Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الثلاثاء 28 أبريل 2009

ديمومة الكراسي ثم الأوليغارشية (*)

رمضان جربوع

منذ سنوات كنت على اتصال مستمر بالمركز الثقافي الفرنسي بطرابلس مشاركا في بعض أنشطته خصوصا في الترجمة الفورية للمحاضرات وترتيبها والتي كان يلقيها بعض نجوم الثقافة الفرنسية الذين يستقدمهم المركز وقد أتاح ذلك لي الاطلاع عن قرب والتعرف على فلسفة وطرق عمل وأداء الإدارة الفرنسية من الناحية التطبيقية ولقد ذكرتني التجربة بما كنا نتلقاه في الجامعة نظريا، عندما كنت أدرس في البلاد الفرنسية، ثم أتيح لي مشاهدة بعض مزايا النظام عمليا.

فلسفتهم الإدارية
الإدارة الفرنسية تكاد تكون فلسفة قائمة لوحدها من حيث التعقيد والانضباط والتسلسل الهرمي، وهي روتينية بإطلاقها (لا ننسى أن كلمة 'روتين' فرنسية قحة) أي أنها منهجية بنسق مرسوم سلفا ومعد للتعامل مع المستجدات، وقد يستهجن البعض منا دلالة الكلمة من حيث إعاقتها لسرعة الإنجاز والتشدد في توافر الاشتراطات قبل الإنجاز المطلوب، ولكنها تظل من أكثر الأنظمة كفاءة في أوروبا وبدرجة فساد متدنية.

التغيير الإجباري
ما شد انتباهي على وجه الخصوص في نمطية الإدارة هي الإصرار على عدم استمرار نفس الشخص في شغل المنصب القيادي أكثر من المدة المحددة (هي عادة ما بين 3 إلى 5 سنوات) حتى لو كان أداؤه جيدا ولا غبار عليه، ومن خلال محاوراتي وتساؤلاتي مع القائمين بالعمل بالسفارة وكذلك مع الزوار الوافدين من الجامعات والوزارات بل وحتى أعضاء من الجمعية الوطنية، كانت الحجة المقدمة كالتالي:
استمرار الكادر لمدة طويلة في نفس المنصب يصل به حتما إلى عدم القدرة على الإبداع والابتكار وبالذات فيما يتعلق بتحسين الأداء بحكم التعود على نمط عمل معين تكون معالمه الرئيسية من وضعه هو، وإن استقر سير العمل فلن يجد أي دافع للتغيير وإعادة التقييم، وبالتالي وفي سبيل الصالح العام يستوجب تغيير شاغل المنصب بعد كل حين، وينقل السابق إلى منصب نظير أو أعلى وفقا لمعايير تتعلق بالتقييم الشامل.

الأوليغارشية وصلت بلدان بني يعرب
أما عندنا في كافة بلدان العرب، تكاد المناصب القيادية العليا والوسطى تكون حكرا على وجوه معينة تستمر في مواقعها سنوات وأحيانا أحقاب، ويحدث نوع من التواصل فيما بينها (خصوصا في العليا منها) وتتكون طبقة صارت تشابه ما يعرف بـ (الأوليغارشية) أي مجموعة القلة التي تتحكم في كل شيء، بل تصبح هي الحاكمة غير المباشرة لشؤون الوطن وما يخص ساكنيه في تعاملاتهم وهمومهم اليومية، عادة تقترن الأوليغارشية بالفساد ومقاسمة المصالح والنفوذ وحيث أنها متواصلة بحكم المراكز فهي جد مطلعة على كل ما يدور وتعلم هذه الوجوه ـ من مصادرها الموثوقة- بكل ما يحدث ولما كان 'العلم' بأمور لا تسر السامعين من أبناء الوطن؛ متاح لهذه 'الوجوه' عن بعضها البعض، فمن الأكيد أن خشية ما تتولد فيما يتعلق بفقد المنصب أو المزايا وأحيانا الفضيحة، ومن هنا خرج 'بروتوكول' الحماية الذاتية، بمعنى اتفاق غير مكتوب يتلخص في أن يقوم أفراد 'القلة الحاكمة فعليا' بحماية بعضهم البعض وبالتالي حصر التعيينات فيمن يرضون عنه أو من تمّ 'توظيبه' من قبلهم حتى 'لا يأتين عليكم غريب!' من خارج الدائرة.

