Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Rajab Mahmoud Derbi
الكاتب الليبي رجب محمود دربي

الثلاثاء 3 أغسطس 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة

مرايا السحائب (1)

رجب محمود دربي

هذه مرآة من مرايا سحائب أخرى ستأتي لاحقاَ عددها في علم الغيم، ليست بقصص و إنّما كلمات تطلع في كروم من العبارات المعلقة على شرفات مدينة كانت نصف مسحورة اعتلت وجه القمر وعبر عناقيدها ترى ما لا يراه الا القلب وبنصفها الآخر كانت تصبو الى الضوء. كانت مفاتنها بساتين معلقة في ساحة الأفق في ثياب من حرير المسك وفي صدرها رواق مفتوح على النجوم ونافذة المطر. وفي احدى المرات الغيبية ازدانت المدينة بالذبول وشرعت السحائب ترسل لها هوج الرياح القادمة من اقاصي البحار وعسف الزمان.


1- معارج "خليفة الطّيار"

الغيم العابرفوق جسر الخريف تسكنه العتمة والريح الباردة تراقص أجنحة مطرترشف شذى دفء السواني الفاتنات.عيون شبابيك البيوت الساهرة ترتعش من لفع شرار نار ريح تنداح مسرعة من ضفاف نجوم ليل تلوذ به أرواح مدجّجات بالشتاء . قطراتٌ من رذاذ مطرٍ خفيف تنساب كهمس في سواني "الجبيلة" التحتية والشمس في بهاء غروبها لم يهزمها الغيم بعد وقد ترنح على سور زقاق مزدان برفيف الغروب. موعدٌ مع موكب عرسٍ بليل يجيء مع اغماءة القمر. السواقي المنححدرة من عيون الوديان العلوية تتزين للسحائب الهائمة في ثياب المرايا وتتمطى أمام وميض الضوء المتوهج عبر شروخ الغيم المنكسرأمام ابواب ورد العشية. فراغ الأفق يرتدي ثوب الطّل المتدفق من الفضاء الرحب. من شدة روعتها في نفحة الغروب الكثيف تتحدى" طيور السليوة" لهفَ المطر النشوان لقطرات أقداح السراب وهويسربل خطى الغسق المبلل بخفق المطر.

كمواكب من طيورالشمال المهاجرة تتطاير" السليوة" متدفقة باجنحتها العسعسية الحالمة على شواطىء البساتين، تتعالى وتهبط لتلامس بريشها المبتهج بنحيب قطر المطر سطحَ "جابية" السواني، تتدلى وتميل ثم تصعد الى شاهق الغيم ثم تدور محلقة، تداعب شعر" خليفة الطيار" المطلي بالبلل وترشق كتفيه العريضتين بزعفران يغازل فرحاً صبية شبّ جسدها قبل الأوان تطل بحسنها من شرفة حوشها على السواني.

الغروب يتكلّم بلغة صامتة تناجي الظلمة الداجية في رحم الغيب، وهاهوخليفة الطيار يتسلل من " الخرابة" المجاورة للجابية و التي يأوي اليها كلما أحس بالشوق الى السواني ويهرع نحوها مجذوباَ بالدفء ونبتة العطرشان المسجية على ضفاف السواقي ، مجذوباً بايقاعات الدفوف الصوفية وبساتين السكينة ، يهرع اليها كلما تقسو المدينة عليه وتهزأ به وتدعوه بهتاناَ : " شيشة راقوبة"، يهرع الى السواني والجابية الخضراء هرباَ من سياط لقبٍ يحاصر روحه ويدمي مسمعه، لقبٌ لا يعرف كيف أمسى له اسماً يتندر به النّاس، وأين حدث ذلك، وفي اي ظروف هذه، و من اخترعه؟ تعلّم في زحمة الأيام أن يتعايش مع اللقب.

