمائم المنتفضة في العرائش، ثلاث صبيات ينزلن في فرح كالحمائم الحالمات من شارع " الرفاعي" الى براري السواني ، يرقصن ويغنين ، يلوحن بيدهنّ الجميلة للصبية، يقفزن بليلات من صخرة الى صخرة، تظهر صورهنّ في الغدائر ، تتعقبهن عيون الأقداح المترعة، بعد برهة يغادرن الغدير، يذهبن الى " حواشينهنّ"،تسقبلهن رائحة الصندل المحروق ونسمة حبقٍ ضالة،يثقبن باصواتهن الفرِحة فراغ الصمت، كل مليحة عنيدة الآن مع عند كلام السواقي، وكلّ مليحة اطلقت على نافذة مضيئة ضفائرها الجميلة وشرعت تجففها، ومن عينيها تنبعث همسات لا تتلعثم امام نظرات صبيان مرتبكة،ومن البحر الطويل يسيل فيض الموج، ومن ثغور المليحات يدور الكلام مثل خمر يترنح في كأسه شفق احمر، واغلب الظنّ من صوت السحر سيركض مهراً جامحاً يرتوي من قطرة مطر.

ومن جانب الجابية كان كلب صغير ينبح عدة مرات ثم يفرّ مثل القطة، يخفي نفسه عن عيون الصبيان، ثمّ ينبح مرتين نبحتين عبثيتين، ثمّ مرة، ثمّ يقف مستسلماً للغيم ، الغيم يناجي المطر الخفيف ويمسك عن الكلام عند الشبابيك المضيئة، ريعان السواقي يغري أشجار ليمون "الشفشي" فتدخل في محراب العطش، وهذا البحر تستقبل امواجه الريح ولا يهتم برسائل أباريق الغمائم، وهذه الخيام مفروشة بزرابيل الخريف، وعلى لهفة القرنفل ترقص عراجين النخيل، وهذا البيت المهجور بعلة المجذوب ملثم بالشيح والعرعار في دهر البيوتات، حيث الجابية والسواني ، حيث الدواب والاحصنة والحمير والبقر والدواجن وضفاف السواقي، حيث تزهر الجداول وتحتشد طيور السليوة، تطل على النوافذ والابواب، تهبط ، تنقب بمناقيرها التوت، تصعد، تتطاير كالغزلان، ترتعش تحت قطرة غيث،وهناعلى جناحي البساتين بَنَتْ السحائب خيمة فضية مكتوب عليها، حتى الطيور تعرف الغواية،خيمة رائعة ترتوي من عطشة اليابس ومن اريجها تنتثر ضحكات الصبايا، وهذه فخاخ الصبيان تقبع في المشاتل تنتظر عصفورة شقية، تتراكض حولها العصافير، تتداعى، ثمّ تتهاوى، ثمّ تستسلم غير قادرة على الهروب ، ووجه الصبيان يزداد فرحاً ، وهنا يزداد نداء السحائب ففي كلّ مرآة مرآة اخرى تراقب مهجة يانعة وتغسل بالسحائب نوافذ العشق.

لايحار الصِّبية إلا في طيور السليوة ، تهرب منهم هروب الأنجم من مداراتها، ليس للوصول اليها من سبيل، تعرف لغة الصبيان وعبث الذّئاب، أليست هي التي تمتلك فضاء السواني، هي التي تبارك مكنون الغيث، اسراب منها مع الريح تزوي وأخرى تزوي الريح معها، تهبط من السماء متجمعة كغمامة فضية، ثم ما تلبث أن تتفرق في اتجاهات عدة متناثرة ، ثم تعود لتتسلق اجرام السماء فاردة اجنحتها السوداء، كلمح البرق تزوي يميناً ثم يساراً، تقف في الهواء برفيف اجنحة خفاقة والأفق من بعيد يمد لها سلّم الضوء، ثم هي هنا محلقة فوق اشجار بساتين السواني بسرعة مذهلة، تدور دورات سريعة بحركات متناغمة، والغمائم تدور معها حيث دارت، تدور بخفة ورشاقة، بفرح كبير، الصبيان يحدقونها بغيرة وحبّ، يتأهب العصر لكي يرحل بهدوء، والمساء ضمئ لإرتواء نبيذ شفاه الصبايا الحالمات كلما هف النسيم الى رنين صمت صوتهن الخفيض، ضمىء لتواشيح السواقي الغريدة، يميس في حركاته نحو زمن الرماد الغائب في جمرة تصيد لهب الوجع من نار النّار ، يجوع لغناء الماء ومزهريات الحسان، ينتظر جلوس المليحة " ريحانة" في خلوتها،وهنا"ريحانة" ستأتي مع اشتياق الماء.

