Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

السبت 27 سبتمبر 2008

في سياق الإصلاح، حقوق أخرى يجب أن تكرّس! (*)

الحق في النقابات الحرة، والحق في الإضراب، والحق في التظاهر والحق في الخطابة

رمضان جربوع

نعيش هذه الأيام في ليبيا مخاضاً عظيماً، مدفوعاً برؤية جديدة لغد جديد، من أبرز معالمها استشراف سياسات جديدة وتشريعات جديدة، لعل من أهمها التصريح بالرأي الآخر، وإتاحة الفرصة لكل من يأنس في نفسه القدرة لكي يخوض في قضايا الوطن. كان هناك أيضاً إقرار بوضعية اقتصادية متردية، ناتجة عن سوء تطبيق تجربة في اقتصاد القطاع العام، كانت المهيمنة على النشاط المالي والاقتصادي والصناعي في البلاد، بل ولامست حتى قطاع الزراعة، إلى جانب تغييب أو تقليص نشاطات القطاع الخاص إلى الحد الأدنى، ومن ثم استبعد إسهام رأس المال الخاص.
الاقتصاد كان اشتراكيا، بمعنى أن اليد العاملة (وهنا كافة الشعب) تملك وسائل الإنتاج، ويديرها عن طريق كوادر لم يتم تأهيلها بالمستوى المطلوب، وصار الجميع موظفين ذوي مرتبات، أو حسب المفردات المحلية "منتجين".
استغول جهاز "الدولة" بعد أن صارت ديناصورية، بعدد كوادرها، وشمولية اختصاصاتها، من صناعات ومشاريع زراعية كبيرة ورعاية صحية وصيدلانية، حتى تحولت إلى شخص المورّد الأول لجميع الخدمات والسلع، ضمن إطارات بمسميات متعددة: مؤسسات، شركات، أجهزة..الخ كلها تحمل صفة "العامة"، وكان أن أصبحت الدولة في فترة ما هي البائع للخضروات واللحوم والسندوتشات والملابس والأجهزة، وكل شيء يخطر على البال، وفي نفس الوقت ظهرت كرب العمل الوحيد الذي تعمل لديه كافة قطاعات الشعب مقابل مرتبات، والغالبية العظمى منهم ينتظرون نصيبهم من "الأرباح" في آخر السنة. جدير بالذكر أن القليل القليل دفع فعلا، فلم يكن هناك أرباح تذكر ولم يكن هناك من يحاسب!
شاب التجربة ما شابها، وواكبتها مؤثرات السياسة الدولية وتدافعاتها وسياسات المواقف، وضعف خبرة من أنيط بهم إدارة مشاريع ومؤسسات ضخمة تتعامل بالمليارات، يضاف إلى ذلك ضعف الرقابة وغياب المحاسبة وإهمال إعداد الميزانيات السنوية، وبالطبع انعدام المنافسة وآليات الضبط وإصلاح المسيرة. كل ذلك كان شبيها بما حدث من تجارب الاشتراكية في العالم العربي وغيره، بعض نجاح هنا وفشل هناك، وكانت شجاعة من جانب الدولة الإعلان بأن المأمول تحقيقه لم يحدث، ولم يحدث الازدهار المنشود، بل وظهر لدينا رغم غنانا المفترض: الفقر الذي كان من المستحيل التفكير فيه! واستقر الأمر مؤخرا، بعد تقييم ما حدث، على التوجه نحو اقتصاد السوق، وهو التعبير الملطف للاقتصاد الرأسمالي أو الحر. وترافق ذلك مع استقرار البلاد السياسي دوليا، وحل المشاكل التي كانت قائمة مع الغرب، ثم أخيرا الطفرة الحادثة في دخل البلاد من جراء ارتفاع أسعار النفط.
هنا نحن لسنا في باب تبيان نجاعة نظام اقتصادي دون آخر، أو المفاضلة بينهما، فكلا النظامين، على مستوى العالم، كانا يأخذان أحدهما من الآخر، بل ذهب العديد من مفكري العالم إلى القول بظهور "اتجاه التوافق" ما بين الرأسمالي والاشتراكي (مثل المفكر الفرنسي موريس ديفيرجيه الذي يقول بأن الاشتراكي أخذ من الرأسمالي قضية الجدوى والتنافس والكفاءة والفعالية، وأخذ الرأسمالي من الاشتراكي مبادئ الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، على سبيل المثال لا الحصر). ولكن نرى بأن الأخذ بنظام السوق كما هو في الغرب قد يستوجب أن يرافقه إرساء مفاهيم وحقوق في سبيل أن يؤتي التحول الجاري من "العام" إلى "الخاص" أكلا طيبا، فالمواطن العادي الذي شب وترعرع في ظل "العام" قد لا يستطيع الاستمرار في المعاناة، هذه المرة في ظل "الخاص".

