Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

Saturday, 29 December, 2007

عن إصلاح الاقتصاد والسياسة في ليبيا.. يحدثونك! (*)

رمضان أحمد جربوع

(1) كثر الحديث والهرج والمرج عن الإصلاح لما يزيد عن الحول، وهذا مطلب بحد ذاته نؤيده ونسرّ به، ولقد فهمنا، بعد بعض العثرات والتلعثمات، أن الإصلاح سيكون اقتصاديا، أما عن الإصلاح السياسي وحديث الدستور (تستور يا أسيادنا) الذي كان يقول به السيد سيف الإسلام القذافي، فمن الواضح أن الطرف غضّ عنه، ولم يعد له زخم، ربما إلي حين! وهذا ما نأسف له. وداعينا للمسرّة الأولي هو اعتقادنا بأن الحكومة الرشيدة التي تحكمنا، أيا كان اسم الأخ المتربّع علي عرشها، قد انتبهت أخيرا لحقيقة أن السعادة الموعودة لم تصل بعد، وأن الأمر خطير ويستدعي الإصلاح لتسهيل الطريق لها، ولو بعد حين، ومن لحق فما تخلّف.
أما الأسف عن عدم مواصلة الحديث في موضوع الإصلاح السياسي، فيرجع بداهة لخشيتنا من أن القائمين علي الإصلاح قد اعتبروا أن أي حديث عن السياسة قد يمس الخطوط الحمراء المعلنة . ونحن هنا لسنا في مقام ذلك، ولكن السياسة، في معناها الأصلي المباشر، هي إدارة شؤون البلاد والعباد، بدءً من اتخاذ القرار، ثم النظر فيه، قبل إعماله، ثم التدبّر في جدواه ودعاويه، ثم تنفيذه ومراجعة تنفيذه، وختاما التوقف وإعادة النظر. ولسنا نري في ذلك مساساً بأية خطوط، أيا كان لونها، من قبلنا نحن المسوسين أو المواطنين ـ إن شئتم ـ، فلقد تم إفهامنا ليل نهار أننا نحكم أنفسنا بأنفسنا، بمعني أن لا أمناء أو كبار أمناء يحكموننا، والوازع في نهاية الأمر يجب أن يكون مصلحة البلاد والعباد، أوليس الشعب سيد الجميع؟ أو لسنا كلنا أبناء لهذا الوطن؟ حتي إن أخطأنا أو نسينا؟

(2) من نافلة القول أن الكلام بالإصلاح يعني أن هناك خللاً وعطباًوخطباً أليماً، قد يكون جللاً. وقبل الشروع فيه يجب تحديد الخلل والعطب والخطب، وكيف صار خللاً وعطباً وخطباً جللاً، حتي نبعد الألم، وننظر في الآلية التي أدت إليه وولدّته، ويكون ذلك في جردة كجردة: التاجر السنوية، التي يقوم بها لاحتساب ربحه وخسارته، كما جرت العادة قديما في زمن ولّي، ثم طرح الحلول.
ولكن، وهنا مكمن مزلق قد يؤدي بنا إلي توليد أعطاب أخري تخلّ بالمسيرة نحو السعادة الموعودة، وتجعل من جلالة الخطب ألماً واقعا، وهو خطورة استعمال نفس أدوات الرؤية والوعي بالأوضاع السابقة والحالية، بنفس الجالسين علي الكراسي الوثيرة الذين يتداولون القعود عليها علي مدي عشرات السنين، من أخٍٍ لآخر، لا يعرف المرء فيهم سميّا.
وأنا هنا لا أطعن في شخص أو فكر، ولكن ـ يا سادتي الأفاضل ـ ما لا يختلف عليه اثنان أن الأمور عندنا ليست علي ما يرام، ومن ثم فإن الأمر يستدعي أن يتم طرح كل مقترح بإصلاح علي النقاش علينا، علنا جهارا نهارا، وحتي مساءً، عبر المنابر المتاحة، ليدلي كل بدلوه، مع الاستبعاد الكامل للمنمقين والمزينين والمثمنين عاليا والمزلفين المدهنين، بوسائل إعلامنا الرسمي المطبوع والمسموع والمٌشاهد، من الذين درجوا علي مواويلهم، ونقلوا لنا ما يجري علي صورة فتوحات مكّية، يكاد جبين مكّة ينحني أمامها خجلا، يضاف إليهم ـ حسب رأي خادمكم المطيع المتحدث ـ إقصاء كل من تولّي منصبا كبيرا، وحدثت في دائرته الدوائر والحوادث، سواء من جرّاء إهمال أو قلة حيلة أو كفاءة أو بعض من حمق، أو بفعل اعتماده لأفضلية المصلحة الخاصة علي العامة، فلا شك أنه سيكون مضحكا أن يوكل الإصلاح لمن أفسد وخرّب، أو لمن شاب رأسه، وأينعت بثوره، وحان ميعاد إرقاده، بعدما صال وجال، ولم يأتنا بشروي نقير، ورجع خائباً حاملا لنا الزكيبة وقد أصابها الخواء.