كانت "ريحانة" ستأتي بعد قليل، ستغذي السير صوب السواني، تناوشها العيون المبتهجة، تذكّر الصبيان هذا، ولما تذكروها قال "عتية الله" ، ستأتي لا محالة، لا تأتي إلا لرؤيته، وكان أن قال أحدهم، ماذا هي فاعلة هذه المرة ، فما كان منهم إلا أن انطلقوا خلف العصافيروتركوا للغيم فكّ رموز الألفاظ والغيم والزرع والمناديل، وهنا تتسلل من الصبيان نظرة ابتهاج الى "ريحانة" كلما رأوها ، وفي السواني كان بدأ ينزل المطر خفيفاً،"رشراشاً"، وكان المطر سحائباً في أعالي السماء، تصايح الصبية في نغمٍ فرح ، "يا مطر يا رشراشا ... لاتنسي حوش الباشا" ،وكان المطر الخفيف يرشرش فوق رؤوسهم، وهنا البساتين تمتد حتى الأفق، تنشر أجنحتها فوق روابي زرقة البحر، طيور السليوة تفتح أبواب السحائب ولينابيع السواقي الغريرة تغني، اجنحتها ترفّ في رفيف الريح وقد تاهت في حدائق السماء، وكان الشجر الأخضر يغطيه غيم في جفنه دمعة باسمة تروي غدران السراب، وكان نقنقة دجاج "أم ابراهيم" يصل حتى "الجابية"، وكان كلب صغير ينبح،وكان اوعية من فخار خارج البيوت يغذيها قطر مطر خفيف، وكان يلعب الصبيان بجوارها، صبيان وُلدوا بسبعين حلماً تحت ضوء المجهول، وكان الغروب يرنو عفياً في فضاء الخريف، يمتلىء بالأنس، يطرب لرنة دملج وخلخال تحت اكمام فواكه الأغصان، وهذه أوراق شجر تسقط على الأرض، وكان ريح خفيفة البرد قادمة نحو النوافذ تلمح مليحة تضحك بابتهاج بينما تغرز اناملها الرقيقة بين ضفائرموشومة بالكحل.

الفضاء مفتوح لغبش الغروب، يصطاد لهاث الغمائم يحترف قطف السنابل، بدأت تتساقط قطرات مطراكثر، فاكثر،من غبطة الغيم يتسلل القطر،تطويه الريح خلف نسيم الغروب الفضي، تعشق السواني اهلها وضيوفها وصبيانها المنافحين، تهيم مع صبياها الجميلات مترقرقات الطّيب، المشفوعات بالمهابة، اشجع من فرسان الأساطير، يعشقن بخور الخريف، ميدات، مياسات، وهذه قطرات مثقلة بكلام الغمائم تعسعس عليهنّ، تلهث بين أكمامها شمس العشية شوقاً وخوفاً، وهنا تعرف السواني بأنّ الغروب سيلقي بردائه على جدائلها الوضّاحة، وسيسكب ضوئيه الخبئ على قامات اشجار التوت المديدة، وكان عند السواني بيتاً خرباً مهجوراً يقطنه "خليفة"، يحرسه بشغف، مكانه المستتر ومخدعه الدائم ، وكان خليفة تتعثر اقدامه الحافية، يجرجر قدميه بين السماء والارض ، يخرج من البيت، يتوجه الى "الجابية"، يترنح في خطوه مثل" باشا" قد ارتوى من عرق اليانسون التركي، يصل غناء الصبيان الى سمع "خليفة"، يطرب لرشرشة النغم، ازداد الصبية قرباً، صوت الصبية فيه صراخ يخدش سمعه، لم يكتفوا بالسخرة منه كلما رأوه، هتف الصوت زاعقاً: " خليفة جاك الطّيار"، تماسك، توقف عن المشي، طفح قلق خفيف على وجهه، يمور الكلم في صدره، يتنهد، فجأة أحسّ بغيمة تفتح له نواميس العشق رغم قسوة الصوت، غيمة تترنم مترنحة، عيناه تنتقلان الى حوش "ام ابراهيم" ، مرق الصبية من امامه مسرعين ، يصرخون بنفس الكلم اللاسع، يقترب من "الجابية"، وقف عند ضفة الساقية، تقدم بخطوات بطيئة، قال في نفسه، لماذا لم تظهر حتى الآن كما اعتادت الظهور، كان هواء الخريف يغسل قلبه، طيور السليوة تتواتر محلقة يطللها البلل، ترفرف برفيف اجنحتها وتغرغر، فاضت الجابية بمياهها وسال على جدرانها، فاح اريج الطين والقى بروحه على وهج "نوار العشية" المتفتح كناية بالخريف، تراخت أمام عينيه غمامة ملفوفة بريح من غبار االفضاء الفسيح، تدنت فكانت أقرب اليه من شبابيك البيوت، ثم تاهت مع زمهرير البراري، وعلى الشرفات المجاورة مازال بعض غسيل ينثّه المطر، رفع خليفة عينيه ونظر أنّ الصبيان يبتعدون عنه، الغمائم تديرها الريح بلطف، ارتاعت نفسه طرباً، وارتجفت عظامه افعواناً، هتف فيه صوت بريء الأبتهاج، الشمس تهبط خلف السحائب بتؤدة، حام ببصره عن افق السواني ورنين الجابية، الشرفات القديمة العالية اصابتها نسمة بين جوانحها، ومذياع يبث وهج وله التحيِّر في صوت جهير" شعشاعي" يبث في ملأ لألأة تراتيل نفاثة .