ما يخطر على البال أولا هو الإقرار والتشريع لحقوق أساسية نحتاجها في سياق التحول الجديد، ومن بينها:

- الحق في النقابات الحرة :
الحق في تشكيل النقابات الحرة بعيدا عن هيمنة الدولة تحت أية صورة، وعدم إلزام النقابات بالانضمام لاتحادات معينة، والاتحادات ذاتها يجب أن تكون ذاتيه التكوين، وفقا لرؤية مؤسسيها السياسية والاقتصادية، لأنه سيكون لنا مصالح نوعية تعني العاملين في المؤسسة الخاصة وحدهم. والنقابة النوعية ستكون هي المخولة بالتفاوض في كل ما يتعلق بحقوق العاملين بمواجهة أصحاب رأس المال، والتفويض أصلا ينتج عن انتخاب حر ما بين هؤلاء العاملين. هذا الحق يجب أيضا الإقرار به لموظفي الدولة في الإدارات العامة. فإذا كان النظام الاشتراكي يفترض عدم الحاجة أو الداعي، ففي ظل نظام السوق من الأجدى أن يكون مصرحا به للجميع، فإذا قبلنا به للعاملين في المؤسسات الخاصة فلماذا لا نقبل به للعاملين في قطاعات الدولة؟

- الحق في الإضراب:
الحق في الإضراب، باعتباره حقا من حقوق الإنسان، يستخدمه العاملون في العالم الآخر لممارسة الضغوط على أصحاب المؤسسة، في سبيل تحسين بيئة عملهم ومرتباتهم المقابلة له، وشروط الخصومات وسياسة العمل، وهذه كلها أمور تتعلق بالعاملين، وتحسم ما بين الطرفين، ويمكن أن تنظم الإضرابات وفق تشريعات معينة، تتوخى المصلحة العامة، وفي ذات الوقت لا تغمط حق العاملين في المؤسسة في المطالبة بحقوقهم، ولو كان ذلك بممارسة الضغوط بإيقاف العمل، وهذا يحدث الآن في العالم، ويتم تجاوز المعضلة بالتفاوض على فض الإضراب، ويتحمل الناس التعطيل أو التأخير في مصالحهم عندما يمس الإضراب وسائل النقل أو الإدارة. ونحن نشاهد ذلك على شاشات التلفزيون، ونشاهد أيضا كيف أن الأمور تسوى ولا تنقلب الدنيا. والكلمة الفصل في نهاية الأمر ستكون للقانون.

- الحق في التظاهر :
الحق في التظاهر هو أيضا حق يجب تكريسه، فهو وسيلة تعبير عن موقف أو مطلب أو مظلمة، وصحيح أن التظاهر كان محرما في العهد الملكي، ورؤي عدم جدواه في عهد الثورة، وصحيح أيضا أن ما حدث لدينا من تجارب قليلة في التظاهر كانت سيئة اتسمت بالشغب وتدمير الممتلكات وسقوط الضحايا من المتظاهرين ورجال الأمن، ولكن ذلك لا يجب أن يمنعنا من التفكير في تنظيم ممارسة مبدأ الحق (على سبيل المثال: حصر التظاهر في شارع معين وبإعلام مسبق، ومن جهة مخصصة كالنقابة أو مؤسسات المجتمع المدني، والبعد كل البعد عن فكرة الإذن المسبق، ويستعاض عنها بالإخطار المسبق). الشغب وتسلل عناصر غير ذات صلة في المسيرة التظاهرية لأغراض في نفسها يمكن التغلب عليه بالوسائل الحديثة، بشرط أن يتم ذلك من قبل رجال أمن مدربين جيدا، يتم تلقينهم أنه من حق الناس أن يتظاهروا، لكون ذلك وسيلة من وسائل التعبير الحر الذي صار مسموحا به، وعلى أن يعتبر الجميع أن التظاهر حق إنساني مشروط بعدم خلخلة الأمن وإثارة القلاقل، والصيغة الملائمة ليست مستحيلة التحقيق. مجرد التخوف مما قد يحدث لا يجب أن يكون الوازع في حجب الحق! فيوماً ما سنتعلم ممارسة الحق بكل مدنية وحضارية وبلا استفزار من أي من الأطراف.

