Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Rajab Mahmoud Derbi
الكاتب الليبي رجب محمود دربي

الجمعة 20 مايو 2011

مسرحية من نصف مشهد

الإتجاه المعاكس في محلة النّسيان

رجب محمود دربي

الربع الأول

المكان في عالم فضائي مليء بنثيث الضوء، وبنسائم محملة بشذا القرفة، محلةٌ صغيرة في مدينة من مدن الله الواسعة، تحيط بها الجبال من جهة الشرق وسفوح متباعدة يجري بها نهر صغيرمن جهة الغرب ومن جهة الشمال ترنو الى البحر، أما من الجنوب تجاورها غابة كغابات اساطير اليونان القديمة، تزرع في الشرفات اشجارها. المحلة فيها باحة متفرعة من أحد اسواق المدينة القديمة، ترفرف فوقها غيمة وردٍ، باحة مغمورة بنجوم الليل الأبدية، مزروعة بالماء والغناء، تعتصم بمباني تاريخية قديمة عريقة من طراز بديع ، تتشابك فيها الأقواس مع الشبابيك والأبواب المزخرفة بالنقوش الاندلسية ، تحيط الباحة اشجار تسري فيها روائح المزاهير المجاورة لها، اشجار فارهة ذات جذوع عريضة ومقامات عالية منها الصنوبر والتوت والسرو، بها رائحة المسك والنرجس الغر ، البحر يبعث باهازيج امواجة المترنمة الى الباحة، ومن خلف الأشجار تحبو تلألأت ضوء كالفراشات المتعبة، وفي غفلة من عيون الباحة تترنح حول نافورة الباحة عصافير جنون قدمت من أودية الريح، ومن غمائم الخريف سيهطل الغيث هامياً يسكب العطر في بحرمن الظمأ، سرب من حمائم برية، بنية، حجلية يهدلن لتموجات ليالي الخريف وهي مرسومة على واجهات المقاهي، حزم من الضوء تنسكب على الباحة، اطفال يدورون حول النافورة ويصيحون، يزيدون من بهجة الباحة، للباحة اربعة اقواس ، كل قوس يفتح الى ممر على السوق ويفضي اليه، نسمة تهب على شرفة تطل على الباحة، وها هو الشفق يقترب من الباحة مرة أخرى.

الزمن سحيق ليس في الماضي ولا في المستقبل، يخيل للسابح فيه أنه في الحاضر، زمن معدوم يعيش عالماً تقوّض وانتهى، زمن يتأرجح من ألف عامٍ، أما الوقت فهو ما بين العصر والعشاء، في السماء تجول غيوم شاردة تلفها عباءة رمادية غامقة كالعوين الأكحل، أوراق الأشجار تتساقط اذاناً لقدوم الخريف، على يمين اشجار الباحة يظهر حائط تُعلق فيه رقعة كبيرة من خشب الصندل اتخذها اهل المحلة معلقة يعلقون عليها حكايتهم واشعارهم وكتابتهم واعلاناتهم وقصصهم وما تجود به قرائحهم من نثر او شعر، وعلى الحائط تُعلق اكثر من جريدة حائطية، في وسط الباحة تتربع نافورة ينبثق منها الماء رياناً في ايقاع مرح، على يسار الباحة ثمة سلم خشبي يفضي الى غرف يستأجرها عابري السبيل والتّجار الرحل، تحت السلم تظهر بعض من اقواس الباحة ، ثمة مقهى بواجهته الزجاجية الملونة التي تفصل بين برودة الخريف والدفء العذب، ثمة سحب تستعد لتثب فوق فضاء الباحة، لهذا الفضاء رائحة العطرشان والياسمين والمردقوش، جدرانها كأسوار بساتين تتسابق نحو استقبال انغام المزامير القادمة من الوديان القريبة، فضاء يحنو ويغضب، اجنحة تسكن الغيم تدنو من الباحة أكثر.