ها هي"ام ابراهيم" تخرج وقد أسلمت قدميها للماء الغامر، رأته واذا الزقاق يغمره قليل من الماء،تتأمله بهدوء، كان يقف ساكناً بقلبٍ لهجٍ، كانت فارعة الطول، مليحة الوجه، على ثغرها ترتسم ابتسامة حلوة رقيقة، أحسّ بأنّه طفل يلاعبه اريج السواني، يتأمل عينيها السوداوين، المليحتين، يقرأ لغة الشفقة الدافئة في المليحتين، كان رذاذ ماء الجابية يبعثر شعره البليل، وكان الغيم الرصاصي يحيط به، اقتربت منه ثم أمست، دنت أكثر، مدت له رغيف خبز تنورأسمر لفته في كيس، سحبه بكفين مرتعشتين، هدأ كلّ شيء فيه، تلاشى الصوت، يتراجع بخطوات وئيدة، ابتسم لها، ابتسمت له، دفء لذيذ يسري في صدره، عيناه تشعان بفرح غامر، يملأ بصره من قطرات المطر المتناغمة، تسوي "ام ابراهيم" باصابعها الرقيقة "محرمتها" الزرقاء وقد غمرها البلل، توقّف مدهوشاً أمام حسنها البرئ، أخفى الرغيف داخل معطفه الثقيل، وكان في لحظة أن ودعته وهي تتكلم بهدوء ،عادت تركض الى حوشها، كانت عيناه مازالت معلقتين بها، قفز الى جدران الجابية، حام ببصره الى غمائم السواني، رياح الخريف تتأتى عند مشارف السواقي، قامة تطلع عليه من الممر الضيق المفضي الى السواني، شعر بمرارة غريبة في لسانه، تأمل القامة، أتاه صوت نبرة يعرفها، رخات المطر تزداد " رشرشة"، وهنا نطّ أمامه كلب صغير يلاحقه الصبيان، الغيوم تشيء بمساء ممطر، قامة ملامحها تبوح باشياء كثيرة، دان على وجه خليفة صمت، رائحة الطين تنثال في الفضاء، العصافير التي كان يطاردها الصبيان تحتمي باشجار التوت المديدة، السماء تنقر وجه "خليفة" بنقط خفيفة من المطر، أغصان الرمان تبتهل للنقر، قطرة تسري فيها تفاصيل السحائب، مع رنين المطر تمتم "خليفة" للقامة ، وكان هذا "فضل الله" ابن الحي المجاور، يأتي من المغار ، يحتمي تحت "شمسية" مطر سوداء تقيه من المطر، نظر اليه خليفة بدهشة هادئة، يتعجب من خطواته الجرئية، فتح خليفة فمه بابتسامة واسعة، استدار "فضل الله" وشعر بأن خليفة يعرفه اكثر مما ينبغي، قفل المظلة فوق رأسه، شعره غزير أسود، جبهته ضيقة، عيناه بُنياتان، فارع الطول، بالغ النحافة ، غاب برهة في صمت ثقيل ، تقدم من خليفة وقال له : " ستأتي ولكنّي تحت عيون هولاء الصبيان أخشى الغرق"، أغمض خليفة عينيه ثم فتحها، بدأ يضحك بصوت خفيض ، اهتزجسمه وكذا معطفه الثقيل من الضحك، انسام بليلة تملأ صدره،انتبه الصبيان الى الزائر الشاب، ظهر التذمر على وجوههم، يعمل المكر في عيون الصبيان، وكما الأذن تمتحن الأقوال، فإنّ عين الصقور تقتنص الحركات، هوذا كلّ هذا الذي يصنعه الصبية كلما يدخل السواني من ليس من أهلها، والسماء تسح مطراً من سحائبها، بدأ وكأن جبل ينمو داخل "خليفة"، تذكّر "ريحانة" وعيناها يتقطران بالسحاب الأسود الفاحم.

