Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الخميس 29 يوليو 2010

الشرطة العربية، من خدمة للشعوب إلى عُسس للسلاطين

رمضان جربوع

قد لا يسر الموضوع كل الناس، وقد يقلق البعض ولكن لا مفر من التطرق إليه، ولتسهيل وصول الرسالة نشرع في فذلكة تاريخية قصيرة :

في المفهوم القديم

الشرطة في مفهومها العربي القديم، هي مجموعات من الرجال (من غير العسكر) يحملون علامة مميزة (شريط قماش) تدل على مهنتهم المتمثلة بضبط تقيد المواطنين باشتراطات التعايش في المراكز الحضرية والموضوعة أصلا لضمان الاستقرار وأمن السوق ومرتاديه، وتواجدها عيانا كان بغرض إظهار الاستعداد لردع الاعتداء والغش والسرقة والنصب والنشل وأعمال الفتوة والبلطجة ثم صد ومطاردة اللصوص وقطاع الطرق والمعتدين عموما. ومن مهامها حماية أملاك بيت مال المسلمين فهم العُسس على مصالح السكان بكافة مشاربهم، أي خَدمة للشعب! ولا صلاحية لهم بغير ذلك، فلا هم قضاة ولا حكام ولا ساسة، فمن يعتقلونه بالجرم المشهود يسوقونه لدار القضاء.

ما طرأ من تغيير؟

هذا المفهوم استمر تطبيقا لقرون، ولم يتغير أو يضاف إليه إلا في أواخر العصر العثماني حيث اقتبست فكرة "الجندرمة" الفرنسية، أي مجموعات من الناس في الغالب يتم تجنيدهم من مناطق غير الحضرية أو الدواخل، يتميزون بالغلاظة والجلافة ولا يكنون ودا لسكان الحضر الذين هم من غير طينتهم ولا يشاركونهم في أنشطة الاحتجاج والاعتراض، يدججون بالأسلحة ويستخدمون في قمع أعمال الشغب، أي ضبط الأمن باستعمال العنف والقوة المسلحة. وتسمى عندنا اليوم  بالدرك أو الدعم/الأمن المركزي أو قوات الشرطة الخاصة وتعرف بشمال أفريقيا وبلاد الشام بالجندرمة (أي رجال السلاح) إلى اليوم.

في يومنا هذا والثقافة الجديدة

في عصرنا الحاضر ما زلنا نستخدم هذه النوعية من الرجال، وهم وبدون ذنب جنوه، ما زالوا يتمتعون بالصفات المذكورة، فهم من مناطق منسية فقيرة بائسة لم تلحق بهم التنمية ولا استفادوا من موارد الوطن ودولته لبعدهم وقلة تعليمهم وتأهيليم، ولا نستطيع أن نطلب منهم السلوك المتمدين والمتدبر، ما من أحد أتاح لهم فرصة الخروج مما هم فيه.

 صار لدينا إذن، مفهوم هجين للعساسة أو البوليس (وبالمناسبة بوليس تعني في أصلها الفرنسي القديم بصيغة الفعل؛ ضبط الجمهور وتأكيد الالتزام بالقوانين واللوائح وقود من يخرقها للقضاء، أي حماية الاستقرار والانضباط الاجتماعي) وتكونت "ثقافة" جديدة تعني فيها الشرطة ببساطة حمل السياط والسيوف وأحيانا النطوع، والعدو هو كل من تنعته الدولة/السلطان بذلك، والعدو مذنب بمجرد التوصيف حتى لو لم يفعل شيئا، ويفيد أيضا بمعاملة كل محتج أو متظاهر مخربا مهددا للأمن والاستقرار حتى لو كان على حق، والحق هنا ينكر عليه الاستعانة به؛ الحق هو ما تقوله الدولة/السلطان، وينطبق ذلك على كل أنواع الاحتجاج و التظاهر أو الإعداد لها بغض النظر عن الفحوى، ولا يهم أن يكون المتظاهر محتجا على إساءة لحقت بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام.

المفهوم يعني، أن الرأي الصائب واحد، وليس لك يا سيدي المواطن أن تكوّن رأيا مخالفا، تستطيع فقط أن تتظاهر مؤيدا ولك أن تهتف وتدق الدفوف وتحمل المباخر بل قد يبيحون لك الانتقام المباشر من "الأعداء" ودق أعناقهم حتى .. ولا شئ  غير ذلك.