في البدء يظهر شاب متوسط القامة ، يخطو في بطء نحو رقعة الخشب ، يقترب من الرقعة ، يقرأ احدى المعلقات، يتمتم بكلمات غير واضحة، يدور حول نفسه، يتجه نحو شجرة سرو ضخمة ، يسحب مقعداً من امام المقهى ويجلس تحت الشجرة وقد غاص في الصمت ، من وراء الأشجار يظهر شيخ فارع الطول، يخفي عينيه وراء نظارة بنية العدسات، يرتدي جلباباً رمادياً من تحته سروال اسود ، ومن فوقه سترة سوداء، يغطي رأسه بشنة حمراء قانية، يقف الشاب يحيّ الشيخ ويسحب مقعداً آخراً ، اوراق الخريف الصفراء والنبيذية تتساقط من الأشجار، يجلس الإمام قبالة المقهى، يمرّ به العابرين، يسلمون عليه اجلاًلاً واكباراً، الشمس عند مغيبها بوقت قصير،  يتطلع الى الشاب، زبائن يجلسون داخل المقهى وخارجها ، يحيطون بطاولات زيتية اللون ، بعضهم يلعب النرد و الطاولة، البعض يحكي، وبعض يدخن، صاحب المقهى يطوف على الجميع، ممتلىء بحيوية غامرة رغم شيخوخته، اسمر الوجه نحيله، قامته متوسطه، يرتدي معطفاً أزرق، على وجهه ابتسامة لا تفارقه، يقترب من امام المحلة يحمل صينية عليها فنجان قهوة وكوب ماء، يضعها على الطاولة، يحي الإمام يسأل الشاب أقهوة يشرب أم شاهي، شاهي، يستدير ويركض كالغزال الى داخل المقهى ، هرجة السوق تدنو من الباحة، تتدثر بغمام النافورة.

الشاب:( يتابع صعود وهبوط العصافير الغجرية) يظهر أنّ الخريف يرسل بشائر قدومه.

أمام المحلة:( يلتفت نحو الشاب) الأشجار تتساقط اوراقها . لقد تأخر أهل الشكوى، ينبغي أنْ ننتهي من الأمر فوراً.

الشاب: ثمة جلبة قادمة ( يتناهى ضجيج من تحت القوس المفضي الى السوق) إنّه حقاً لمطلب في غاية الطرافة ( تنتابه حيرة حقيقية) هل حقاً مقامه العالي الحكمدار سيحكم في هذه المسألة ( يتنهد بعمق) عادة الحريق لا يعرف كيف يخفيء دخانه، فمن يحسم الرأي في النهاية؟ .

إمام المحلة:( باهتمام كبير) ما يهمنا الآن هو أن نجد سبيلاً للخروج من هذه الجولة الغريبة، لا أدري لماذا تنقبض روحي لهذه الفكرة!

(من المدخل الشرقي ، من تحت القوس يدخل نفر قليل من أهل المحلة كأنهم في معركة، يقتربون من السبالة، ثم يتجهون إلى الحائط ، يتأملون المعلقات، يبدو عليهم الضيق ، ايقنوا أنّ معلقة الأبراهيمي مازالت تزين الجرائد الحائطية وأنّ كلمات رئبال قد ازيلت من الحائط، تتساقط ورقات خريفية من شجرة السرو، يستدير النفر يحيوا امام المحلة ثم يحيوا الشاب، امام المحلة تصله طاسة شاهي من المقهى المجاور ، يضع فيها قطعة سكر ويحركها ثم يرشف رشفة سريعة من الشاهي، يقترب منه النفر اكثر، من السلم ينزل أحد معتوهي المحلة يهبط متثاقلاً ووقع اقدامه تئز على خشب السلم البني، يحمل صفيحة فارغة، يقف في صحن الباحة ، يمتليء برائحتها، يتحرك إمام المحلة في جلسته، يرتفع صوت النفر، يقترب النفر من حيث يجلس إمام المحلة والشاب، يبلحق الشاب في وجوه النفر بعينين فاتريتين، يعم الصمت قليلاً، يقترب النفر من إمام المحلة اكثر، ران على الباحة صمت كسير، ظلت عينا الشاب مرفوعتين نحو السلم، يجلس الدرويش القرفصاء تحت شجرة السرو يحملق في صحن الباحة، يلتفت اليه الجميع ، تتفرسه العيون، يختلسه البعض بنظرات كسيرة، يبتعد عن الإمام والشاب بضع خطوات، يرسم ابتسامة على وجهه ، تتعلق عيناه بعمود الماء المتصاعد من النافورة، يقترب النفر من حيث يجلس إمام المحلة، يتجمهر بعض الأطفال وراء النفر القليل، الباحة تبرد تدريجياً ).