اقتربت من المرآة بخطوات متراخية، أخذت تتفحص جسدها ، دنت أكثر حتى كاد صدرها يلامس المرآة، ابتسمت لضفائرشعراسود طويلة، ولعينين كحيلتين مبهرتين يفترسان اصوات المآذن، ضفائر منسدلة مثل خيوط الغيم عل كتفين ناعمين تسترسل مثل شلال مترنما مرحا الى خصرها،تسرح شعرها باصابعها الرقيقة المزدانة بالحنة، ترخي شعرها يسقط على نهديها، ابصرت في المرآة اعراش اعناب، ولوزتان، وخوخ وتفاح وقطوف دانية وانفاً رقيقاً ساحراً ووجنتين يشتهي نبيذ الحقول خمرهما، رأت نفسها كأنها فتاة هبطت من عوالم اساطير حوريات الأنجم، داعبت أهدابها، استعذبت فراديس الأساطير، سمراء، فارعة،أصابع رقيقة، أظافر أنيقة،شفتان خمريتان تلمع بين ضفتيهما أسنان براقة كلؤلؤ الثلج، الغرفة عتيقة، من خزانتها القديمة تفوح روائح المرّ واللبان والجاوي و"الوشق"، ومن شعرها المخملي و ثنايا ثوبها الزيتي ينبعث عطر العود والمسك والبخور، أيقنت أنّها حلوة وأنّ ثغرها يذوب في كأسه سرّ الخمر، ودّعت المرآة ، وانسحبت خارج الغرفة، لفّ وسط الحوش ببردته جسدها الفياض، أحست أنّها تشعر بدفء غامض ينبعث من السحائب، تعالى همس الريح واريج شذى الياسمين، وهنا ترنّم القطر عندما مست شفتاه وجنتيها،انسلت من الحوش، غمرتها اشعة شمس الغروب الباردة وهذا رذاذ المطر المتراقص يشاكس غروب الشمس، خرجت ولم ترتدي معطفها هذا المساء، خرجت في بشاشتها ووداعتها، تنقش على الطين فتنة عروس تقتفي الحسناوات اثرها، وجدانها يسوقها نحو سانية "سي منيسي" ألمفتحة لنقر مطرمتسارع، نقر متقطع متسارع يزيل أتربة الخريف ويختبىء خلفه غسق يشرأب تحت زخات مطر خفيفة تخترق رفيف الأفق.

استنشقت "ريحانة" الهواء والغيم الحميمي يعبر السماء، مرقت من الزنقة المزدحمة بالمارين المدلهمين والعربات وقليل من خيول " الحناتير" ، تواصل سيرها المتمهل الآن في دلال ونغج، عيناها فيهما رغبة سكر في حقل زهور يدب فيه نرجس وكافور، في مثل هذه الساعة من كل يوم تذهب الى سواني "الجبيلة" التحتية، خطت خطوات أخرى وكانت عند السانية، تفتحت وردة في احداق الصبوات حرقة، احست "ريحانة كأن السحائب ارسلتها الى حقل تنبثق فيه الغرائب وبراءة مكر الصبيان، سانية قرب سانية يطلع عليها القمر في كلّ شهر، ويصلي في محرابها قمر غجري، تبعت "ريحانة" عيون حائرة تتهاطل وتنكسر على مرمى جسدها الفتان، تحس بعيون المارة ، تحس بغزارة العربدة النافرة، استقبلها هتاف رنين السواقي، وكالفرح البرتقالي نسيت العيون ودنت من جناح الساقية المياد.

جلست تحت شجرة توت، خلعت نعلها الجلدي، أهدت قدميها الى ماء الساقية المنهمر نحو مشاتل السواني، ومن السماء تستطع عليها النسائم والأضواء، من ضفة الساقية المجاورة تطل عليها نرجسة جذلانة وتهفو، موج الساقية يداعب ساقيها، ملء عينيها شوق الى نوافذ النجوم المفتوحة على همس الريح وهي تنسج اغنية نشوانة بزهو الخريف في سقف السماء، خلف السحاب يتلأل طير السليوة، نسمة تداعب عينيها، تتحرق شوقاً الى شهد رضى شفتيها، تفتح أوراق "نوار العشية" ازهارها متحدية ظمأ الخريف لتحميها من عيون العابرين، تداعب الماء نشوانة ويداعبها، تتأمل دفق الماء في خريره يفررقراقاً من بين قدميها، خفقان الخرير يلهث كجواد اسود يسابق المفازات، تتزاحم فوق ثغرها العنبي الكلمات اللذيذه ، تذكرت دفوف مطر الليلة الماضية،ولما تذكرت ، تساءلت: هل تقرأ قطرة مطررقراقة ما تكتبه على راحتي وردة ياسمين عند كلّ نقرة؟ فبأي لغة يتحدث المطر الى عطر الحقول؟ ،وهنا، ها إنّ ريحانة هنا، يسمعها الكحل والعطر والمطر والنسيم واغصان اللبلاب ومنحدرات الأزقة، يجري عطرها في جدائل الساقية، تسمع صياح الصبيان ،تتأمل اشباح الغيوم، انتفضت حمامة فوق شجرة التوت، وبدأت تتجول فوق الغدران الوديعة، سياحة الغمائم اختفت.

