Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

السبت 28 نوفمبر 2009

لا يُصلح من أعطَب*

رمضان جربوع

من المحاذير البالغة الخطورة الاستعانة بأجهزة الدولة وإداراتها التي يتبوأ المراكز الرئيسة فيها نفر، على قلتهم، من الذين أعطبوا حال البلاد في عملية الإصلاح الاقتصادي والسياسي والإداري، هذه بديهية لا تحتاج لبرهان، فمن المتفق عليه أن الذي أفنى عمره في إدارات الدولة التي ترهلت وحاقها العطب خصوصا في قطاعات التعليم والصحة (إلى آخر القائمة) لن يستطيع أن يتآلف مع تيار الإصلاح ومتطلباته، لأن هؤلاء مرجعيتهم هي ذواتهم وسيرتهم، وهي في معظم الأحوال غير سارّة، فعلى الرغم من الأموال الطائلة التي وضعت تحت تصرفهم لم يحسنوا التصرف، إما لجهل وقلة كفاءة وإما لطمع وجشع، لم يحسنوا الأداء ولم ينجزوا بل ولم يستطيعوا حتى الحفاظ على ما أنجز في مسيرة التنمية. وعلى الرغم من ذلك، هنالك أفــــراد أثبتــــوا جدارة وإخــــلاصا وانتماء للوطن وساكنيه، استبعد البعض منهم وانزوى الآخر خشية على النفس. وهنالك آخرون من ذوي الكفاءة والجدارة إلا أنهم لم يستطيعوا التكيف والتأقلم مع ثقافة الفساد وانعدام الخبرة وتنصيب من لا يستحق على رؤوس الدوائر، فلم يلتحقوا أصلا.

كيف نتعرف على الطائفتين؟

الطائفة الأولى التي نحذر منها نجدها ما تزال راسخة في أهم إدارات الدولة، ويكفي اشتراط تقديم إقرار الشفافية والتحقق مما يرد فيها حتى نراهم وقد سابقوا الريح في اتجاه آخر، اتجاه لا يمت للإصلاح بصلة، وهؤلاء لا بد من إعمال القانون وإنفاذه عليهم، ونحن لدينا في ليبيا ترسانة هائلة من قوانين محاربة الفساد ابتداء من قانون الكسب الحرام والجرائم الاقتصادية .. الخ.

الطائفة الثانية، ليس من العسير العثور عليها، فإلى جانب إقرار الشفافية والذمة المالية، هنالك السيرة الذاتية التي ستنبئ بذاتها عن مضمونها. وستظل عقبة إقناعهم بأن الأمور تغيرت وأن الإصلاح لم يعد حديثا وخطابا فقط، وهذا يتطلب حوارا جديا واتفاقا على برنامج عمل وصلاحيات محددة وطمأنة بعدم التعرض لهم من قبل من لا يروق له 'الإصلاح'.

ولاكتساب ثقة الطائفة الثانية ـ الصالحة - لا بد من تغيير نهج العمل وآلية اتخاذ القرار، وهذا قد يتطلب تشريعا مدروسا ووقتا قد يطول، ولكن في الإمكان الاستعانة بمؤسسات دولية مختصة في التطوير الإداري على أن يكون إلى جانبها مؤسسات مختصة في التدقيق والتحقيق (في العقود والمشتريات والتخطيط المبني على الواقع المعاش) ومنها مؤسسات حكومية غربية ومؤسسات مجتمع مدني غير حكومية ولديها الخبرة في محاربة الفساد وتحسين الأداء. على أن يصاحب ذلك الإعلان بالعزم والنية على اعتماد مبدأ الشفافية في كل ما يجري أو يخطط له. فعند اتخاذ القرار يجب، قبله وبعده، الإعلان عن موجباته وحيثياته وبدائله المستبعدة، ولا بأس أن يكون ذلك على العلن في برامج تفاعلية تستدعي تعليقات القراء والمشاهدين والمستمعين، ذلك سيكون إثراء للحوار وضمانة لاتخاذ القرار الأقرب للصواب. غير أن الأشخاص، على أهميتهم، لن يكونوا العنصر المهم الوحيد، فلنجاح أي مشروع إصلاحي لا بد من تفاعل المواطنين معه، والمواطنون، كما الوطن، يعانون من تأثير سنوات تسلط الطائفة الأولى على مجريات الأمور حيث انعكست ثقافة الفساد على عامة الشعب، ولم يعد للقانون هيبة ولا للوطن احتراما، الناس ترى بأم أعينها أن فلانا أو علانا أفسد وأثرى وتجاوز ولم يطله طائل القانون والحساب ومن ثم العقاب، فترسخت المحسوبية والرشوة (الرشوة لها من الأركان اثنان، الراشي والمرتشي)، وتسلط السادة من قياديي الإدارات، أورث هو الآخر نوعا من التسلط في المجتمع بل ونكاد نجازف بالقول بأن جزءا كبيرا صار صنوا لهم من حيث القيم والأخلاقيات.