والنتيجة؟ ترهّل وفساد!
ترهل الإدارات وعطبها حيث تصبح كل منها تكيّة خاصة، وتبتعد مصلحة الوطن أو المواطن عن أذهان القائمين عليه، وتأتي المصلحة الفردية ومصلحة القلة الأوليغارشية في المقام الأول، وربما عند وقت الفراغ الانشغال ببعض شؤون المواطن ولكن بانعدام كفاءة وفعالية ومصداقية، المهم بالنسبة لهم هو تدبيج التقارير البراقة التي تشيد بالإنجازات التي لا توجد على أرض الواقع وإن كانت مزدهرة في الإعلانات والخطب و 'طق الحنك' ...
طبعا ليس كل من يتولى المناصب من هذه الطينة، ولكن وكما هو مشاهد عندنا وفي بلدان العرب، كل من يكون هاجسه خدمة الوطن والتفاني فيه والإخلاص له ولواجباته، يكون حتما ظاهرة مزعجة بل وحتى مقلقة لولاة الأمور في الدوائر وكذلك في قيادييهم من الطبقة الأوليغارشية، فيصبح هدفا محددا للإبعاد والإفشال والإهمال حتى يتم التخلص منه، بمحض إرادته عندما يطفح به الكيل، أو يصل لموقف لا يستطيع عنده القيام باداء الواجب الذي يفترضه، أو يستكين ويعمل بالحد الأدنى المطلوب ويتخلص من هواجس هموم الوطن والمواطن فلا يعود يشكل أي خطر على السادة 'العلييّن'لا شك أن البعض من ذوي الأريحية هؤلاء يظل يقاوم الانسياق والالتحاق بركب الأوليغارشية، ولكن بعد مرور سنين ووصول الأبناء إلى مراحل متطلبات متزايدة قد يهوي البعض منهم ويلتحق بحزب ديمومة الكراسي، الكراسي التي نجحوا في تفصيلها على مقاسهم وحكرها على أنفسهم ومن والاهم وشابههم.

الخسارة المزدوجة
الوطن في هذه الحالة يخسر مرتين، الأولى في ضياع كفاءات واعدة كان من الممكن أن تدفع بعجلة تقدمه إلى الأمام والثانية عندما تبدأ الأمور في التدهور بفعل 'التخشب' في عقول 'المدراء' ثم تدريجيا تبدأ الدولة في الانحلال المؤسسي ويعاني المواطن الأمرين، فلا يعود قادرا على تلبية متطلبات الحياة اليومية كما يجب، ويعاني من فقدان الأمل في الانتقال إلى مستويات أفضل على الرغم من الأموال المرصودة والإمكانيات الهائلة، نضيف إلى ذلك اندفاع العديد من ذوي المبادرة والكفاءة إلى البحث عن موقع آخر خارج الوطن فيذهب وقلما يعود منهم أحد ..

وعن الكراسي الموسيقية والاستقرار يحدثونك
لا شك، أن القيادات في الدولة، العليا هذه المرة، يهمها بالدرجة الأولى الاستقرار وتتولد لدى البعض فكرة أن من يقوم بإدارة ما بدون مشاكل هو المطلوب، نورد في هذا السياق ما قاله أحد رؤساء جمهوريات العرب إجابة على تساؤل: لماذا لا تقومون بتغيير الوجوه المعتادة منذ سنوات عندكم؟ قال السيد لا فض فوه: 'ولماذا التغيير؟ الأمور ماشية كويس! لماذا المجازفة بوجوه جديدة؟' طبعا يعلم الجميع أن الغالبية العظمى من دولنا العربية 'أمورها لا تمشي كويّس'.