يتمرّغ صوت"ريحانة" الوردي على خمرة شفتيها، أقبلت رياح الغروب على كتف الشفق المرسوم في الربيع الخريفي، سحبت"ريحانة" قدميها الغامرة بالبلل، وقفت ،أعطت لكلّ برتقالة في السانية عرجون ، انتعلت حذائها الرملي، قفزت برشاقة الى ضفة الساقية الأخرى، حاكت الغيوم للطيور رموشاً رمادية، الغسق الغائم يشعل شجرة التين بضوء صمت الغروب، فتح الهباء ذراعيه و اودع في صدرها نار أحلام طفلة كتبت اسمها في راحة البيارق، ألقى بها بين" جداول" سانية سي منيسي، سانية نمت في في حوضها عرائش وكروم، تعالى همس الريح، ومن ضفاف أفق الغيوم انهمر صفاء ارجواني، استباح من خديها فيض صبابة زهرة نرجس أطلت عليها منذ برهة جذلانة، نشوة غيمة سارحة على ابواب السواقي تعلقت بوردة عذراء معلقة في الفضاء ورشفت من عطرها رحيق الفلّ والنّدّ و أثير "المرقدوش"، ترنّم العشب النضير لسحر خطوها، تداعب انامل الريح ضفائرها، وكلما لثمت خديها ازدادت وروداً.

تجمع الغيم بابتهالته وبدأ يقرأ رسائل خرير السواقي، كلّ رسالة صورة للماء، تختال "ريحانة" في ثيابها البليلة ونسائم الخريف تلثم خديها، تبوح لها عصافير السواني بأحلى الزقزقات، هبت غيمة الى شفتيها رأتها طيور السليوة الوليدة فتنازعتها وابعدتها، يشتهي الشفق الغائم من رمان نهديها لمسة مرتعشة ويكتم السرعن السحائب والقمر، المطر ينزل رذاذاً رقراقاً يغازل الغروب البارد، تستنشق "ريحانة" الهواء ،الغيم يعبر السماء، انفرجت شفتيها العنبية عن ابتسامة ناعمة ، سرت في حنايا صدرها راحة وتساءلت : منذ متى كان الخريف تزهر فيه الورود؟ نقلت بصرها بين نوار العشية والكروم وبين ضفادع وليدة تقفز في فرح مع الف قطرة ماء، ترفع رأسها وتترك المطر يداعب وجهها، شعرت بالغبطة، ضحكة حلوة ترتسم على محياها الجميل كشفت عن أسنان بيضاء نضيدة، وكان صبيان يرقبونها، وكانت قدميها تتهامس وهي تمشي ببطء، وكان أحد الصبيان يخفي فخاخه و"شقاليبه"، وكان قد شرع يلهث خلف بقية الصبيان، وكان أن أورد الورد شفتي "ريحانة"

كلّ شجرة في السواني توقن أنّ الشتاء قادمٌ، وكلّ غصن ينحنى نحو ضفتي الساقية يبوح بسره للمليحة، وهنا رياح خريفية تتصاعد مع الغروب، ولا أحد يعرف من أين يأتي صقيع الخريف وإن أتى فليس في طبعه الأنتظار، وبعد أن يكلّ المطر ويستريح فسيملأ ضوء القمر السواقي الهادرة، وبعد قليل تخبر الريح غمائم الفضاء بأن تهبط على أشجار السواني، وهذه "ريحانة" تتنسم النسيم البارد، لاحت لها اضواء شبابيك حوش "أم ابراهيم"، الغروب يزداد برودة يحفها قطرمتناثر من المطر، اقتربت تتمايل باسمة من "الجابية" ، رأته فاقتربت منه، قالت هذا" خليفة درنة" قتيل هذه المدينة واحد غرائبها، وقف مبهوتاً ، اعترته ترانيم هسهسة السراب، أطلتْ عليه، ازدادت قرباً ، عصفت به الدنيا، هدأ، تدنى، نظر الى وجهها بامعان، في مسامعه تتأتى جلجلة صوت باكليل من الوجد معلق بادواح السماء، تتنزل من تراتيل الشيخ" عبد الفتاح الشعشاعي" تلامس صدره تناجيه، تسكب على رأسه ما كان عنده في كلّ حين مع " الذي اطعمهم من جوع وآمنهم من خوفٍ"، قدمت له حبات من التين، جعل ينظر اليها، أغمض عينيه لبرهةٍ، التفت حوله، لمحت في عينيه وجعاً يتلبّسه نبعاً من سحابٍ ممطرٍ كل الفصول، جعل ينظر اليها باسماً، ستأنس وجهها ، أغمض عينيه في لمحة البصر، اغتبط من الجذل، كان ينتشي وهو يرى رخات المطر الخفيفة تزيدها حسناً واعشاب الجداول تتشرب رحيقه، كلّمته، سمعها تتكلم، تألق صوتها، غمره السرور، سألته: يقولون أنّك، تخاف الطائرات يا "خليفة"، يبتسم ، هل تتألم عندما يدعونك " شيشا راقوبة"، يبتسم ، هل تفزع عندما يصحيون خلفك " جاك الطّيار"؟، يبتسم، أرى أنّ همتك تعلو عن الخلق؟ يبتسم.