عبث الناس به فوجد في السواني والسليوة وخبز "أم ابراهيم" وغرغرة السواقي وازهار السوسن ودفوف زواية "بن عيسى" ملاذاً يطرب له قلبه وتسكن اليه ايامه المُتعبة. سخطه الناس-عمداً- بالجنون بيدا انّه وجد فيه طريقاَ الى الفراديس. يطرب لمشاكسة السليوة له، يقترب من مدخل زقاق " اهويدي"، أشجار التين تودع الخريف، شعر بانه على خطوات قلائل من بيت "أم ابراهيم"، قلبه يخفق متسارعاَ كلما أحسّ أنّها ستقبل عليه قبل ان يصعد الزقاق، رأها وهي ترتدي " حرام" أزرق مطرز بخيوط من فضة ، شرعت شرفات البيوت ترتدي اثواب الغيم وهي تستحم على كتف الريح، صوت الشيخ "محمد رفعت" يتسرب اليه من الشبابيك المقفلة ويتناثر كالبلورالبارق في مداد الغروب، رذاذ المطر يتراقص من كل الزوايا. حين غمرصوت رفعت وبخور حوش "عبالعاطي" الفضاء الفضي رنا "خليفة" ببصره إلى السماء فرأى السحائب محملة بازهارٍ ريّانة بالدمع، ابتسامة هادئة تعبر جبينه، يجرفه المجهول الى ينابيع الصمت، يراها تقترب منه أكثر،غيم رمادي يحتسيه الظمأ كلما ازدادت منه قرباَ، يلج به موج السراب كأنه قارب أسكره اليمّ وهي تبتسم له بعينين مليئتين بالحنان وتراتيل الغمام.

العشب يشرب الدمع والأفق شباك رمادي تأسره ريح محاربة والسماء تنقر بقطرات فرحة نقرة نقرة على رأس "ام ابراهيم"، تعرف إنّه سينساب خارجا من مخبأه ليذهب الى الجامع. سيدة ذات انس وذات قامة فرعاء، متأنقة، تلفّ رأسها" بمحرمة" ازوردية تُظهِر ليل عينيها الساحرتين. جاءت السيدة من تحت غيوم ريحان الغسق الرمادي القادم من دنيا السحائب المتلألئة. من عينيها المكحولتين يطل حنان يغمر فضة الغيم و ينغمرعلى وجه "خليفة" المتموج بالسحب القمحية . هذه المرة تضع "ام ابراهيم" في مخلال خليفة ثلاث "دحيات" مطبوخة وكسرة خبز تنور وفي كفه الأسمر المرتعش تدس ثلاثة قروش. استقبلته بحنان ابتسامتها وعذوبة كلامها ودفء عينيها. يبتهج خليفة وكأن احلام الشطآن غدت خبز ايامه، يرمقها بعينين زائغتين متوغلتين في غابة سحرية من الصمت ، رمقها مبتسماَ وقد رأى في عينيها بستان ظليل. دسّ يده في جيب صدريته واخرج " مادلية" ذهبية منقوش عليها اسمه وسحب بشغف يدها وارخى "المادلية" على راحة كفها المخضب بالحنة ، تهزهزت قامته الفارعة، تهلّل وجه السيدة الفرعاء وبدأت تستعد لوداعه، راح يرمقها في لهفٍ، هبت ريح من اودية الشعر . الهواء منعش وعطر بخور شرفات حوش "عبد العاطي" يقتحم الفضاء الندي ويمضي طليقاَ على اسوار البساتين ثم يرنو الى آخر جداول الصفصاف العارية.

تكلّم معها كلام بغير كلام، ودعته ، كتم غبطته الغناء، وقف مترنحاَ في مكانه يراقبها إلى أن انسلت داخل بيتها كأنها فراشة تتقدم خيول دراويش التّكايا. حلت سكينة نخلةٍ ترعاها نجوم الكون بقلبه، تبسم في نشوة طفل أفاق من كابوسٍ عسرٍ، اضطرب قليلاً عندما اختفت لكنه عاد فإطمأن، انعطف نحو اليمين ليدخل الزقاق، انشغل برؤية صبية في إحدى الشرفات تمشط شعرها المبلل بغيمة عاشقة، توقف حين التقت نظراته بسياط نظراتها، هبت نسمة منتعشة ،من ثغرها الجميل ابتسمت الصبية له، غيوم رقراقة تحقن كل رذاذها على السواني، تنهد من حشايا اعماق الرغبات المبعثرة، غمغم دون أن تنقطع نشوته وانغمس السرحان المعطر بالثمالة في عينيه. انطلق في الفضاء الغامر بالسكون وهمّ ليصعد الزقاق وقد سرى في اعماقه شتاء صباياه من فيروز شطآن البراري السحرية.