(3) نسمع كلاما طيبا: مشاريع، عمارات شاهقة، أبراج، بورصات، فنادق، مطارات، طرق، كباري، بني تحتية وعلوية فائقة الحداثة، ملايين تنمو لتصبح مليارات، ثم وصلت إلي 155 ملياراً، حسب كلام رئيس حكومتا الرشيدة، وقريبا سنسمع أول استعمال لكلمة تريليون أي الألف مليار. من قرر هذا؟ ما هي موجباته؟ وبعد الشكر الواجب للنفط وارتفاع سعره وأريحية شركات البترول العالمية، نتساءل ولا نجد ما يفيدنا: لمصلحة من تقام مشاريع مثل هذه؟ هل للمواطن (الذي لا يملك ثمن فنجان قهوة في فندق كورنثيا الفاخر) مصلحة فيها؟
أم هي للذي لا يجد ما يشتري به لوازم المدرسة لأطفاله؟
كيف تقرر ذلك؟
وهل وافق مؤتمر الشعب العام علي ذلك تفصيلا؟
أم أنه اجتمع في جلسة سرية وبارك وثمّن عاليا؟
أما فيما يخص الاستثمارات فالقرار بإنفاق مثل هذه المبالغ، حتي في أكبر وأغني دولة في العالم (أتعرفونها؟) يستغرق شهوراً وسنوات من التداول لدي المشرّعين، وجلّ هذه المشاريع يمكن طرحها في امتيازات استثمار علي شكل عطاءات دولية، كما نطرح امتيازات النفط، وستتهافت الشركات العالمية علي القيام بها وتمويلها بنفسها واسثمارها وصيانتها (والصيانة لمن لا يعلم مفهوم لم ندركه بعد) وطبعا التهافت المنشود لن يحصل إلا بعد إصلاح القوانين واللوائح وتطوير القضاء وتطهيره. أما ما نحن في أمس الحاجة إليه:
فحل مؤقت الآن وفورا وعلي التوّ، وهو ما يجب أن تخصص له هذه الأموال التي أتت علي حين غرّة. ويتلخص ذلك في ثلاثة أمور: التخفيف من وطأة الفقر (أو البؤس إن شئتم) المنتشر في بلادنا، بأولية مطلقة للمليون فقير الذين تحدث عنهم القائد، ثم توفير العناية الصحية لمرضانا، وقاية وعلاجا، فقد كثروا وتزايدوا، وأخيرا السكن للمعوزين المعدمين، وهم كثر. ولا بأس من أن يكون ذلك حتي بوسائل المنح والعطايا (فهي أموال الشعب علي كل حال، ولا بأس أن يمنّ الشعب علي نفسه!) وإلغاء ضرائب الاستهلاك، التي لا نري داعياً لها الآن، وإعادة الدعم للسلع الغذائية الأساسية، فالمتضرر منه هم من ذكروا آنفا، والتعجيل بدراسة قيمة صرف الدينار الليبي بمواجهة العملات الأجنبية، وإرجاعه، ولو تدريجيا، إلي ما كان عليه بعد أن غابت المسببات والتبريرات والحصارات والعقوبات، وأخيرا إسكان من لا سكن له، ولو في بيوت متنقلة علي عجل تريللات .