أحسّ "خليفة" كأن الغيم يسكن داخل قلبه، غمغم بكلام قليل ، سال لعابه، ابصرت "ريحانة" في عينيه وميض زناد شرار نار هادئة، ازدادت رخات المطر شوقاً للعشب، ثمّ كان أن نزلت الى ضفاف الساقية، جلست تحت شجرة توت رابضة خلف حوش "أم ابراهيم"، تبعها بنظراته مبتهجاً، فستانها البليل يلتسق بجسدها المتناسق، قدميها تداعبها امواج الساقية في حنو، جذبت أطراف فستانها، شرعت تعصره باصابعها الرقيقة، شعرها ينسدل مبتلاً فوق ظهرها، كشف وميض الضوء الخافت الهابط من شبابيك الحوش عن ركبتيها ، كشف عن ربلتين من الدوح، ظنت أنّ نظراته ستلتهم ربلتي ساقيها وهما تلمعان تحت تنهدات الضوء الخافت، التفتت فابصرته يركض في سرعة الى الضفة المقابلة، تركها ترقص كوردة وديعة ،تحلم في مرآة فضاء الصمت والأشجار، ومن ذات بحة رنين صوتها المدند تدنو غيمة تتفيأ عبير كتفيها خلسة ثم تعرج نحو مرافي السماء، كالوسم في المصابيح تكتب اسمها، بينما يمد غيم الغروب خيوطه عبر "سانية" وضاحة يغسلها النّدى، يسري بها نحو مساء فرحٍ ، فرح كبهجة الأطفال.

نطّ "خليفة" بالقرب من شارع " سيدي أحمد الرفاعي "، واذا نسمةٌ باردةٌ قد مرّت على الجابية وحفت بشجرة التين، عندها ادركت "ريحانة" انّه كان يبصر جمال محياها بغبطة عين قريرة، وعندها كان ساقاها اللامعان تغمرهما ماء الساقية بلثمة دافئة وكان صوت الريح ملئ بالبرد الخفيف، برد لا يملّ اللسع المشاغب، برد في بردة مباسم النسائم.

توقّف "خليفة" عند دكان " سي عبدالعزيز جابالله" قليلاً، لمعت في عينيه اضواء الدكان، وقف يتنفس بسرعة، خرج "سي عبدالعزيز" والقى في كفه حبات من تمر ولوز، كاد أن يرقص من الفرح، الغروب يزداد برودة، تاق الى زاوية " بن عيسى"، لوّح بيده الي "سي عبدالعزيز"، عبر الشارع الى زقاق "الدّقلي"، حين عبر كانت الشمس بدأت تميل للغروب، أحسّ فجاة وهو يقف أمام الزاوية في ذهول بأنّ نار الصقيع تتساقط هباءً تحت اجنحة الماء، دار مع الهباء حيث دار، الزاوية منتهاه، طيف خيال "ريحانة" يرافقه، يصله من خلف غيوم مترعة بخمر السحائب، لا خبر، لا أثر، ناجاه خيالها فغاب عن المسامع، هزّه الطرب، أحسّ أنّه في بحر لا موج فيه، استحب السكون، فاح أريج الطين والبخور واللبن والمسك والقى بروحه على وهج باب الزاوية عند صحن "جامع الجبيلة" ، في اثناء ذلك كان الشيخ محمود الزروق يقف عند الباب في بهائيه الأبدي، اغتبط " خليفة" لرؤيته، يوهن خليفة الخطو، يعود الى رحم السحائب، بعد خطوات كان عند باب زاوية العيساوية والسكينة تحفه، استقبله الشيخ الى صدره الرحب ، سمع نداء الشيخ:" يا خليفة أنسيت أنّ القمر ليلة البدر يظنّ أنّ الشّمس ممتزجة بذاته و أنّ السراب ببطن البيد ختال، اقبل يا ولدي وادخل آمناً وقف على البساط واياك والأنبساط". فما أن سمع خليفة ذلك حتى القى نفسه في ماء الزاوية سابحاً كالمرآة لا حجاب عليها وقد امتلأت جبته خيوطاً من الضوء، بعد قليل سيصلي المغرب في الجامع المجاور للزاوية خلف جلال نسك الإمام الحكيم " السيد بن علي"، السيد الوقور " بومجيد".

