Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الجمعة 24 ديسمبر 2010

وحسبك أنه استقلال!..

الفساد والقبلية وشطحات الجامحين تنهش في لحمنا ...

رمضان جربوع

قال شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي في قصيدة شهيرة تحتفي بعيد استقلال الوطن ليبيا،:

عيد عليه مهابة وجلال * عيد وحسبك أنه استقلال

كان ذلك منذ ستين سنة ولت.  قبلها  كنا ولاية عثمانية بائسة، جاء محتل مدجج بأسلحة الدمار الشامل، لا يهدف فقط لاستعمار ونهب وطن بل لمحو مواطنيه بالكامل، قضى على قرابة نصف السكان لأنهم تصدوا له بما تيسر لهم، كانوا يدافعون عن دينهم وأرضهم وعرضهم، خلافة بني عثمان نفسها والتي تمثل الدولة عندنا؛ اندحرت لضعفها وهوانها، ولم يحد أجدادنا إلا أنفسهم وبعض عون من متطوعي العرب، قاتلوا وسالت دماؤهم أنهارا، تغلب الجبروت بعد عشرون عاما من السجال، لم يستسلموا وأضمروا في القلوب ما عجزت عنه الأبدان، الأبدان التي ضمرت في معسكرات الاعتقال والإبادة. من بقي من المجاهدين صبر متربصا، ثم نشبت الحرب العالمية الثانية وطالت بلادنا ودمرتها، حرب لم يكن لنا فيها لا ناقة ولا جمل، عانى الأسلاف وهدمت بيوتهم ووسائل عيشهم، ولما لاحت فرصة الرد والثأر، لم يكن لهم من خيار – للعديد منهم- سوى الالتحاق بقوى الحلفاء التي عزمت من جديد بعد كرّ وفرّ، على احتلال ليبيا، كانت البغية: الانفكاك  من التبعية للغير ثم الاستقلال الموعود مقابل العون.

كيف حدث "استقلال"؟

هكذا تصور القوم، إلا أن مخرجات الحرب الكونية أظهرت منظومة دول عظمى جديدة، وكل واحدة منها لها مطامع في أرضنا، والتي وإن كانت طاردة جدباء، إلا أننا كنا نحبها فلم يعد لنا وطن سواها. فرنسا كانت تريد الجنوب، وإيطاليا الغرب أما بريطانيا؛ قائدة المسيرة في بلادنا فكان نصب عينيها الشرق كدرع خلفي للدفاع عن قناة السويس، حتى الاتحاد السوفييتي كان يريد نصيبا من الكعكعة، طالب بجزيرة "البومبا" كقاعدة ومدخل له. تعقد الأمر، ولم يصل "مجلس الأمن" لتوافق فأحيلت القضية الليبية للجمعية العمومية التي ترجح التصويت فيها لصالح الاستقلال بفضل جمهورية "هاييتي" بالفارق الذي أحدثه صوتها لصالحنا. ولا ننسى ساسة الوطن الوليد في ذلك العهد الذين اتخذوا من قيادة الطريقة السنوسية ودورها  إبّان مرحلة الجهاد، ركيزة التفوا حولها درءا للتشرذم والتقطيع، قبل بها البعض أو عافها، ولكنها كانت التوافق الذي أسهم في الاستقلال ومن ذم بنيان مشروع الدولة.

يضاف إلى ذلك؛ المجهود غير المسبوق لمؤسسات المجتمع الأهلي، - المدني إن شئتم - في عملية بناء الدولة ومحو الأمية والتعليم الليلي والعمل الخيري في تقديم المعونة للمعوزين ورعاية المرضى والجهد نادر المثال في ترسيخ مفهوم الوطنية والانتماء للوطن، كانوا من ذوي العفاف والإثرية والحماسة يعطون ولا ياخذون، بل لقد ترك البعض حياض الوطن وذهب مواصلا الجهاد في فلسطين كيفما توفر.

الجهد الذي بذل في الكفاح المرير للفوز بالاستقلال قام به شباب وشيب الأمة، القليل من مثقفيها وحكمة مشايخ قبائلها عندما كانت تستحق الاسم! (لا تمت لهم شرذمة القبلية الحالية الجشعة المتخلفة؛ بصلة) كذلك لا ننسى عون ودفع الجامعة العربية التي كانت تريد أن تكون كذلك في بداياتها قبل أن تتعقد أمور السياسة الدولية.