في سبيل الثقة

لا ننسى أن الجزء الأهم من المواطنين يعاني أعباء الحياة اليومية، وهؤلاء، ولكي يقتنعوا بأن الإصلاح قد حلّ وباشر، لا بد أن يرى بأم عينه أيضا، أن القانون قد صار قيد العمل، ولا بد من ترسيخ مفهوم إعمال القانون على الجميع، من أبسط الأمور إلى أكثرها تعقيدا، من مخالفة المرور إلى التزوير المالي المعقد. إذا لم يشعر المواطن بأن شيئا قد تغير، فلن يتغير هو، وهو، أي المواطن، هو الأسهل تغييرا، ستستقيم الأمور إذا تولاها ذوو الاستحقاق والكفاءة والنزاهة، ممن لا ينضوون تحت عباءات القبلية أو المحسوبية أو التربح، والأهم من ذلك كله أن يكونوا ذوي السيرة النظيفة و'إقرار شفافية' لا غبار عليه.

يا حبذا أن يحتوي إقرار الشفافية على بند 'معاملة' المواطنين وإن كان ثمة من مظالم ضدهم، والشفافية لكي تكون فاعلة، يجب أن تعلن إقراراتها على الملأ، بمدونات خاصة على الشبكة الدولية وعلى نشرات مطبوعة كذلك لكي تكون في متناول الجميع، ومن الطبيعي أن المطلعين سيسهمون في التحقق من المعلومات الواردة بها، إقرارات الشفافية تفقد أثرها وتأثيرها السحري إذا حررت ثم وضعت في الأدراج.

نعود للطائفة الأولى من جديد، ونسأل: ماذا نفعل بهم؟

لعل الفائدة الوحيــــدة هي دراسة سيرهم واستخلاص العبر والدروس، ومن بينها: عدم العمل بأي رأي من آرائـــهم، ونستـــطيع أن نخـــرج بمحــــاذير ونواه ونضعها في 'كتيب إرشادات' ودون شــــك، لا مفر مـــن المحاسبة، المتأنية الدقيقة المقرونة بالدلائل، همنا الأول يكمن في استرجاع ما نهب، أما العقوبة فهنالك القوانين والقضاء. لا ننصح بالتسامح في من هتك عرض الوطن وماله العام، فخصص أرضه وعقاره لمن لا يستحق وأسبغ الميزات على نخبة اختارها بعدما غرف دون وازع.

الشرط الأهم

يظل الشرط الأهم، ألا وهو النية المصرح بها في إعلان الحرب بلا هوادة على كل من يتخذ 'القبلية' مطيّة، وكل من يحتسب ذوي القربى والأصدقاء والرفاق والشركاء (من ظهر منه ومن خفي) وكل من يتخذ الزلفى طبلا وزمرا، متناسيا سيرته وما حققه وما أحبطه من طموحات وإمكانيات وما فعله من تجاوزات على كل الصعد.المواطن العادي سيستقيم أمره عندما يشاهده عيانا وليس بيانا، وكما ينصلح حال الإدارة بالمحاسبة والمساءلة سينصلح حال المواطن عندما يرى القانون وقد نفذ وصار ملزما ومصلحا. وعندما يرى الجدير الكفؤ ذو الأخلاق غير المتعال غير المغتر ويتبوأ مكانه الذي يحتاجه!

تبقى مقومات ومواصفات العنصر الإيجابي وتعامله حسب الواقع في سبيل تغييره إلى أفضل، وهذا حديث آخر.

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة أويا وصحيفة القدس العربي الخميس 19/11/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home