كأنّ شبحاً ظهر للعيان ومسامير الخوف تلج رأسه، ظهر "فضل الله" بجانب "ريحانة"، انتبهت ،تظاهرت بأنّها لم تراه، السماء منطوية على ظلال سحائبها، خيم على السواني هدوء إلا من رشرشة المطر، المطر ينزل رذاذاً، افرجت شفتيها العنبيتين عن ابتسامة عذبة، قفز بخطوة جريئة الى الضفة الأخرى من الساقية، الظمأ يلتهب سراب عينيه، يتأمل عينيها الواسعتين المبهرتين، وكان الغروب بدأ يتجمع، وكان كثير من صبية الحي قد تجمعوا تحت شجرة التوت المديدة يحتمون من المطر، ارتبكت "ريحانة" برهة، احاطته بعينيها، ينظر اليها، ينظر حوله، يتأملها كما الماء يتأمل السحائب أول مرة، قلبه يدق بعنف، وقفت، نطّ بجانبها، الصبية صامتون، وجهها الناعم يبتسم بهدوء، دنى منها، حجب شعرها عن المطر بالشمسية، اقتربا والمطر ينقر باصابعه الشمسية السوداء، قلبها يخفق كرفيف اجنحة طيور السليوة، ماذا سيحدث لو امتدت يده الى شعرها، اصابعها الرقيقة الرشيقة، اظافرها الأنيقة،الى نهدين متمردين،وهنا روائح الطيب والقرنفل وحبق الحساء يفوح شذاها من البيوت الوطئة، تحدث اليها بصوت هامس، سمع رنين جرس صوتها، تراجعت ثم جلست، جلس بجوارها ، ماء الساقية يسري الى غايته،اشجار السواني تصغي لحديث المساء، الغيم كثيف، ممطر، تبتسم غمامة ولا تعرف الى أين تطير، امتلأ رأس "فضل الله" من المطر والماء والهوى، يرى جمال محياها تحت ضياء انوار خافتة تداعب أهدابها، ينعكس على رذاذ مطر تحمل هسهسته الريح نحو ارض ظامئة للطل، كشف الضوء عن وجهها، استعذبت الورود شفتاها، تعالى همس الريح، سنبلة ريانة تسكر من شغاف الغيم، استباح عطر "نوار العشية" من خديها فيض صبابة نرجسة تتحرق شوقاً الى رياح البحر اذا ما الليل طال، نشوة موجة رقراقة تعلقت بوردة عذراء ، رشفت من عطرها نسمة رطبة، طائر سليوة يحوم حولهما، ارتوى من غيمة في الأفق، الغمائم تسرح شعر الصبيان، هناك صبيان يتقافزون، ينادون الهواء، يشدون المقاليع، لا يشعرون بالخوف، ثار ايقاع الصبية، فمن يحرس البستان والزعتر، يا فارس العشق والهوى من أين أتيت، فنحن نحرس السواني من الساحل الى الساحل، وعند كلّ ساقية، حين ينتشر الغبش في الغروب ليس على الأرض أمان، وكان أن بدأت رخات المطر تزداد رشرشة، فكان مطر ثقيل في الجبيلة وحدها، وعلى المدينة كلها كان المزن والسحائب، ودّع فضل الله "ريحانة" مسرعاً عندما اقترب الصبية منهما، حاصرته رماح عيون الصبيان ، انطلق قافلاً الى بستان "الشقراري" ثم منه الى بساتين "المغار" واختفى وهو يسير على اجنحة الغمائم، تودعه ريحانة في نهاية كلّ غروب، ويعرف أنّه سيعود كلّ غروب، سيعود والغيم قبعة للعصافير ، للشفق، للأفق.

في العشية كان الصبية يصطادون العصافير، في الغروب كان الصبية قد عرفوا أخبار "ريحانة"، وكان الصبية لا يهدأ لهم بال حتى يحملوا حكاية "ريحانة" الى حوش أبيها.

رأى صبية الحي ماذا بدر من" ريحانة" وهي تجفف شناشيل بستانها، وكيف كانت ركبتي ساقيها تلمعان ببريق يفيض اغراء و كيف كان خليفة يقف بالقرب منها وقد مسّه الشوق، وكيف كان رفيف اجنحة طيور السليوة المترادفة قد ازدادت جنوناً، وكيف رذاذ موج البحر قد رماه الهواء الى السواني.