بديل مستحدث
يحدث في معظم بلداننا العربية، تغييرات في المناصب ولكنها تظل محصورة في دائرة ذات الوجوه في غالب الأحوال وإن جرى تطعيمها من حين لآخر، وهي تشابه ما صار يعرف 'بالكراسي الموسيقية' حيث يظل العازفون هم هم وبنفس آلالاتهم، ولكنهم يغيرون مقاعدهم، وبالطبع تظل المعزوفة هي ذاتها.
نحتاج لأموركثيرة دون شك، ولكن في السياق قد نرى أولويات ملحة منها:
• الابتعاد الكامل عن تعيينات شاغلي المناصب القيادية من المدرسة القديمة القائمة، هؤلاء معظمهم أتت بهم مقادير معينة تتعلق بأمور السياسة، ونقول بأن الأوان قد آن لإعادة النظر في مسألة حصر الاختيار في طبقة الأوليغارشية الموجودة عمليا، بحجة أنهم من المخلصين، مزية الإخلاص لوحدها لا تكفي، يجب غض النظر عنهم بالكامل، بلداننا مليئة بالكفاءات الواعدة والمخلصة أيضا.
• إجراء مسح شامل لكل من شغل أو يشغل منصبا قياديا في الدولة والقيام بالتقييم المجرد لما يقوم به على أن يكون التقييم بمعايير مثلى وشريطة أن لا يقوم به من يشغل مناصب الآن بل يجب أن يكون من قـــــبل خبراء أو مؤسسات مستقلة، سواء محلية (جمعيات أهلية مثلا) أو خارجية متخصصـــة، ويتم وضع معايير التقييم المستقبلي ويشترط للترقي الكفاءة الفعلية والمقدرة، وكلما كان الأداء أفضل تجب المكافأة بالمثل، فتراكم سنين الخدمة لا تعني بالضرورة استحقاق مزايا إضافية.
• تأسيس 'ديوان المحاسبة' وليس فقط للمسائل المالية ولكن أيضا المسائل الإدارية للتأكد من أن شاغلي المناصب لديهم الكفاءة والمقدرة.
• المعين الأكبر في هذا الشأن هو حرية التعبير المطلقة (اللهم التقييدات الأخلاقية) بوسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، فمن خصائص ومخرجات الصحافة الحرة هو لفت الانتباه وإظهار ما يبطن ويدس.
• الحرص على عدم 'ديمومة' القياديين في وظائفهم لآجال طويلة أو حتى نقلهم إلى مناصب أخرى بذات الحجم من الصلاحيات أو أكبر اللهم إلا إذا ثبتت جدارتهم الفعلية في خدمة الوطن.
• قد يقول البعض ولماذا التغيير إذا كان 'القيادي' مشهود له بالمقدرة والكفاءة؟ وهنا نستعير من فلسفة الإدارة الفرنسية: الاستغراق على المقعد مدة طويلة يؤدي إلى نوع من التبلد والوهن! ونحن في غنى عنه، وبلداننا زاخرة بالكفاءات الواعدة فلماذا نحرمها؟
• هنالك تجربة ناجحة في النظام الإداري الإيطالي تتلخص في توصيف المناصب من حيث المتطلبات لشغلها وكذلك محددات وظائفها، ووضع شروط لكل منها وعندما يشغر منصب ما تطرح مسابقة عامة يمتحن فيها المتقدمون لها كتابيا وتحريريا في اختبارات موضوعية وفقا لطبيعة العمل الوظيفي المطلوب ثم يخرج فائز واحد ويتم التعاقد معه لمدة لا تتجاوز مدة معينة (غالبا خمس سنوات) وإن أراد الخارج منها الاستمرار عليه الدخول في المسابقة التالية والنجاح فيها، يؤخذ في الاعتبار عادة الخبرة السابقة وقدرات التواصل وأنماط إعمال الفكر والتدبر (نتابع التجربة في مقالة قادمة)

أين نحن من كل هذا اليوم؟
لا زلنا بعيدين، ولكن حيث صار لدينا حديث عن إصلاح، فلماذا لا نمعن الفكر في مسألة المناصب القيادية وشاغليها؟ لا أدري لماذا يتم تعيين أو إعادة تعيين أو نقل 'قيادي' لم يثبت أي جدارة أو كفاءة تتعلق بمصلحة المواطن .. أمثال هؤلاء صاروا من المعيقين للنجاح والتقدم بكل بساطة!

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة قورينا / بنغازي ، وصحيفة القدس العربي / لندن ، 23/04/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home