النفر القليل: يا مولانا أيظن هذا الأحمق رئبال أنّه يستطيع النيل من هذه المحلة ، أيظن أن المسألة لعبة ذكاء وشطارة وبوسعه أن يقلل من قدر هذه المحلة الساحرة، إن تجرّأ مرة اخرى واقترب من الحائط وعلّق احدى مخطوطاته عليها فذلك سيكون نذير شؤم عليه،  ومن أهل المحلة سيأتيه الخبر اليقين وسيسرّه ذلك  كثيراً، المدعو رئبال هذا مريب النّوايا.

إمام المحلة: (يحتسي الشاي ببطء) الأمر الأهم هو أن لا نتوه في مجاهل الصحراء؟ إنّي على يقين بأنّ رئبال بريء من التّهم التي نُسبت اليه وليس له من نوايا مريبة؟ ( ينتهك النفر القليل حرم سكون الباحة بهرجهم ومرجهم ، يعلوا صوت النفرالقليل غاضباً، يتقدمهم رجل قصيرلا يوحي منظره بالرصانة)  بل، لا دخل للنوايا في هذا المقام.

النفر القليل:(يتدافعون ويصيحون) هل أدار عقلك ايضاً كما ادار عقل هذا الذي يجلس بجانبك( يشيرون باصابعهم إلى الشاب) و الذي يدعي العلم والمعرفة.

إمام المحلة:(في هدوء ووقار) شيء حسن أن يكون في المحلة طالب معرفة، ولكن ما هذا الذي جعلكم تثورون كالنمور وتعتقدون أنّه أدار عقلي.

ألنفر القليل:(ينظرون إلى الإمام بدهشة) لا تستخف بما نقول! إنّ الأمر(في حماسة واضحة) في غاية الجد، أنت تعرف عمّ نتكلم.

إمام المحلة:( يرشف قليلاً من الشاي ، يتحدث بهدوء) هلا قلتم إلى أيّ هدف تجدفون فإنّي احس قواي تفر من جسدي .

ألنفر القليل:( تطفوا على ملامحهم توهج نظرات غريبة) حسناً هذا الأحمق المدعو رئبال يختُلُ المحلة ويعلق على جرائد الحائط كلمات مسمومة يغرزها كمدية في قلوب محبي هذه المحلة،  لن نعرف السلام مادام يقلقنا ويعلق كلماته الثرثارة على الحائط.

إمام المحلة:( يقف يقترب من النفر، يرمق الجميع متعجباً) أهذه أُحجية ، كيف لكلمات بوسعها أن تغضبكم الى هذا الحد و تقلل من شأن المحلة. ( صمت ، يقترب النفر من بعضهم لبعض ، يتهامسون، يعلو وجوههم شحوب وغضب ، استادروا، )

ألنفر القليل: يا مولانا امام المحلة بعد إذنك، لقد وقع اختيار فيما بيننا على أن يكون الأبراهيمي هو الناطق الرسمي باسمنا والممثل الشرعي لإفكارنا( تعقد الدهشة لسان امام المحلة)، وهو هبة من الله في الشعر والفطنة والنظم الفريد، وقد صاغ شعراً هجائياً تعقيباً على اسفاف المدعو رئبال، سيمثل أمام الحكمدار ممثلاً لنا، ونطالبك أن تقرّر ما يمليه الضمير.

إمام المحلة:( هزّ رأسه) لقد قرأت هذا الذي سميتموه بالشعرمن نظم ممثلكم الأبراهيمي (مستهزئاً) إن هو إلا شعر يفوق الشعر، ويفوق حتى النثر، أراه في ضلال شعره يهيم.

