Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

Monday, 28 April, 2008

من الذي يضلل الجماهـير.. طرنيش أم الإعـلام الحكومي؟ (*)

رمضان أحمد جربوع

كلمة لرجل يستحق، محمد طرنيش الوطني

ما هو الفرق بين التضليل و"التظليل"؟

تواردت أنباء عن قيام وزارة الإعلام لدينا، وأقول وزارة وليس أمانة، حتى يثبت العكس بالنسبة لي، مفادها تحويل الكاتب الوطني المشبع وطنية (محمد طرنيش) إلى نيابة الصحافة، للتحقيق معه بتهمة "تضليل الجماهير وإثارة الرأي العام"، على خلفية مقالات له تنشر بصحيفة مال وأعمال، وقيل أيضا إن الأمر صدر بوقف طبع الصحيفة كذلك.

لا بد أني متخلف! لم أكن أعلم أن وزارة الإعلام تستطيع أن تحوّل الناس إلى النيابات، ونيابة الصحافة تحديداً، التي قيل، لفترة، إنها تضم أيضا شؤون "المؤثرات العقلية"، وإن لم يصدر تأكيد لنبأ هذا الاختصاص حتى الآن. ربما وزارة الإعلام لدينا جد منشغلة بملاحقة من يعبر عن آراء تختلف عما تراه هي، فلم تحسم لنا الأمر.

السيد محمد طرنيش، لمن لا يعرف، من أفضل الكتاب لدينا، ولو كان لنا عشرة مثله في وسائل إعلامنا العتيدة، لكان حالنا غير الحال.. فكل ما يسطره حقيقة يعرفها القاصي والداني، وكل ما يكتبه، وإن كان بسخرية مريرة، يعبر بالفعل عما تعانيه الجماهير، يستثنى منها بالطبع كل من هو مستفيد، سواء مالاً أو جاهاً أو سلطاناً، وكتاباته إلى جانب استعراضها لوقائع ناطقة صارخة بذاتها، تتناولها بالتحليل، ثم تقدم بعض الآراء والأفكار بحلول لإصلاح التعثر، وتدفع بالقاريء إلى استخدام ملكة التفكير، ولعمري هذه هي صفات الكاتب المحمود.

مقالات طرنيش بالتأكيد تزعح البعض، ربما لاختلافها مع رأي هذا "البعض". بيد أن ما قد يقبل به عقليا؛ هو أن يقوم السادة من هذا "البعض" بتناول ما يكتب طرنيش بالدحض والتفنيد، وليس بالتحويل إلى النيابة، فالوطن، على حد علمي، لنا جميعا، ولا أحد يستطيع أن يزايد على آخر بوطنيته، أو أن يزعم أنه يملك الحقيقة المطلقة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. فإذا كانت مقالات طرنيش إخبارية، فبرهنوا لنا على عدم صحتها. وإذا كانت مقالات آراء.. فهاتوا آراءكم، واتركوا للجماهير الحكم عليها..

لدينا في أجهزة الإعلام رجال ونساء من الطراز الأول، ولكن هنالك "ثقافة ما" في قياداتها؛ ثقافة الإقصاء واللجم والاتهام بالتضليل، وربما العمالة والخيانة.

فيما يتعلق بالأخبار ما زالت جماهيرنا تملك السمع والبصر والشعور، ولا تزال قادرة على التمييز بين ما هو ماء ملح أجاج، وما هو عذب فرات.. المسألة لا تحتاج لعلماء ذرة!

الحمد لله، صار لدينا فضائيات وصحافة غير رسمية وانتيرنيت، وأصبح في مقدورنا الإدلاء بآراء، والاطلاع على أخبار محجوبة، أو أخبار لا علاقة لها بــ (شب حريق هائل، زلزال مدمر ...الخ)..

لا أحد ذو عقل سويّ ووضع "غير مميز" يستطيع أن ينكر ما يقوله السيد محمد طرنيش: أن بلادنا تعاني من فساد وسوء إدارة وضعف أداء في التخطيط والمتابعة والمحاسبة..الخ. وأن وزاراتنا المتعاقبة فشلت في توزيع الثروة على المواطنين، وهذا يا سادة يا كرام، لمن لم يسمع، قال به الأخ القائد جهارا نهارا.. ربما السادة في وزارة الإعلام لم يسمعوا بخطاب القائد الشهير، مع أن وسائلهم نقلته مباشرة.. وأدعو الله أن لا يخطر ببال السادة في وزارة الإعلام تحويل المواطن معمر القذافي أو السيد سيف الإسلام لنيابة الصحافة هما أيضاً، بتهمة تضليل الجماهير. وأخشى كذلك على بعض الإعلاميين الذي قاموا في وسائل الإعلام الرسمية بتحقيقات وتحليلات ممتازة، لا تختلف في فحواها عما يكتبه السيد محمد طرنيش وغيرها. قد يخطر على بال الوزارة تحويلهم هم أيضا للنيابة. وربما يوسوس لهم البعض بأن المواقع الليبية مثل الوطن الليبية وشباب ليبيا الغد والسيلفيوم وفيلادلفيا والصياد والبوابة وصحيفتي أويا وقورينا..هي أيضا تقوم بتضليل الجماهير! ... مسكينة أنت أيتها الجماهير تكالب القوم على قصعتك ..

