Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الخميس 29 ابريل 2010

استعادة لمفهوم المدينة / الجامعة المتميزة

رمضان جربوع

لدينا عشرات الجامعات قلما يتخرج منها في عصرنا هذا من يفي بالغرض، وباستثناء القليل الناشز عن المعتاد، جامعاتنا تخرّج أفواجا من ضعاف التأهيل لا يستطيع معظمهم تحرير رسالة تفيد بالمعنى، عندما نشرع في مشروع كبير في بلداننا نلجأ للأجانب لضمان حسن التنفيذ والتسيير، خرّيجونا عزفوا وتوقفوا عن التعلم والقراءة لحظة نيلهم "الشهادة". 

هوس العائلات بالجامعة ...

بدواع الوجاهة أو ضمان المعاش وكون الحكومة هي المستخدم الرئيسي للخريجين ومن اقتضاء الالتحاق الحصول على شهادة ومن ثم وظيفة حكومية و"راتب" إذ ليس لدينا قبول اجتماعي واسع للتعليم الحرفي المهني يؤهل للعمل الخاص، القطاع الخاص أو بمصطلح اليوم "قطاع الأعمال" لم يرقى للمستوى فهو في غالب الأحوال "قطاع صفقات"، دولنا ما تزال "ريعية" توزع الدخل النفطي (أو ما يعادله من موارد بما فيها المساعدات الخارجية مقابل موالاة سياسية لمانحها).

نوعية دون مستوى المطلوب

خريجونا لا يصلحون لسوق العمل (الخاص أو العام)، تأهيلهم يكاد يكون كارثيا بمعنى الكلمة، وليس ذلك ذنبهم، بل هو خارج عن إرادتهم، ابتداء من إدارات الجامعات، لأساتذتها، لمناهجها وضعف أداء الحكومات وقلة الاعتناء برقابة الجودة وانتهاء "بثقافة" سلوكية مترسخة تكونت وسط فقدان الإحساس بالوطن ومصلحته على المدى البعيد، هؤلاء لم يعد يهمهم سوى الحصول على أكبر قدر ممكن من الميزات في الآن والأوان.

أما عن البحوث العلمية والتطويرية وما ينفق عليها، فحدث ولاحرج، نحن نتصدر الآن قائمة الأقل عطاء على مستوى العالم! وجامعاتنا بعضها تأسس منذ عشرات السنين!، تماما مثل ما نتصدر أوائل قوائم الفساد وغياب الحريات وضعف مستوى الحكم الذي يطلب الآن أن يكون رشيدا!

يظل لدينا بعض من المتميزين الذين يستطيعون وبمجهود ذاتي دون توجيه أو برنامج أو مخطط، أن يتخطوا "الوصمة" فيتميزوا ويفلحوا، ولكنهم يظلوا الأقلية وغالبا لا يتاح لهم المجال لكي يتبوؤوا المراكز التي تستحق لهم بفعل من يقرر ويحكم الخناق على الجامعة أو المؤسسة، فيلجأ البعض منهم للهجرة ويجدي ويثمر هناك، أم من يبقى فيظل عبقرية مأمولة وواعدة وفي نفس الوقت؛ مهدرة! لا تثمر ولا تجدي.

جماعة "لا أريكم إلا ما أرى"

"دكاترة" الجامعة عندنا – فيما عدا القليل، يحتلون المراكز ويلتصقون بها بإحكام، ولا أحد يراجع أداءهم ولا يرحبون إطلاقا أن يخرج عليهم من قد يشكل تهديدا لهم أو يظهر عوارهم، هؤلاء وعلى عكس المتفرض، لا يقدمون الأبحاث السنوية ولا الدراسات ولا يؤلفون كتبا، يؤلفون "ملازم" تظل تطبع وتباع للطلبة وكفي! بل منهم من يقدم نفس "المادة" لعقدين أو ثلاثة بدون تغيير أو إدراك بما تغير في "المادة".