- الحق في الخطابة الحرة :
يبقى حق آخر، قد يعتقد البعض أنه ترف لا جدوى من ورائه، ألا وهو حق الخطابة العامة لمن يشاء أن يقول ما يشاء، فمن المعلوم أن الناس أينما كانوا، وتحت أي نظام، وفي أي عهد أو حقبة زمنية، لديها ما تقول، وقد يكون القول في غير سياق "قول" الدولة وسياساتها، وليس الكل بقادر على استعمال فرص التعبير المكتوب لعدة عوامل، فلماذا لا نسمح بفرصة أن يقول أي مواطن ما يشاء مباشرة إلى من يريد أن يسمع؟ ولو كان يريد أن يفعل ذلك خارج الإطار الرسمي، أي "المؤتمر الشعبي الأساسي"؟ فقد يخطر له ما يود قوله في غير أجل انعقاد هذا المؤتمر، أو أنه فقط لا يريد التوجه لجمهور المؤتمر فقط. نستطيع أن نخصص حديقة عامة في يوم معين يقول فيها ويخطب من يعن له الكلام أو الخطابة، ونستطيع أن نضع الضوابط الناهية عن استعمال القبيح من النعوت، وعدم التعرض مباشرة للأشخاص، مع القبول بالتعرض للمنصب والوظيفة والمهمة. وعلى الرغم من أن الكلام أو الخطبة قد يكون في غير سياق أو فائدة، إلا أن ذلك سيظل متنفساً لما يعتلج في صدور الناس، ولن يتأتي من ورائه إلا الخير، أو على الأقل لا شر منه، ولا كلفة فيه.

في الختام نذكر أن العديد من الأفكار المقترحة أعلاه قد تمت صياغته في النظام الجماهيري، الذي لم نرَ ثماره، لسوء التطبيق من جهة، ومن جهة أخرى بسبب تغوّل الدولة وأجهزتها المتعددة والتلاعب بالتقارير وكشوف الحساب. ونذكر على سبيل المثال ما أتيح من فرص للنقابات المهنية واتحاداتها وفروعها، كذلك ما ورد على لسان قائد الثورة من أن كل مواطن يستطيع أن يكتب ما يشاء ويعلقه على الجدران، شريطة وضع اسمه ورقم بطاقته الشخصية، ناهيك عن فرصة الإفاضة بكل ما يدور بخلد الناس أمام جماهير المؤتمرات الشعبية، التي كانت تنطق ولكن الفعل والتنفيذ أوكل لغير أكفاء، أما حق الإضراب والنقابات الحرة والخاصة بالمؤسسات التي سيملكها الآن القطاع الخاص وكذلك حق التظاهر ففي حسباننا أنها ستكون كفيلة بلجم جماح "تغوّل" رأس المال الخاص، وخاصة أن ما نشاهده الآن من طفرات في النشاط الاقتصادي السوقي المبدأ والتوجه أخذ يشوبه هو الآخر تداخلات من بعض أصحاب رؤوس أموال، قد يقول البعض عنهم أنهم كانوا محسوبين على النظام الاشتراكي أو، لنقل بتعبير آخر، كانوا هم يحسبون أنفسهم من رجالات الدولة.. ولمزيد من الإفصاح هناك شكوك لدى البعض في أن الكثير من الثروات التي "نزلت" السوق الآن يشوبها ما يشوبها من حيث شرعيتها وكيفية اكتسابها، ربما بفعل ما كان لديهم من سلطان وتسلط!
التفكير في هذه الحقوق والعمل على إدراج مفاهيمها ضرورة لابد منها لوضع الضوابط، حتى لا تحيد مسيرة الإصلاح عن الطريق المنشود، والولوج إلى عصر دولة المؤسسات، ومعها جنباً إلى جنب مؤسسات المجتمع المدني! وقد نكون بفعل ذلك تقدمنا خطوات عظيمة نتفوق بها على العديد من الدول الأخرى التي مرت بتجارب مشابهة. وهي في نهاية الأمر إقرار بما يجب الإقرار به: أن لا أحد يعلم العلم كله، فليشترك الجميع في الفكر والطرح.
أتوقع أن يعلق البعض بأن ما أسلفت ليس سوى أضغات أحلام، فليكن!، أوَ لم يبدأ كل شيء بحلم؟
آخرون يقولون بأن الكاتب يروج لفكر معين، صحيح قد يتوافق ما أقول مع بعض مناهج فكر، ولكني لا أكتب إلا مدفوعا بهاجس الوطن والمواطن، وما زادي إلا اطلاع ومعايشة لعشرات السنين، وجل مبتغاي أن يكون ما أكتب دافعا لغيري لأن يفكر ويتمعن هو الآخر ويدلي بدلوه، تداول وتطارح الأفكار هو الطريق الأصوب، أما الموافقة المطلقة على طرح معين، وإن كنت أنا صاحبه، فهو ليس المطلوب، المطلوب أن نفكر جميعا!

ramadanjarbou@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة القدس العربي / لندن ، وصحيفة قورينا / بنغازي ، 25/9/2008


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home