النفر القليل:( أحمرّ وجه الأبراهيمي غضباً وحنقاً) بالإضافة الى الشعر فسيجادلك في هذا الشأن حتى نصل إلى القصاص العادل.( فجأة تهلل وجه الأبراهيمي وكأنه قد تلقى الإلهام الشعري)، إنّنا نشم رائحة هول حقيقي، سنرى عاقبة كلّ هذا الهراء.

إمام المحلة: ( مستغرباً) القصاص العادل، حسناً( يتوجه بالكلام إلى الأبراهيمي) كيف في ظنّك قد خالف رئبال شرائع المحلة و تعاليمها.( ثمة بدء لقعقعة الرعود وفي ومضة تظلم السماء) يبدو أنّ المطر سيدب بعد قليل، نعم كيف يخالف رئبال شرائعنا؟

الإبراهيمي: ( يبتسم باستخفاف، يوزع بعينيه الماكرتين نظراته الفارغة) الحق أقول إنّ هذا المدعو رئبال ذو أمر عجيب، ينتهك قداسة المحلة ويتهم أهل المحلة بدفع قلة من الناس إلى الجنون ثمّ بدفعهم على التجوال في الشوارع حتى يكونوا مدار سخرية وتندرلنا وللناس والأطفال ، وهذا محظ افتراء وفرية لا تقبلها نواميس هذه المحلة، فهل كان عليه أن يحدثنا بذلك.( تلبس الباحة رائحة الصمت، إمام المحلة يحتفظ بهدوئه، يغمض عينيه في تعب، يحتسي رشفة من الشاهي ثم يضع الطاسة وينقر باصابعه على سطح الطاولة).

إمام المحلة:(يتطلع الى النافورة وكأنه يقرأ بشاشتها وهي تمزق رقرقة الماء)  في حياتي لم أر شاعراً بهذا الحماس والدفاع المميت عن المحلة، أنا أفهم لماذا المحلة تستجير بك للدفاع عنها، ولكن ما الذي يحملك على هذا الظّن.

ألإبراهيمي: اسمع في نبرات صوتك هزأة لاذعة،( بحماس) فكيف لإمام وقور مثلك أن يرمي اخيار هذه المحلة بمثل هذه الأراجيف( يتحرك في مكانه بعصبية) وليس في الأمر ظنّ كما تعرف ويعرف أهل المحلة، ليس فيما أقول شك ( بامتعاض شديد) لن يرضى بقبول هذا اللغو أحد من آل المحلة.

إمام المحلة:(دون أن ينفعل) إن كنت تعتقد ذلك ، ليضبط كل منا اعصابه ولسانه.

الإبراهيمي:( يظهر حائراً لا يدري ما يقول) نطالبك بأن تصدر فرماناً لا رجعة فيه يمنع رئبال من الكتابة على ورق جرائد هذه المحلة التنويرية.

إمام المحلة:( كالمدهوش مبتسماً) ما اكرمك ، فارماناً دفعة واحدة.

الأبراهيمي: ( يقترب من الإمام وعلى وجهه تعابيرمن الغضب وفي عينيه خواء ساخر) وماذا بعد الفرمان، فهل هناك ماهو أبلغ من ذلك.

( كان الليل يزحف من خلف الآفاق، ولم يكن من أيّة قدرة بوسعها أن توقفه، تختال هرة بين المقاعد، تقترب من المعتوه ، تحملق فيه كأنها ترى اسراباً من الطيور، في خفة النمر البري تنط من بين الأشباح وتحط في حجر المعتوه، يبتسم، يفرك شعرها باصابعه الطويلة، تستسلم، تمؤ في اطمئنان، تعتدل في جلستها ، تمط جسمها مرة للأمام ومرة للخلف، تتثاءب، تغمض عينيها، تلتف حولها نفسها وتنام، في هذه اللحظة يُقبل حكمدار الباحة، كل شيء في الباحة يوحي بحكايات وعبث ، وثمة عينا حسناء تبرقان من قريب، وظهرت الأشجار ذاهلة الغصون) . 