مفهوم الشرطة وسياسات العرب

نرى الآن أن اختلاق المفهوم الجديد كان مبعثه السياسة المعتمدة والشغف بإحكام السيطرة الكاملة على كل مجريات الأمور. المواطن مطالب بالانصياع الشامل الكامل، فليسكن الجميع ويصمت، وإن حلمت بأشياء أخرى، فحذاري حذاري! قد ينشؤون لك "وزارة" للأحلام وملاحقة الحالمين بغير ما يسر الدولة/ السلطان.

الشرطة التي تخيف الآمن

صار لدينا "شرطة" تخيف، خرجت عن مفهومها الشرعي الأول الذي قبل به الناس، وتحولت إلى قوة ومركز نفوذ وسلطان (بدعوى حماية السلطان) وتخلفت عن القيام بواجبها الأساس على الوجه المطلوب ألا هو مكافحة الجريمة والمخدرات ومطاردة المعتدين على مال وعرض ونفس المواطن الفرد بإطلاقه، وانعكس ذلك سلبا على نمط الحياة في المجتمع بسبب سوء الأداء وانتهاك الحقوق، صار المواطن يخاف الشرطة ويستهزئ بها ويمقتها ويحاول الالتفاف عليها وانعدمت الثقة ما بينه وبينها، تفشت الجريمة وانتشرت المخدرات وأصبح المواطن خائفا وجلا على نفسه وعرضه وماله، بل صار،  من يقدر، يتمترس ليلا في بيته بأبواب وشبابيك الحديد. العجيب في الأمر، أن بعضا منهم أخذ يمارس ما جند لمكافحته، فلحق الفساد بالمؤسسات "الشرطية" وانتشرت الرشوة والمحسوبية والعصبية القبلية وكذلك السياسية بأطيافها.

لا نعمم

يجب علينا الإشارة إلى أننا لا نعمم، ما زال في أجهزة الشرطة أناس يخافون الله ويتقونه وهم من ذوي عشق للوطن ولديهم الأريحية والحب لشعبهم، إلا أن كلامنا يخص من هم غير ذلك! فمعذرة لهولاء.

ترى ما هي الحلول؟

ببساطة، يكمن الحل في إصلاح المفهوم وإصلاح المؤسسة وإصلاح الإنسان وتنميته، ويقتضي ذلك ضمان حقوق الإنسان ومنها حقه في العيش الآمن الكريم والقول بما يراه والحرية في يعمل كيفما يرى دون التعرض للشك فيه  وقذفه بسيل التهم المعتادة، ويقتضي ذلك أيضا، الإصلاح السياسي والإداري، بل لعل، في هذا السياق، إصلاح وإعادة تأهيل القضاء والادعاء وأجهزة الرقابة على الأداء والسلوكيات، وإن سأل سائل كيف؛ نقدم ما نرى:

العدد العديد

أعداد رجال الشرطة في بلدان العرب مخيف مهول، والفلسفة في ذلك هي لضمان الأمن كما لو أنه مستتب وسائد، العبرة يجب أن تكون في "النوعية" وليس في الكمية. قليل من رجال الشرطة الذين يتم اختيارهم يجب أن يعملوا في مناطقهم وقبل أن يطلق لهم العنان، يجب أن يتم تأهليهم وتعوديهم على السلوك الحسن وعلى حقوق الناس وأن سبب تواجدهم هو لخدمتهم وليس لخدمة الدولة/ السلطان. ويجب أن يتمتعوا بما يضمن لهم العيش الكريم ويجب أن لا تنقطع عنهم أبدا دورات التأهيل وإعادة التأهيل مع الضبط والمراقبة وإزالة غير النافع ترقية وتكريم المجدي حسن الأداء.

طبيعة مدنية لا عسكرية

يجب أن لا تكون طبيعة الشرطة عسكرية، يجب أن تكون جهازا مدنيا بالأساس، ما يتاح لهم من سلاح يخصص للخاصة المسؤولة منهم، ولا يستخدم أبدا إلا في حالة تعرضهم لسلاح مماثل من الطرف المقابل. الطبيعة والهيئة العسكرية تخصص فقط للجيوش حالة واجب الذود عن الوطن ضد عدو قادم بجيوش، والجيش لا عمل له غير ذلك ولا يجب أن يجاريه أو ينافسه جهاز آخر. الشرطة هي لضمان استقرار المجتمع وسلامته والجيش لضمان أمن الوطن عندما يتعرض لاعتداء جيش آخر. فقط في حالة الشغب المدمر عندما تخرج تظاهرة عن طورها، يسمح بوحدة مكافحة تؤهل وترسم لها الحدود، فلا يجب أبدا أن يطلق على الناس "وحوش" متقلدة العصي والبنادق بدعوى القضاء على الشغب، هنالك وسائل أخرى منها الغاز والماء والدخان ورصاص المطاط، ومن تثبت مخالفته يقاد للقضاء.