(4) أما عن الحلول الجذرية والنهائية فلندعها تأتي كنتاج لعملية إصلاح سياسية علمية واقتصادية منهجية مبرمجة، تتم بناء علي دراسة متأنية، واستشارة الكل، وأخذ رأي الكل في الحسبان، وفي جو ديموقراطي حقيقي، نسمع فيه الرأي والرأي الآخر، وبشرط أن يمنع كل صريخ أو زعيق بتخوين وعمالة وخروج عن المبادئ، فالمبادئ أصلا لم توضع إلا لخدمة الشعب، ولا ضير أن يتم ذلك في مؤتمر الشعب العام، علي أن يتم تطويره. والتطوير لازم ولا مفر منه، ففي كل يوم تطوّر جديد، وما ننشده ونتمناه أن يظل هذا المؤتمر في حالة انعقاد دائمة (فلدينا حالة طوارئ وبؤس عام) أو أن يشكل هو مؤتمرا شعبيا عاما مصغرًا ، تكون مهمته المراجعة والمحاسبة والمتابعة والتقرير، ومن ثم إعلام مؤتمر الشعب العام بما يجري.
المجلس التشريعي في مفهومنا للبلاد، أي بلاد كانت، ليست مهمته إصدار القوانين والتوصيات فقط، ولكن هو ذاته من يجب أن يقوم بالمحاسبة الموازية لكل مسارات وقرارات الحكومة، رشيدة كانت أم غير ذلك. وعلي ذكر الحكومات لا أجد لماذا يجب علينا الانتظار الموسمي لانعقاد قصير الأجل لمؤتمر الشعب العام؟ وكأن الأمور تسير علي الرحب والسعة من عافية إلي عفوية؟ بينما هي تتردي يوما بعد يوم؟ لماذا علينا الانتظار للإطاحة بحكومة ثبت عجزها وضعف همتها؟ الناس في العالم الآخر يطيحون بحكوماتهم متي قرروا ذلك، فتتغير الوجوه، بينما يطاح لدينا بأحدهم أو بعضهم، فلا يقال لنا لماذا، ثم لا نلبث أن نري المطاح بهم وقد عادوا بعد تغيير لون كراسيهم، وبعض أسمالهم.

(5) كذلك وبدون مواربة أو تمويه أقول بوجوب عودة ديوان المحاسبة كما كان، وضرورة منحه المزيد من السلطات والصلاحيات، ولا بأس حتي بإضفاء صفة الضبط القضائي عليه، فلقد كان معلما وصرحا يتمتع بمهنية عالية، فأصبحت كوادره اليوم تخاف ممارسة عملها في شركات الحكومة وأجهزتها، وتتعرض للطرد والتحقير. وإذا كنتم عزمتم علي محاربة الفساد فعليكم بديوان محاسبة مهني من كوادر عالية التأهيل (وهي لدينا) ترتب لهم الحماية والحصانة، ويبذل لهم العطاء بسخاء، حتي يمنع الوسواس الخناس من ممارسة نشاطه عليهم.

(6) يقولون بأنهم سوف ينشؤون أسواقاً مالية (بورصات). ولا أدري حتي الساعة ماذا سيبيعون فيها وماذا سيشترون؟ من لديه أموال لكي يشتري أسهم شركات القطاع العام المأسوف عليه وقلاعنا الصناعية فريدة النوع؟ أو أصرح الإنجازات العملاقة التي شاخت وبادت؟ أين هي الشركات الرابحة في القطاع العام وحتي الخاص (لا أتكلم هنا عن شركات المربوعة أو ديوان التسامر) التي ستعرض أسهمها للبيع والشراء؟ هل توجد في بلادنا شفافية يستطيع المرء من خلالها التعرف علي من اشتري ماذا؟ بيعت شركات من القطاع العام، فهل من يفيدنا ـ يا قوم ـ من اشتراها؟ هل هنالك شركات تقدم ميزانيات مصدقاً عليها من مراجعين موثوقين؟ هل لدينا قوانين ولوائح تنص تحديداً علي شفافية مثل هذه، وتفصل في كيفية العمل في مثل هذه الأسواق؟ هل لدينا محاكم تجارية مختصة مؤهلة لآليات وتقنيات التجارة ومشاكلها؟ هل لدينا قضاة تم تدريبهم علي خفايا النشاط الرأسمالي المعقدة؟ ما أعلمه أنه لا توجد لدينا محكمة تجارية مختصة في ليبيا، وكل ما لدينا دوائر تجارية تتعاطي بمفاهيم أوقات قد غبرت! والملامة لا تقع علي قضاتها فذات النصوص القديمة تحكمهم.