الربع الثّاني

برودة خريفية بدأت تغشي الباحة، ينفث النعناع والمرقدوش اريجاً كأنما يبوح بصدى لحن خافت، الحكمدار يُقبل من تحت القوس الاكبر، يسير في سكون وخيلاء، يرفل في جلباب والي تركي، يسير الى حيث يجلس امام المحلة، راح ينظر للباحة وللمارة، يرفع عينيه في النفر القليل، بدأ بتحية الإمام وبقية الحاضرين وكان عند مدخل المقهى هرة فارسية ذات شعر طويل في لون الفضة تنتقل مختالة بين المقاعد، بدا الحكمدار منفعلاً يتكلم بصوت متهدج كأنه يهمس في غورٍ من قعقعة الرعود:

الحكمدار: تحية طيبة حاضري الباحة الكرام، هل تعلمون ماذا كتب رئبال عن دراويش هذه المحلة، كتب ما يسيء لها، هكذا قال احدهم، ألم يصبح رئبال عدواً لهذه المدينة ولهذه المحلة، قد يبدو ذلك من قصص الخيال، لكنه الحقيقة، من الذي جعله يكتب عن الدّراويش الآن، يتساءل أحد شعراء المحلة، من الذي دفعه الى ذلك ولماذا يفعل ذلك في وضح النّهار، هل تخشى المحلة رئبال كخائن للمدينة يهدد مصالحها وتاريخها، أليس كلام رئبال جعجعة بلا طحين كما يصيح آخر، لا خيار لنا إلا التصدي يصيح أحد شعراء المحلة، لا حرية لإحد في أن يخلّ باعراف المحلة يعلق صوت آخر ، لكن في المقابل يتساءل مؤيد لرئبال : ألسنا بحاجة الى كثير من هذه الإشارات، هل مواجهة رئبال في محلها، أم تعبر عن سوء فهم وتسرع في الأحكام، أسئلة اطرحها على فضاء الباحة مباشرة على الشاب المدافع عن رئبال و على النفر القليل بقيادة الأبراهيمي( يتوجه بالحديث إلى الشاب) ، أرحب بكم وارحب بإمام المحلة وبهذا الشاب واتوجه اليه بأن يبدأ حديثه، مارأيك في كل هذا؟

الشاب:(تبدو ملامحه وقورة متعبة) رئبال ابن هذه المحلة وله أن يكتب عنها على النحو الذي يراه، هويقول إنّ الزمن ضاع ولنبحث عنه علّنا نجده يوماً.

الأبراهيمي:( مقاطعاً بحدة وصوت قوي) من الجنون أن نقبل العبث واللغو، نحن نريد أن نحتفظ لهذه المدينة صورتها الخالدة أما المدعو رئبال فهو يسعى الى هلاكها وليس الزمن.

الحكمدار: ( مخاطباً الشاب) هل تستطيع أن تنكر هذا( يطالع فضاء الباحة )؟

الشاب :(ملتفتاً الى النفر القليل وقد رنى صمت عميق، يتابع تحديقه، يكتسي وجهه بجد واضح) علينا أن ننقد بحكمة دون إقصاء وابعاد، لن يجدينا أن نطحن الريح.

الحكمدار:( منتفخاً) طيب، طيب ، هل تعتقد كلمات رئبال مفيدة ، نوع من القصص، نوع من الخيال؟ هل فيها ما يسيء الى هذه المحلة؟

الإبراهيمي: (مقاطعاً ،يهدر، يلقي ببعض الشتائم المتطائرة ، يركل بعض من اوراق الخريف المتساقطة) ليست مفيدة، ببساطة فيها خيانة، خيانة لنواميس هذه المدينة ، كلماته خطية الخطايا، مليئة بالشرور.

الحكمدار: ( مخاطباً الشاب، متهلل الوجه) هل تستطيع أن تنكر هذا ، هل تستطيع أن تنكر أن رئبال يريد أن يشوه الصورة الجميلة لهذه المدينة ببعض الكلمات اللي تفوح منها رائحة المناجل و ليس فيها من قضية جوهرية، أريد الأجوبة محددة، نعم.... جواب محدد....

الشاب: ( وهو يعتدل في مجلسه) الإختلاف كبير بين ما يدعيه الأبراهيمي وبين كلمات رئبال ، رئبال يعبر عن تحرير المحلة من صورتها السحرية، ثمّ أنّ، لما هذا التركيز على كلمات رئبال وحسب، ثمة امور أهم.