وكيف كنا عند "الاستقلال"؟

نلنا الاستقلال، فهل كان استقلالا كاملا؟ أم منقوصا؟

لا ريب أن الاستقلال الكامل في ظل عالم اليوم وكذلك بعيد انتهاء الحرب، ظل وسيظل نسبيا، لم يكن لدينا شيء اللهم أرض قفر شاسعة ذات موقع استراتيجي بلغ أهمية قصوى بعد اندلاع الحرب الباردة وتخاصم حلفاء الأمس الذي صاروا أعداء، هذا معسكر اشتراكي وذاك رأسمالي وكلاهما يريد القضاء على الأخر،

 لم نكن نستطع حتى إطعام أنفسنا، غياب الغيث كان يحدث مجاعة بكل بساطة، لا رعاية صحية تستحق الاسم،  أو تشييد المدارس لأطفالنا.  لم يقم الإيطاليون بشيء يذكر لتشكيل كوادر دولة أو وسائل عيش وصناعة وما شابه، كل ما عملوه كان لهم ولمستوطنيهم الذين أحضروا من وراء البحر. الليبيون – عدا القلة القليلة – استمروا في معاناة شظف العيش كما كانوا قبلا.

نبرر أم نحاول الفهم؟

السنوات الأولى كان الهم الأساس فيها؛ تأسيس دولة ومؤسسات ولقد قطع في  شوطا كبيرا، لقد صارت لدينا دولة، فقيرة صحيح، ولكنها غنية ثرية برجالها وعزيمتها.

 كان لابد من دعم خارجي فلم يكن الخروج من التخلف من سبيل دونه، فكانت معونات محدودة تصل من الأمم المتحدة ونذر يسير من بريطانيا والولايات المتحدة، والدولتان تصران على الاحتفاظ بقواعد عسكرية على التراب الليبي، ونظامنا يرى فيهم حلفاء الأمس الذي أعانوا في سبيل الاستقلال فلا بأس من استمرار التحالف الخطر الشيوعي أو كما يقولون. مثقفو البلاد لم يهضموا الأمر كثيرا إلا أن التركيز كان على نهضة التعليم ومحاولة اكتساب أكبر قدر ممكن من الحقوق السياسية.

 الشغف كان حثيثا للتعلم والتثقف. لم يكن هنالك بديلا متاحا، فانعقدت هدنة من نوع ما، إلا أن الأمور تغيرت عند بدأ عمليات استكشاف النفط في أواخر خمسينات القرن الماضي، حيث أتاح ذلك فرص عمل كثيرة، وتحسنت نوعية الحياة قليلا، وترافق ذلك مع مد التيار العروبي القادم من الشرق وتجاوب الناس مع الثورة المصرية وزعيمها عندما اتضحت العداوة المضمرة والسافرة من حلفاء الأمس وتأييدهم المطلق لمن اغتصب فلسطين، تبعها معاداة كل توجه أو حلم لوحدة عربية واحدة تضم الأشلاء المتناثرة. ونتج عن ذلك تيار شعبي قوي بمطالبات وحدوية بل وتأسست حركات سياسية مختلفة يصب معظمها في تيار عروبي شبه يساري أو بمرجعية دينية واضحة، كانت المطالب هذه هي ما دعت إليه الثورة لتي ستحدث في 1969 ووضعتها شعارات لها.

حكومات أيام الفقر كانت تنظر للأمور بواقعية ونحن – شباب ذلك الحين – ربما كنا من الحالمين الذين أخذهم الحماس فكنا نريد كل شيء بالرغم من كل شيء ونريده الآن وليس غدا. واقعية أو ربما حكمة الحكومات المتوالية كانت تشعر بالحاجة والعوز ولا ترى من سبيل لمغامرات أو حروب أخرى. في نهاية المطالب (1966) صارت مطالب إجلاء القواعد الأجنبية ملحا مما اضطرها إلى المطالب بمباشرة مفاوضات الجلاء بعد ذلك بحوالي السنتين وانطلقت فعلا وإن على خجل. لا ننسى أن حجة العوز والفقر كانت قد ولّت فلقد بدأت ليبيا بتصدير النفط، وذاقت الناس بدرجات متفاوتة ثمرات ذلك وصارت برامج الإعمال والتنمية حثيثا، قبل ذلك لم يكن لدينا فسادا كثيرا، فالثروة معدومة أصلا، أي أن بيت المال لم يكن عامرا كما صار فيما بعد، وارتفاع نسبة الفساد كما نعرف ذات علاقة طردية مع ارتفاع المدخول العام.

لا يجوز لنا أن نسمهم "بخيانة" لقد كان هؤلاء الرجال الشيوخ في عنفوانهم يقاومون المحتل، فإن تحالفوا إلى حين مع خصومه، فذلك واقعية وعقلانية وانتهاز لفرصة سانحة، ألم يفعل ذلك الجنرال ديغول وصحبه في فرنسا لمقاومة المحتل النازي؟ ألم يفعل الإيطاليون ذلك أيضا ليتخلصوا من نير الفاشست؟ لم نسمع بأحد ينعتهم بالعمالة أو الخيانة.