مفهوم الجامعة أصلا

المفهوم يعتبر حديثا نسبيا، ظهر في عصر النهضة الأوروبية. قبل ذلك، التعلم والتميز كان يتم عن طريق ملازمة العلماء وشيوخ الفكر والتدرج في مسالك العلوم بالقراءة عليهم. مع التجربة والخطأ، تبلورت فكرة المؤسسة التعليمية العليا التي تدرس كل العلوم، أي الجامعة أو "الشاملة"، وغرضها الأساس كان تخريج العلماء والمؤهلين لإدارة شؤون الدولة والتخطيط لمستقبلها، ظهرت مدن في الغرب لم تشتهر سوى بجامعاتها حيث كانت توفر المناخ الملائم وتستقطب نخبة العلماء (اكسفورد، كيمبردح، هارفارد، هايدلبيرغ).

عن القلّة المتميزة

الجامعة كانت مقتصرة على القلة المتميزة ومعظمها يعتمد على تمويل من منح وعطايا ذوي المقدرة، وأوقاف تخصص لها، أو من رسوم الدراسة يسددها القادر، في أواسط القرن التاسع عشر انتشرت فكرة إتاحة التعليم العالي للجميع من كافة الطبقات الاجتماعية شريطة التميز والاستعداد الذهني.

وإلى أيامنا هذه، التأهيل الجامعي في الغرب ما زال مقتصرا على "القلّة" والتركيز الأساسي ينحصر على التأهيل المهني والحرفي والتدريب على شغل الوظائف وتأدية المهام المتطلبة في القطاعين العام والخاص. ليس بالضرورة أن يكون المهندس النفطي أو حتى المدني خريج جامعة، بل من يتدرج ويكد ويجتهد ويثبت جدارة يفوز بلقب "المهندس" دون شهادة جامعية، بل الطلب على هذه النوعية من المؤهلين يفوق الطلب على الخريجين نظرا لخبراتهم العملية. بطبيعة الحال بعض المهن تتطلب التأهيل الأكاديمي المنهجي (الطب على سبيل المثال). في فرنسا المهندسون لا يتخرجون من جامعات عامة، بل من "مدارس" متخصصة حرفيا.

والحل؟

كما نقول بعاميتنا (الكثرة تُحرم الودّ) العبرة ليست بعدد الجامعات والآلاف من خريجيها، بل تكمن في "نخبة" عالية التأهيل تستطيع أن تُعمل فكرها وتبادر وتبتكر وتبحث وتدرس وتحلل وتخطط وتشرف وتنفذ وتقود دفة البلاد، والحاجة لمثل هؤلاء تنحصر في بضع آلاف (يتجددون تواليا حسب الحاجة ووفق لظروف كل بلد)، التعليم العام بعد مرحلة الثانوية (أو الثقافة العامة) يجب أن يرتكز على التدريب المهني والحرفي، النظري والعملي، في تخصصات يتطلبها المجتمع وظروف اقتصاده المنظور والمتوقع.

لتكوين "النخبة" المتميزة القيادية، لا بد من جامعة متميزة، تكون في مدينة مكرّسة بالدرجة الأولى لها تقدم خدماتها وتقوم عليها وبها، لا ضرر من البحث في إعادة دراسة مفهوم "المدينة/الجامعة" للنخبة المتميزة في بلداننا عسى أن نستعيد الدور الذي يجب أن تقوم به الجامعة كما فعلت في بلدان الغرب، أي بمثابة منارة للبحث والعلم والفكر والتأهيل الملائم، جامعة لا يدخلها سوى من يملك المقدرة والرغبة في التميز العلمي، والاستعداد للكد والاجتهاد.

 الجامعة التي نتصورها من خلال تجارب الأمم التي سبقتنا يجب أن يكون في صدارة مناهجها (أيًا كان التخصص اللاحق): أمّ العلوم – أي الفلسفة باعتبارها الوسيلة الناجعة لتعلّم إعمال الفكر والتدريب عليه ثم وليدتها البكر: الرياضيات- مع التاريخ العام وتاريخ الفنون والآداب والعلوم؛ إلى جانب ذلك لا بد من امتلاك ناصية لغتين أجنبيتين على الأقل، حتى نستطيع أن نؤهل من يرتاد هذه الجامعة من متابعة ما يستجد على مستوى العالم (نقترح الإنجليزية والفرنسية لضمان عدم التأثر المطلق بثقافة ومرجعية أحادية)، تظل اللغة العربية الأجدر بالعناية، فكونها اللغة الأم، والتي بواسطتها أدركنا المعاني والصور والتعبير إلّا أن حصيلتنا منها ما تزال قاصرة وسيكون من المجدي الإلزام باتقانها على أصولها. في مراحل التخصص يجب التفكير في إدراج لغات من المتوقع أن تسود في المستقبل القريب مثل الصينية والبرتغالية والإسبانية والروسية.