غيّم ثغر السماء بمطرمؤنس على جلباب خليفة وعلى بقايا عناقيد العنب المتشبثة بأغصان العرائش العارية. تُراقص العرائش همسات نقر المطر الممتد في قاع السواقي. في لحظة خاطفة كلمح البصر خفق قلب خليفة مرتعشاَ عندما ظهرت عليه فتاتان كأنهما جنيتان من جنيات ألف ليلة وليلة، رفع رأسه الى الفضاء الملثّم بالسحائب، حدّق فيهما، تبتسمان، تكتنز شفتيهما الورديتين بصيف نسائم اربعينية المدينة، كلّ شفة بدت كحبة عنب "زق الطير" منفلقة إلى نصيفين في لهف الشغف الى كأسي خمر يفور بنبيذ ثغريهما. بدا فرحاً جذلاً وربما هائماً. يتطلع الى البخور المتسلل من الشرفات والى العينين الجملتين، اسكره ابتسام عينيهما، قلبه يخاطبهما راقصاً مرتجفاً، قطرات المطر تسكب باقداح شهدِ رحيق شفتيهما على ظمأ سرب الشتاء خموراً ثملة أسكرتها لذة وردتي الصباح المستلقية فوق حرير خديهما. كاد يرتطم بسور الزقاق، عيناه تستجيران من شغف يدبّ في اعماقه، ليل "الجبيلة" ينشر عباءته الرمادية الوردية على الزقاق،

اقتربا منهما واقتربا منه، استنشق السحر المخملي، امتلأت عينيه بدهشة طفل استحمت جفونه بصدر أمه. على درج الريح شرب من وجنتيهما الرّقراقتان، ارتجف كمن صعقته حمى قاتلة ، سال لعابه على ذقنه وصدره، سمع همسهما الفتان ، تمايل ثمّ ترنح. وساعة حاكت الريح بساتين نغمة من شهوات الجمر، تشاغلت عينيه عنهما، اقتربت السحائب القادمة من اعماق الكون من خلف بلاسم الحقول الناعسة، راى أنّه يطير كما اعتاد أن يطيرفي السحر المسحور، يسير ويترك اشياءهُ و قروشه في الطريق، يهذي ، يختبل ، يتمايل، يترنح، غادر الطريق قاصداً شارع" الرفاعي" ، في طريقه صاعداً التفت الى الخلف ، كانتا تراقبانه، لوّحتا له بايديهما، قطفتا فاكهة رمانٍ وعصرتا له منها خمرة، بعثتا له جنية بكأس من خمر الرمان ، سكب الخمرة في جوفه، ثمل من الرشفة الأولى وهام، وقف على اطراف الرصيف تحت مظلة الرفاعي، تجمع حوله بعض الصبيان، ينظر اليه بعض المارة المسرعين،يعبر الشارع ليصل الى الزقاق، فتح له زقاق " الدقلي" ذراعيه المبتهلين، مرق عبر الزقاق والمطر وحده يكتفي بالشهادة، بلغ عتبة جامع "بن علي السّيد"، كمن اسقطته غيوم زيتونها من ثنايا مرايا السحائب طواها الزمن من علٍ رأى "سي منصور الزروق" يستقر على سطح المئذنة، نزل الصوت ورفّ جناحه وهوى، تلقفه خليفة بشوق الياقوت، يذوب آذان سي منصور في شرايين فؤاد خليفة ، يحضن خمر الرمان وهج الآذان ، وعلى باب الجامع أبصرخليفة الشيخ "محمود الزروق" واقفاً ببهائيه المتنسك ، استقبله الشيخ بحرارة وبشبابيك منابرها من خشب العود، تهلّل وجه خليفة بعينيه الذاهلتين. رواق الجامع يستحم بمصابيح النوافذ الفضية، اقترب خليفة من الشيخ ، دنا الشيخ من خليفة وقد كان في انتظاره كما اعتاد، انحنى الشيخ على طرف كتفي خليفة العريضتين وهتف هامسا في فؤاده: " اذا هفا بك الشوق الى غاية مجهولة فأرق في معارج الوجد". من شرفة السحائب المتلألئة في مرايا الأفق كأسراب طيور السليوة مدت غيمة ذراعيها وغزلت فستاناً أزرق العينين رمله الفضي من فردوس بيادر السماء "لأم ابراهيم".


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home