أسلافنا وإن كانوا لا يحملون "الدكتوراهات والماجيستيرات" إلا أنهم كانوا ذوي عقل وحكمة وتروي، وكانوا يحكمون على الأمور ويختارون حسب ما أتيح لهم من معرفة، اليوم نستطيع أن ننتقد بعض ما عملوا، ولكنهم كانوا وطنيين على كل حال ولم يضروا أحدا، كنا نحن في شبابنا ننتقد كثيرا، ولكنه كانوا يستحملوننا  بل وتحاورون معنا ولا يغتاظون، كان هنالك توافق ما بيننا، كلنا كنا نحب الوطن

في عبر التاريخ قديما وحديثا

ربع القرن، ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية وانقضاء العهد الملكي، يعتبر كنزا هائلا من العبر التي نستطيع الاستفادة منها نحن اليوم، تاريخ الفترة يجب أن يدرس ويبحث بحيادية، فما كان حسنا نستطيع أن نجتهد لنعمل أحسن منه، وما كان سيئا علينا أن نجتهد لتلافيه. التاريخ يجب أن يكون متاحا لا مطموسا، التاريخ يحمل الحكمة والدرس والنصيحة، عدم التعرض له أو إضفاء العوار عليه فقط لا يفيد أحدا. البحث في التاريخ لا يعني بالضرورة رفض للحاضر بل حتما سيصب في صالحه، إما تصحيحا أو تدليلا، رجال الأمس كانوا من الليبيين الوطنيين، لا نزايد عليهم، ما ندعوا إليه هو أن يتعرف شبابنا على هذا التاريخ ولنترك لهم الاستيعاب والتحليل والخروج برأي، نحن من دخلنا أفق الكهولة راحلون، وهم، أي الشباب باقون وإن إلى حين، فدعوهم يحسوا بوطنهم وكيف كان وكيف لهم أن يجعلوه أفضل من الأمس واليوم غدا!

صحيفة قورينا نشرت بحثا ومقالة عن هذه الحقبة في بادرة غير مسبوقة، إلا أن "سلاطين الإعلام الحكومي" رفضوا طباعتها لأنها احتوت صورة لملك ليبيا السابق، الرجل مات، ولم نسمع بأحد أنه خرج من قبره حيا، هل بلغ بنا المدى أن إعلامنا الرسمي فقد الثقة في نفسه  فصار رجاله يخشون من ذلك؟ ما الذي استفاده الوطن من منع طباعة الصحيفة؟  ما الذي نستفيده من افتعال أزمات لا داع لها ولا موجب؟

ندعوا إلى التقدم والخروج من التخلف وبعضنا ما زال يشدنا حيث نحن، الإصلاح ليس في تحسين الإدارة والتخطيط والتنفيذ والمحاسبة واعتماد الشفافية والنزاهة، بل من سمات الإصلاح حرية الإعلام وحرية النشر، لم يعد يهمنا من يملك هذه الصحيفة أو تلك، ما يهمنا أن يتاح النشر وتتاح حرية الرأي. الإملاء العشوائي بما يجب أن يكتب أو ينشر في عصر ثورة المعلومات وتقنياتها المتطورة أبدا هو ضرب من السقم، لقد آن الأوان أن تتغير بعض المفاهيم العتيقة إن أريد لنا إصلاحا، وإن كان الإصلاح أصبح معوقا، فإلى متى يا ترى؟ ... هل نقول "عظّم الله أجركم؟"

وما نراه من خلاصة زيارة خاطفة

لكي يصطلح حالنا لا بد من حرية الصحافة، لابد من تدريس تاريخنا كله دون محاباة أو حجب، دعونا نتعلم ونستخلص العبر، لابد من تدرس "التربية الوطنية" في مدارسنا من جديد، لا بد من نشر مبادئ حب الوطن والبذل في سبيله، لابد من مؤسسات مجتمع أهلي/مدني مستقلة تعمل في كل شيء كما يراه مؤسسوها.

الفساد والقبلية وشطحات الجامحين تنهش في لحمنا، ولا بد من استنفار كل الجهود الأهلية لمحاربتها تماما كما نحارب الفيروسات المسببة للأمراض.

دعونا نجعل شبابنا يشعر بوطنه وأهميته، لعلنا نستطيع أن نجعلهم يواصلوا المسيرة بالعطاء وليس بانتظار عطاء لا يأتي، وإن أتى يأتي منقوصا، فلقد نهب "الجامحون" نصيبا كبيرا منه

دعونا نقول في كل مناسبة ذات شأن، الاستقلال مثالا ، كل ذكرى سعيدة وأنتم أسعد، أو كما قد يقول البعض ليلة الرابع والعشرين من هذا الشهر "ميري استقلال" عوضا عن "ميري كريسماس.

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

__________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة "أويا" ـ طرابلس، وصحيفة "القدس العربي" ـ لندن ،  2010/12/23      


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home