(7) ثم أخيرا وبخصوص الشركات التي يتم بيعها: ألا تروون لنا قصتها؟ كم أنفقت؟ وكم ربحت؟ وكم خسرت؟ وكم منها قدمت إقرارات الضرائب؟ أو أعدت ميزانية؟ وأيها نسيت القيام بذلك؟ ومن المسؤول عنها؟ وماذا يعمل هذا المسؤول أو ذاك الآن؟ هل تمت ترقيته أم غض الطرف عن محاسبته؟ من منهم المسؤول الذي انتهت شركته خرابا دمارا الآن؟ كل ما نسمعه أن فلاناً أو علاناً، وبعد أن انتهي من إهلاك الشركة أو التهامها، يكافأ بمركز سمين في بلاد برّه . أم أنكم تحلمون بقدوم الروم والفرنجة للشراء والبيع؟ هؤلاء يعملون بقوانين واضحة ومحاكم مختصة، سريعة الوتيرة، ذات أحكام نافذة، ويتم تنفيذها، ويعتمد هؤلاء الروم أو الفرنجة، علي بيانات لا تعكس غير الحقيقة، وهم عادة عندما يكونون من ذوي النزاهة لا يصدقون عادة دق الحنك الذي أدمنا تصديقه خيفة وطمعا!

(8) وتعرج ختماما ، علي ما يبدو لي آفة أخري نكررها: أنشئت العديد من الشركات الجديدة لتنفيذ المشاريع الجبارة الملصقة صورها علي الحيطان في كل مكان، تتبع صندوق التنمية أو ما شابه، ورصدت لها الأموال لكي تشارك شركات الأجانب. كلام جميل هو الآخر، ولكن المأخذ أننا أخذنا ننهج نفس النهج الذي انتهجناه سابقا، نعين علي رؤوس الشركات ضباطاً متقاعدين أو خارج الخدمة، من القوات المسلحة أو أجهزة الأمن، أو بعض أصحاب الحظوة، تماما كما كنا نفعل من قبل. وكاتب هذه السطور ليس لديه سوي التقدير للمذكورين عموماً، ولكن هؤلاء يا سادة تعليمهم وتدريبهم وتأهليهم عسكري أو أمني، حيث مطلوب منهم العزم والحزم السريع، وعدم السماح بمجادلة من التابعين لهم، وفرض شخصياتهم القيادية لإفشاء النظام والانضباط لدي الجند والأنفار. وهذا مما لا شك فيه من سمات الجيوش والشرطة في كافة أرجاء العالم. ولكن إدارة مؤسسات معقدة، بصلاحيات مالية ضخمة، ومسؤوليات تترابط وتتعلق بغيرها، يتطلب الكثير من المرونة والمجادلة والتحاور واللين والمشاورة، ويتطلب فوق ذلك الكثير من العلم والخبرة في المجال، حتي يتم الوصول إلي القرار المناسب. وتجربة سادتي الضباط، فيما عدا قلّة، لم تثمر كثيراً في بلادنا ولا في بلاد العرب الأخري عندما تولّوا بعض هذه القطاعات. كذلك الأمر بشأن أصحاب الحظوة من الحائزين علي الرضوان أو من ذوي القرابة أو الصداقة أو المرافقة أو القبالة، يعينون مسؤولين عن مؤسسات ضخمة، لا يفقهون فيها نقيرا مقدار ذرة. وبحكم تعيينهم لا يملك أحد مفاصلتهم، والنتيجة أمامكم واضحة لعيانكم. إذا كان للدولة أن تكافئ أحداً، أو تنعش حاله، فلماذا لا يتم العطاء له مباشرة، نقدا أو عينا، ويترك العمل الذي يحتاج فيه لتخصص للمختص فيه؟ في جميع الأحوال يجب أن يكون في هذه الشركات هيكلية الشركات التجارية الربحية، تخضع لضوابطها وأعرافها، فيكون لها مجلس إدارة ينتخب من قبل جمعية عمومية، وتخضع كلها لمراقبة من حرفيين من القطاع الخاص الحالف لليمين.
وختاما ليت حكومتنا الرشيدة أو الرجال ذوي النيات الطيبة أن يشترطوا في كل من يطلبون مشورته أو إسهامه في عملية الإصلاح التأكد من صلاحه ماليا وعلميا وخلقيا، وليت ذلك يقال لنا علنا، بدلا من أن نسمع أخبارهم في حديث السهاري.
ودمتم بخير وأسرع الله في وصول السعادة الموعودة..
________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "القدس العربي" ـ لندن ـ الجمعة 28 ديسمبر2007


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home