أصحاب القرار والمراتب العالية في بلادنا عليهم أن يحاولوا إقناع أنفسهم بأن الاختلاف في الرأي هو، في حد ذاته، نعمة وليس نقمة، فمن يقول برأي مخالف قد يكون في حججه ما يفيده لاستدراك خطأ ما.. فالكمال لله وحده .. وهذا أيضا ينطبق على السيد محمد طرنيش، فلو ردت وزارة الإعلام على أخباره وآرائه، ربما كان اقتنع بالخطأ، ورجع عنه.. بل ربما أمكن إقناعه بأننا نعيش في أسعد حال وأهنأ بال منذ زمان، وفقا لما تقول به الوزارة العتيدة.. أما الرسوخ في عقلية عصر أهل الكهف، والإصرار على الإدعاء بالكمال، والتكرار الطويل الممل، وسكب الأنهار من الأحبار في ديباجات المديح والقريض .. فلا ثمرة منه سوى المزيد من المكابرة والإسفاف!

وفي رأيي الشخصي، الموافق في بعض جوانبه لما يقول به السيد سيف الإسلام: لم يعد لدينا حاجة لوزارة إعلام أو ثقافة أو رقابة. الإعلام متاح بدون إنفاق الملايين، والثقافة تفاعل ذاتي ما بين مبدعين ومتلقين، ولا تمت بصلة لأوامر التكيلف واللوائح. أما الرقابة في عصر الانتيرنيت فلم يعد لها، لا فعالية، ولا جدوى..

ليس هذا أوان اختلاق أو افتعال قضية جديدة تتعلق بحرية الرأي، لن ينالنا منها سوى الأذى داخليا وفي محافل العالم الخارجي.. ألا يكفينا أننا الدولة الوحيدة في العالم التي لا تسأل المسافر القادم من الخارج إذا كان يحمل مخدرات أو سلاحاً، بل تسأله تحديداً ما إذا كان يحمل جرائد أو مجلات أو كتباً.. (مؤثرات عقلية دون شك!) .. هل نحن في حاجة إلى إعادة إنتاج قضايا سابقة مثل عبد الرازق المنصوري وضيف الغزال؟

وزارة الإعلام، مثلها مثل باقي الوزارات، آن لها أن تقفل أبوابها، فلقد كفانا ما أصابنا منها، فالإصرار على قول "لا" لكل من يقول "لا".. لن يحقق شيئاً على الإطلاق، والبرهان في مجلة "لا"!

أنا أفكر شخصيا برفع قضية تعويض عن ضرر أصابني عدة مرات من جراء متابعتي لوسائل إعلامنا الرسمية، حيث أخذ ينتابني الشك في مقدرتي العقلية على استيعاب واقع الحال، لمخالفة ما أرى لما تقول به الوزارة، أصبت بالإحباط، وتفاقمت حالتي، حتى بلغت حد الاكتئاب النفسي، ولكن الله لطف بي وسخر لي طبيباً نفسياً ممتازاً، شخّـص حالتي، ووصف لي العلاج. أتعرفون ما كان العلاج؟ نصحني بعدم سماع أو مشاهدة أو قراءة وسائل إعلامنا.. وقد فعلت، وتحسنت حالتي .. وعندما فكرت في موضوع القضية، عزفت عن ذلك، إيمانا بحرية الرأي .. حتى لوزارة الإعلام!

وحسما لمخاصمة الوزارة للكاتب محمد طرنيش أقترح أن يقوم ذوو السلطان في الوزارة، وكما يبدو هم يملكون حق وسلطة التحويل، أن يرفعوا كافة ما كتب طرنيش إلى أمانة مؤتمر الشعب العام، لكي تقوم هذه بإحالته إلى جماهير المؤتمرات الشعبية الأساسية، للإفادة فيما إذا كانت كتابات المعني "مضللة"؟

تبقى دائما الخشية بأن تكون هذه الجماهير قد وقعت كلها بالفعل تحت "تضليل" طرنيش!

وهنا لا يبقى لنا سوى الحل الجذري: إقفال كافة الوسائل التي أتيحت لنا، نحن الجماهير، بالكتابة في والاطلاع على آراء مخالفة، والاكتفاء بثقافة "التظليل"، بمعنى البقاء في الظل، وشرب الطاسات المركركات ... على اعتبار أن الأمور كلها "مريقلة" وعال العال!!!

رمضان جربوع
بنغازي
28/4/2008
ramadanjarbou@yhaoo.com
________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة "قورينا" ، 28/4/2008 .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home