هذه المرحلة (التحضيرية والإختبارية) قد تستغرق من سنتين إلى ثلاث، تجاوزها بنجاح يتيح للطالب الولوج إلى الدراسة التخصصية المحددة شريطة إثبات اللياقة والجدارة، والدراسة يجب أن تكون عملية ونظرية في نفس الوقت، ويشترط للتخرج التدريب في مواقع العمل المتعلقة لمدة لا تقل عن سنة. لا ننسى تضمين المنهج علم النفس والعلاقات العامة وكيفية السلوك والتعامل مع "الآخر" أيا كان، بما في ذلك الخطابة والتدريب على استحضار واستدعاء المعلومة والحجة في سبيل إثرا النقاش والتحاور والتفاوض.

نخبة النخبة

المرحلة التحضيرية لا مفر منها، أولا لكي نفرز "نخبة النخبة" وثانيا لأن الدراسة الأساسية والثانوية ليست بالمستوى المتطلب، فهي لازمة للتعرف على ذوي الاقتدار وكذلك لاستدراك ما فات المتقدم من تلقيه في تعليمنا العام المعتاد.

نشير الآن إلى الشرط الأولي لمثل هذه الجامعة، ألا وهو التفرغ الكامل ليلا نهارا (أي إقامة كاملة طوال الفصل الدراسي) للطلبة والأساتذة فالاختلاط يولد التفاعل والتواصل، التعليم يجب أن يكون تفاعليا ما بين المعلم والمتلقي، مع مراجعة أسبوعية حثيثة لإدراك مدى الاستيعاب وفيما إذا تحقق نجاح في إعمال فكر الطالب وتفاعله. نشير هنا إلى تجارب ناجحة في ليبيا في سنوات الخمسينيات حيث أنشئت مدارس داخلية في سوسة والأبيار ومصراته وغيرها، حيث خرج منها كوادر متفوقة أثبتت جدارة في إدارة شؤون البلاد، نشير أيضا إلى تجربة "الجامعة الليبية" في بنغازي وطرابلس وأقسامها الداخلية (عندما كانت جامعة فعلا لا قولا!) في خمسينات وستينيات القرن الماضي، التجربتين أسهمتا في شد اللُحمة الوطنية وشدت من أزر الوطن الذي خرج من طور التشكل بالكاد وكان لهذه "الصفوة" أيما فضل ودور فاعل وإيجابي.

لا يدرك العلم بسكب المنهج في الذاكرة

من المفهوم، وبعد كل الاعتبارات، الجامعة – المفترضة- لا تفتح "دماغ" الإنسان وتدلق فيه العلم، بل هي تؤهله وتعطيه المفاتيح للتعلم، بمعنى آخر هي مؤسسة تعلم كيف يكون التعلم الذاتي، شريطة توفير المادة ووسائلها وترسيخ المفهوم والحث عليه واشتراطه للتخرج.

التكلفة ستكون عالية دون شك، فسيلزم تغطية كافة النفقات المتعلقة بالطلبة والأساتذة والمعيدون المحليون والأجانب وكذلك خدماتها الملحقة من إيواء وملبس مخصص ومعامل ومراجع وبرامج التدريب العملي، ولكن الإنفاق سيكون استثمارا مجديا وسيحدث أثرا يشمل المؤسسات التعليمية الأخرى وتتكون لدينا نوعية جديدة تستطيع أن تفكر!

لكي يتحقق ذلك قد يكون من الصواب الاكتفاء بجامعة واحدة من هذا الطراز في البلد الواحد، وتكون في مدينة صغرى حيث تصبح الجامعة فيها المحرك الأساس وشريان الحياة، إذا استطعنا بهذه الفكرة تخريج كوادر تستطيع أن تفكر عقلانيا ومنطقيا وتجتهد وتحلل على علم وبصيرة، فسنكون نجحنا، سيكون لدينا مشروع قادة لهم جدارة بالصفة، والقيادة هنا تتعلق بكل مؤسسات الدولة دون استثناء.  ربما عندما نكون قد وصعنا معيارا جديدا لمفهوم "الجامعة" ككل وجدواها، فلنبحث عن مثال قابل للتحقيق في أحد البلدان، ولنختر ليبيا، وبالذات مدينة " دَرنه". 