مرق الصبية من شارع " سيدي احمد الرفاعي" كالبرق الخاطف، قفزوا الى زقاق "الدّقلي" اسرع من الهواء ،هرعوا الى بيتها قفزاً كالغزلان، يركضون في سرعة طائشة، اسلمهم الزقاق الى زقاق آخر ضيق يغمره الماء والطين، الغروب يزداد برودة بقليل من المطر، من الزقاق الضيق مرقوا الى ساحة واسعة، كانت "الوسعاية" تفضي الى بُستانين عامرين بالكروم وأشجار الرومان والخوخ والتين ، في الجانب الآخر من الوسعاية جناين وبيوت متفرقة تبدو كما لو أنّها تحتفل بالغيم، الميازيب تفرغ مياها في غمائر الوسعاية، "ريحانة" تعدو الى بيتها الآن، المطر سحائب في اعالي السماء، خمرة لهاث شفتيها تغرق العصافير المبتلة بالنشوة، الوسعاية يحتويها الغيم بين جوانحه الفضية، اشجار الرمان ريانة بالأنس البليل، شعاع الغروب الواهن ينسكب فوق البساتين والجناين، لم ينتظر الصبية "ريحانة"، الصبية أسرع من ذئاب المساء، أمام باب البستان مجتمعين، جلبة يصنعون، يدقون بعنف الباب، دفعوا الباب بايديهم ،يتصايحون، بعد لحظات فتحت سيدة الباب، يزين رأسها "محرمة" متعددة الألوان، يملأ الحسن محياها، ذكية السمت، الغمر يقول هذه سيدة بحق، أحست في رأسها بوسوسة كثيفة كما الغيم، روائح الطهي وخبز التنور تصل الى الصبية من كلّ مكان، كان صوت الريح ملئ بالبرد الخفيف، عصفور مبتل يشرب من الميزاب، المطر يرشرش فوق الشرفات، نظرت السيدة اليهم متسائلة، مندهشة، سمعت شكواهم، "ريحانة" اتت إثماً منكراً، ابتسمت ابتسامة تهز القلب، نظرت اليهم باسمة، تقدم صبي وقال، ملعون هذا الذي كان يقف معها، وكان أن وصلت "ريحانة" ترتجف من البرد والبلل، رأتهم متجمعين كحرس الرومان، رفعت " أم ريحانة" عينيها في الصبيان وفي ريحانة، طلبت السيدة من "ريحانة" الصمت، عملت "ريحانة" حسب طلب السيدة، الصبيان يتفرسون النظربـ"ريحانة" قال واحد من الصبية وهو " عتية الله"، ابنتك صلحة تتكلم مع شاب غريب، وتكشف عن ساقيها لـ"خليفة جاك الطّيار"، ووقف صبي آخر يتكلم بمثله فقال، كانت تعصر ملابسها على الملأ، كان في الغيم مطر قليل، انسلت ريحانة الى السقيفة بخفة، التفتت من حولها، لا تتكترث بالصبيان، قالت كنت أزيل عن بستاني بعض البلل، ثم أنّ هذا المسكين كان قد صعد الى الشارع ، السيدة واقفة تستمع ، اضافت "ريحانة" أما الشاب فهو "فضل الله" وهو خطيبي، يقول أحد الصبية متخابثاً، الله، الله، متى الخطبة تكون على ضفاف السواقي، تبتسم "ام ريحانة" ، تعرف ما يدور في رؤوسهم من خواطر ، تتلمس "ريحانة" بعينيها المليحتين كلّ الوجوه، تجلس على عتبة السقيفة باسمة متحيرة بليلة، وبينما راحت تلملم شعرعها ، تصايح الصبية، لقد كانت تتكلم معه وكانت الشمسية تحفهما، قال أصغر الصبية، كانت تبتسم له، قال صبي آخر، كانت تكاد أن تلتسق به، وقفت "ام ريحانة" صامتة تنظر الى احذيتهم الملطخة بالطين، وكانت امرأة عجوز من الجبيلة اسمها "الكوراشية" ذات موهبة سحرية فذة في شفاء المرضى وفك السحر، مبارك عقلها ،يملأ روحها دفق هائل من الحب، كانت قد قدمت من بستان " سيدي الغزواني"، تعلقت بها "ريحانة" كطفلة ، علمت "الكورشية" الحكاية من الصبيان، تبسمت، ثم قالت، ارجعوا كلّ واحد الى بيته لإنّه لا شأن لكم بهذا، الصباح رباح، وللبيت أب يديره ويحميه وعند رجوعه له شأن معها، بعد قليل كانوا قد تفرقوا، لإنّ الجميع كانوا قد سمعوها وكبّروها، وكالظل الذي لا يطول ركضوا بعيدأ مئات الأمتار تحت رشاش المطر، اختفوا، السماء تسح مطراً من سحائبها، واذا كلّ الزقاق يغمره الماء، واذا السواني قد جعلت من كلّ الغمائم اثوابها، واذا ريحانة تميد بها السحائب، واذا "الجبيلة" ليست كما تعرفها طيور السليوة،أمطرت السماء، وغرق المساء في ضحكة السمع والبصر، طوت الأيام من دهرها ما ارادت، واذا الفراغ فاض بالأسى من خبز الدهر، واذا استنارة شموع مراثي النوافذ اضواء يبعثرها الظلام، واذا رخام الكلمات ينداح من حروفها اللهب، واذا بقايا موج المد والأصداف تروح وتغدو مثقلة بكلام الملح، واذا السواقي جفت و"مضى كل في طريق"، رفعت ريحانة عينيها ثم اقتربت الى الساقية ، يفور العشب في جفافه، وفدت الى ريحانة غيمة تشتكي عطشاً وهسهست عند قوس الغروب، ومع هشيش اللهب المستعر كلب صغير يشهد ويمضي، ومع همهمات البدد اشتاق الماء لرماد "ريحان".


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home