رقابة الأداء

أي شرطة عربية يجب أن توضع تحت الرقابة الحقوقية والمهنية، ومن يخترق من أفرادها حقوق الناس ومن ينتهك حقوقهم يجب أن يحاكم ويخرج من الجهاز مهما علت مرتبته. والرقابة يجب أن تكون مدنية ولا تمت للجهاز بصلة، ولا بأس في أن تضم بعض رجال القضاء على سبيل الاستشارة لضمان الأداء المرسوم.

التحقيق الراجح

الشرطة تضبط ولا يجب أن تحقق، التحقيق ينتج عنه مخاطر للمتهم إذا استعمل معه العنف والضرب والحبس الطويل وبالتالي تنتهك حقوقه سلفا، أي متهم يجب أن يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته بحكم محكمة، التحقيق عملية تقنية يقوم بها المؤهلون ذوي الوعي والعلم والاطلاع من الحريصين على حقوق الناس، التحقيق يجب أن يقوم به قضاة تحقيق وليس ضباط شرطة غير مؤهلة، الشرطة عندما تأتي بأحد يكون ذلك للاشتباه بكونه فاعلا أو مدبرا لفعل مجرّم، ويحال بعد التحقيق القضائي كمتهم، وليس كمذنب، الإدانة ثم الحكم يرجع للقاضي فقط لا غير وعلى أن يتاح للمحكوم كامل الحقوق في الاستئناف. إذا لم تثبت التهمة برغم قرائن وشواهد لمخالفة أصول القانون في التعامل مع المتهم، فيجب أن يطلق سراحه لأن المسؤولية في هذه الحالة تقع على من اعتقل ومن حقق ومن فشل في إثبات التهمة، هذه المبدأ عالميا، وإن استمر القصور فيجب إعادة النظر في كافة الأجهزة والبحث فيما لها من كفاءة وما تملك من جدارة.

الحصانة غير الجائزة

في بعض بلداننا لا يجوز التحقيق مع أعضاء الشرطة وأجهزة الأمن إلا بإذن خاص من جهة التبعية (وزارة الداخلية مثلا) أي بإذن من الحكومة وفي هذا تجاوز وامتهان لحقوق الناس وخرق لمبدأ الفصل ما بين السلطات، التحقيق معهم يجب أن يجري كما يجري مع أي مواطن عادي، لا حصانة لأحد عندما يتعلق الأمر بانتهاك الحقوق أو سوء السلوك أو الفساد بتفرعاته.

احترام الشرطة

نرى في العديد من بلدان العرب شغف البعض بالالتحاق بركب الشرطة لدواع الوجاهة وممارسة السلطة وإثبات الأهمية، لقد صار البعض من ضباط الشرطة يستشيطون غضبا عندما لا يدعى "العميد/اللواء" منهم بكلمة "باشا" ، احترام الشرطة باختلاف مراتبهم  يتأتى فقط عندما يثبت للعيان ولعامة الناس تفانيه وإخلاصه وأدبه ولباقته وتهذيبه، والناس في هذه الحالة ستحترمه وتحبه وتبجله وتكنّ  له الاحترام اللازم فيصير فعلا "باشا" بدون باشوية ويشير إليه الناس بالبنان، فأي احترام أرفع من ذلك؟

وفي الختام

تحدثنا عن إصلاح الشرطة والبحث في مفهومها، والمسألة تتعلق بعدة جهات، فلن يصلح حال الشرطة إلا بإصلاح القضاء، ولن ينصلح القضاء إلا بإصلاح سياسي، ولن تنصلح السياسة إلا بعقد اجتماعي واضح جلي يرتضيه الناس.

باختصار

نريد دستورا .. نريد دستورا .. نريد دستورا

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

__________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة "أويا" ـ طرابلس، وصحيفة "القدس العربي" ـ لندن ، الخميس 2010/7/29

     


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home