الحكمدار: ( مقاطعاً) وصلت الفكرة...( يتجه بالكلام إلى الأبراهيمي) يعني هذا سؤال وجيه جداً، أنت ترى ( يشير إلى الحائط) كيف أنّ الحائطية مليئة بكلام كثير عن المحلة ، فلماذا التركيز على كلمات رئبال؟... أليس هذا تساؤل مشروع؟ يللا...

الإبراهيمي: ( ترتسم ابتسامة مموهة على وجهه ، يشعل سيجارة ، يمتص نفساً عميقاً، يتطلع الشاب اليه منصتاً حائراً ، يلاحظ الدهاء على سيمائيه)، هناك فارق كبير، الكلمات الأخرى لا تجروء على أن تقول كلمة نقد في حق المحلة،( مخاطباً الحكمدار) ألم تقرأ ثرثراته وهو يتعرض لحياء الصبايا ويخدش عرائش المحلة( يلتقط الشاب انفاسه خشية ارتكاب أيّ حماقة) وما نحن في هذه المحلة إلا حراساً لها ( يسكت لحظة ثم يضيف) عليك ألا تنسى من يخرج عن ناموس وشرائع المحلة فهو من الدهماء الخونة وينبغي أن ينال القصاص لمرضاة ارواح اسلافنا.

الشاب: ( صمته يطول بين كلمة وأخرى) رئبال لا يبتذل نفسه بالكتابة في اشياء لا معنى لها.

الأبراهيمي: ( بنظرة محتقنة باللؤم والمكر) خيانة نواميس المحلة قد تشعل النار في اركانها، هي بمثابة اقتراف اثم جسيم، ولكلّ اثم قصاص عادل.
الحكمدار: ( يوجه حديثه للشاب) ها قد سمعت ملء أذنيك هذه الحجج .. فماذا تنوي أن تقول هذه المرة، هل تعتقد أنّ مناصرة المحلة نوع من التعصب أو الجهل؟( تعم الباحة جلبة محمومة) أريد جواب وليس فلسفة.

ألشاب: ( بعد تردد يقف، يتأمل الجميع باهتمام، يترك كرسيه، يمشي بخطو وئيد في اتجاه الابراهيمي، ريح خفيفة تنثر اجنحتها على الباحة، بعد لحظة يقطع الصمت ، بلهجة صارمة) ملعونة هذه المحلة إذا قرأت في كلمات رئبال عدواة لها أو نيلاً منها( يرتفع صوته وتتجلى مقاطع صوته) هل قرأت كلّ كلمة من كلماته أم اخترت كلمة أو كلمتان وسقت منهما نتيجة غير منطقية، من الحمق ألا نتبين الجد من المزاح.

الحكمدار: ( يتدخل مقاطعاً الشاب) يعني أنت إذن بعبارة أخرى،  أنت بعبارة أخرى تريد أن تقول إنّ كلام الأبراهيمي لا منطق فيه ، يعني يمزح ، أحاول أن أبحث لك عمّا قد يؤيدك ، للأسف الشديد، يعني أنا آسف جداً لم أجد، يعني أنّ الأبراهيمي على صواب.

الشاب: ( تبدو ملامحة متعبة حزينة) الإختلاف كبير بين هذا وذاك، لنقرأ معاً ما يقول رئبال وبعدها نحكم ( يتناول من بين دفات كتابه رقعة من كلمات رئبال ، يمدها إلى الأبراهيمي)

الحكمدار: ( مقاطعاً) طيب، هذا ليس هو الموضوع يعني لا تخدرنا، خلينا بالموضوع، هل تعتقد أن رأي الأبراهيمي نوع من الهزل والمزاح، نوع من الجهل؟ أريد جواباً على هذا الكلام.

الأبراهيمي:(يبتسم باستخفاف لا معنى له) كلمات المدعو رئبال ليست خطية وحسب ، إنّها اثم، ناهيك عن كونها إهانة...( يصرخ في وجه الشاب) إنك تحسن الظّن بمخلوق يسيء الظّن بهذه المحلة، ونحن لسوء الظّن هذا لكارهين إلى يوم الدّين.