دَرنه...

هي مدينة عجيبة فريدة، قديمة التأسيس (من أيام الإغريق) استقر بها في القرن الخامس عشر الميلادي بعض العائلات المهجرة من الأندلس تقع على ساحل البحر الأبيض وسط هضاب الجبل الأخضر شاقة التضاريس، لا تتميز بموارد طبيعية كبيرة سوى بعض المزارع المتناثرة المقامة على واديها، المدينة متفردة باهتمام سكانها بالثقافة والعلم والتعلم منذ القدم (درس العديد منهم بجامعة الأزهر قديما ثم درسّوا بدورهم)، الاهتمام بها من السلطات المركزية التي توالت عليها كان محدودا لقلة عدد سكانها ومواردها، كان انتعاشها الاقتصادي وتوسعه محدودا لمساحتها وغياب المشاريع الإنمائية، فهي شأنها العديد من المدن الليبية لم تنل حصة ذات بال من ثروة النفط، وإن نالت أهدرت كما حصل في غيرها، هي اليوم متكدسة بالسكان من المناطق المحيطة الذين اضطروا لانعدام الخدمات وفرص العمل، للإقامة فيها، وفرص العمل لا تتوفر إلا في أقرب مدينة، وجهة التوظيف الرئيسية هي الحكومة (الريعية كالعادة)، ولا يوجد في المنظور أي تنمية حقيقية لها إذ أن المدينة تفتقد البنية التحتية الملائمة (وإن شرع في تنفيذ بعض المشاريع مؤخرا)، هي تعاني الآن من البطالة الصريحة والمقنعة، وتعاني أيضا من جراء الطريق السريع الجديد الذي يربط غرب البلاد بشرقها والذي تجاوز المدينة فقلّت الاستفادة من مزايا التجارة العابرة،  المدينة عجيبة لأنها استطاعت بفضل الشغف بالعلم والثقافة أن تقدم للوطن أجيالا من القياديين في مجالات التعليم والاقتصاد والحرف المصرفية والدبلوماسية على قلة الإمكانيات في بداية عند الاستقالا، إسهاماتها في بناء الوطن مشهود لها لا ريب من قبل من يهمه شان الوطن!

هي الآن، لعلها الأفضل موقعا لكي تكون مدينة "جامعة" خاصة بنخبة النخبة المتميزة في الوطن، الثقافة في درنه، صناعة لم تندثر (بعد!).

هل ستتحقق؟

نشك في ذلك كثيرا، فقطاع التعليم العالي، مثله مثل الصحة، يهيمن عليه أناس من غير ذوي الجدارة والكفاءة، في غالبهم ينتمون لحركة سياسية معينة يراد بها تحريض الشعب على ممارسة السلطة، ولكنهم – أو على الأقل جزء منهم- استولوا على السلطة واحتكروها لأنفسهم ومارسوا الإقصاء والتصنيف والعزل وأحيان الإرعاب وإشاعة الخوف والوجل والاستكانة، التعليم العالي يجب أن يكون مستقلا بالكامل وفي جو ينعم بكامل الحرية الفكرية وينفتح على كل فكر إنساني أيا كان مصدره، وذلك لا ينفي بالتأكيد هويتنا، بل سيكون الاستقلال والانفتاح حاثاَ على تنميتها والتمسك بها.

 وطالما ظل هؤلاء (المعيقون المعاقون) في مواقعهم؛ لا نتوقع ـ في رأينا ـ أي إمكانية لنهضة في البلاد، أو لإنطلاق الإصلاح والتصويب واستدراك الخلل الذي شاب مسيرة الوطن.

لماذا إذا الحديث؟

هو مجرد طرح لأفكار لعلها تستحث وتستدر غيرها، ربما أفضل منها.

مضاهاة الفكر حوار قد لا يؤتي أكله إلا بعد حين، ولكنه يظل لازما دوما ودائما.

هذا اجتهادنا ورأينا، نرى فيه صوابا، ولا نجزم بالقطع أنه كذلك، فقط مقابلة الآراء والأفكار تنتج توافقا يؤدي إلى الرأي الأرجح صوابا.

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home