الشاب: ( كمن يخاطب نفسه) إنّها لقسوة ما بعدها قسوة أن تمنع أحداً من أن يكتب بعض كلمات ليس فيها اساءة لإحد، منع كلمات رئبال ينفي الطموح، ينفي المجازفة،.( يجثم صمت قليل قبل أن يقاطع الحكمدار الشاب)

الحكمدار( مقاطعاً) هذا ليس موضوعنا، ادخللي بالموضوع، الوقت يداهمنا..أليس كلام رئبال جعجعة بلا طحين كما يتساءل كثير من حكماء المحلة، وكما نفهم من الأبراهيمي؟ جاوبني على سؤالي.. يا أخي جاوبني.

ألشاب: ( يفقد قليلاَ من القدرة على امتلاك نفسه، يتغلب على مشاعره ، يتمالك اعصابه) يبدو أنّ كل شيء يصدر وفق المزاج... كلّ شيء يجري وفق المزاج ( سحب انفعال بعض الأوراق وشرع يقرأ فيها) من الجنون أن تحلم في زمنٍ الكلام فيه خطية.

الحكمدار:(يتبدى على وجهه تساؤل كبير) عظيم .. عظيم .. صرت تتكلم بلغة الشعر الوقت يداهمنا وأنت لم تجب عن سؤالي، يا أخي جاوبني .. أريد أجوبة محددة، ألا ينمّ كلام رئبال على استفزاز لأهل المحلة، جاوبني.

الشاب: ( يكظم غضبه) لنقرأ معاً ما يقوله رئبال، لا أجد مبرراً لهذا التسفيه، رئبال يقول ليس من العدل أن يدفع نفر من المحلة انساناً ما إلى الجنون ثمّ يلفظونه للشارع ليصير محط تندر وسخريه ومهانة واذلال(يتناول رقعة من بين دفات كتابه ، يمدها إلى الحكمدار ) القي نظرة عليها، تدبرها بذهنية صافية محايدة ثمّ اصدر احكامك.

الحكمدار: ( تعلو قسماته غيمة استغراب وتعجب كأنه خرج من كابوس عاتٍ) قرأت كلّ كلماته ( يتوجه بالحديث إلى الأبراهيمي) كيف تردّ على هذا الكلام، عندك دقيقتين، الوقت قارب على الإنتهاء، اعتبر يا سيدنا أنّ كلمات رئبال زلة لسان.

الأبراهيمي:( يأتي صوته كالصرير من بين اسنانه) لا يحق لرئبال أن يدعي بأنّ معتوهي المحلة من صناعتنا، ثم أن ّ زلة اللسان في عرف هذه المحلة اكثر جرماً من القتل( الشمس تغيب والغيوم تتجمع فوق الأشجار العظيمة ، يزحف البرد في بطء في صحن الباحة، يتجه الأبراهيمي ومن خلفه النّفر القليل عدة خطوات في اتجاه الشاب ، محتدين، يشتد في عيني الأبراهيمي الشرر، يقترب من الشاب اكثر، منفعلاً) طريقة تفكيرك لا تخلو من مزالق ، نحن لا نخلق الجنون ، الإنسان إما يولد عاقلاً وإلا فهو مجنون.

المعتوه: ( يرفع رأسه وهو لايزال يجلس القرفصاء، بين الغمغمة والتردد..) لا ينال الخلاص من لم يدخل محراب وميض الدّهر( يبتسم بغموض ويهمس لنفسه) هل الأمل باب مفتوح أم مغلق؟ ( ينهض من مكانه، يقترب من أمام المحلة أكثر يسأله) هل تعذبت حتى مللت العذاب؟

امام المحلة: ( يتعلق بصره بالمعتوه، لم يجب ، تتمادى الباحة في لحظة من السكينة، يتفرس في النفرالقليل فترة، يبدأ في الكلام) أفضل لنا جميعاً أن نهدأ.

الأبراهيمي: لن أهدأ حتى يصل لرئبال ما يسره مني( يلتفت إلى الشاب) أما قرأت قصيدتي في هجاء رئبال وفي اضطرابه وفي ابتلائه بالهوس؟ ( يشير إلى الرقعة الحائطية) هناك ، إنّها معلقة هناك مع بقية المعلقات والجرائد الحائطية.

الشاب: قرأتها، ليست من الشعر في شيء، عبارات هزيلة، معانٍ تافهة، كلمات متراصة لا رابط بينها( يدخل البراهيمي في نوبة عصبية ويصرخ بأعلى صوته طلباً لصمت الشاب) أجل كلام هزيل لا يرقى إلى لغة رئبال ( يزداد الأبراهيمي غضباً وحنقاً ، يسرع نحو ركن صحن الباحة الخلفي، يلتقط حجراً ، يندفع كالثور الأهوج نحو الشاب ، في كفّ الشاب أوراق، ارسل طرفه إلى أقصى الباحة، أبصر الأبراهيمي مندفعاً نحوه في جنون، فجأة وقف الأبراهيمي، أرجله تخبط الأرض ، عيناه تقدحان شرراً، تراجع خطوة، تطلع إلى الشاب بكبرياء غبي، افلتت منه ضحكة ،القى الحجرة بكل قواه على بلاط أرضية الباحة، فتهشمت مدوية وتناثرت اشلاءً، ثمّ صاح)

الأبراهيمي: ألم تقرأ ثرثارته جيداً ( يلتقط الشاب انفاسه خشية ارتباك اية حماقة، يتوجه الأبراهيمي بالقرب من إمام المحلة حانقاً ومن انفاسه يصدر فحيحاً كريهاً ) اذا لم تحشر برئبال في القبو وتنزل القصاص بحقه ( بلهجة حادة فيها وعيد) فإنّه سيلقى مصيراً مهلكاً ( يتوجه بالكلام نحو الشاب) اياك أن تحسب أنك أقنعتني.

ألحكمدار: ( مقاطعا يتوجه بالكلام للشاب) عندك اقل من نصف دقيقة للرد.

الشاب: ( تعقد الدهشة لسانه لكنّه يجمع قواه) لا أسعى لإقناع ايما أحد، كل الذي أعرفه أنّ هذا الزمان اجدبت أرضه، وازدهرت فيه الأماني الكذاب، العقل قد يخطيء دروبه، إنّه يواجه اعراف المحلة التي تلتهم غيرها بحلم العقل العادل.

الحكمدار: ( يتوجه بالكلام للأبراهيمي) عندك نصف دقيقة بس، كيف تردّ على هذا الكلام؟

الأبراهيمي: (يختلس نظرة ماكرة في اتجاه الشاب ) حتى الجرابيع تطمع في هذه الباحة.

الحكمدار: عظيم .. عظيم .. ننتهي إلى ختام هذه المساجلة ، وحتى سجال آخر لإهل هذه المحلة ألف خير ، وهذا الحكمدار يحييكم والى لقاء آخر.

(يتدافع النفر القليل إلى الخارج، يخرجوا متجمعين، يطلق المعتوه ساقيه للريح ويركض خارجاً من ناحية الباحة اليمنى، تتبعه الهرة وهي تمؤ، تفاصيل الأشياء تأخذ في التلاشي تدريجياً، يعمّ الظلام، يقهقه الأبراهيمي بلؤم ويبدو صوته كأنه انتصر في معركة ، يهرول إلى تحت اقواس السوق ويغيب عن الأنظار، يخرج إمام المحلة في حال من الحزن، يختفيء الضوء من فوق بقعة الحكمدار،في حين تظل شبابيك المقهى مضيئة، يرين السكون والصمت أعمق، يتقدم الشاب من النافورة وهي تحتظن حبات الضوء المرتعشة المنسبكة  من هسهسات ضوء المقهى، يبحر الشاب في فضاء الباحة، وربما دخل في زمن آخر، يغيب مع العصافير الغجرية، الشرفة المطلة على الباحة تفز منها عينان سوداوان تبرقان تحت بقعة ضوء تلامس الشرفة في شغف، عينان توقظ النّار، عينان تنفذان حتى احتراق الغسق، صغار الحمام تدخل من باب النغم وتبصر ذلك السّر الحالم في عمق العينين، وفي كلام البحر.) 

(ستار)

رجب محمود دربي

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home