Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

السبت 24 يناير 2009

نتغاضى ونصفح؟.. أم في ذلك تجاوز؟(*)

عن تطابق الطموحات من حيث الإنسان هو الإنسان أينما هو!

رمضان جربوع

نتحدث اليوم بإستيحاء من مقالة لبول كروغمان، الأستاذ الجامعي، الحائز لجائرة نوبل في الاقتصاد 2008 (والتي فوجيء بها) وهوكاتب المقالة المنتظم مرتين في الأسبوع على صحيفة النيويورك تايمز، اهتمامته تترواح بين تحليل الحالة الاقتصادية والشأن السياسي الأمريكي والعالمي، وهو في جميع كتاباته (التي أتابعها لأكثر من عشر سنوات) يمثل تيار المثقفين ذوي النزعة الإنسانية حيث يحكم على السلوك الحكومي بمدى جدواه لعامة الناس، ويطرح أفكاره ورؤيته بأسلوب يتميز بالبساطة وعدم التعقيد بحيث يصل للقاريء العادي غير المتخصص في شؤون الاقتصاد والمالية والعلوم السياسية، وهو ما يتيح لمثل هذا القاريء تكوين رؤية عنما يجري في بلاده وبالتالي القدرة على إبداء الرأي فيه، وهذا يشكل الحراك السياسي بمفهومه العام وهو أيضا المشاركة في صنع القرار والحوار حوله.

 تعرض كروغمان في مقالة نشرت بيوم 16/1/2009 بصحيفته المعتادة، لإجابة الرئيس أوباما، قبل تنصيبه، عما إذا كان سيقوم بإطلاق تحقيق في انتهاكات الدستور والقانون والحقوق من قبل إدارة جورج السابقة ولكن الإجابة لم تشفي غليل كروغمان بل أثارته فكتب ردا موجعا في أقل ما يمكن أن يقال عنه.

المقالة، لمست مني أيضا وترا حساسا، يخصنا في ليبيا وأيضا في كافة بلدان العرب، وسأحاول إبداء المقارنة في تلاقي مطامحنا نحن (في ليبيا وكافة بلاد العرب) وما يصبو إليه كروغمان، وقد يقول قائل وما لنا وما يجري في بلاد الكاتب، والرد هين يسير، نحن كلنا بني بشر، نختلف في اللغة والثقافة وأسلوب الحياة، ولكننا قطعا نتلاقى في أحاسيس الإنسان الأولية وطموحه للعدل واستقرار مجتمعه، وهذا الإنسان أيضا في كل مكان يجمح ويرتكب الفظائع ويخلخل بنيان الدولة وتعاني الرعية الوبال من جراء ذلك، ودائما خارج القانون والدستور أو مباديء نظام الدولة، وهذا النوع من  بني آدم الجامحين يجد له دوما رفاق مسيرة يتعاضدون معه فينصبون على الدولة وحقوق مواطنيها متظاهرين بالأمن القومي تارة وبخدمة الوطن أخرى.

عن الحصانة من القانون والمسائلة

لدينا الآن تيار إصلاح قوي ويزداد قوة، وإن كان على وتيرة متأنية، إلا أنه أصبح أمرا واقعا دخلت مفرداته في الخطاب السياسي العام ووصل لعامة الناس وتعلقوا به، وصاروا ينتظرون منه الكثير مما صاروا في حاجة إليه، التيار الإصلاحي، وعنوانه به الدلالة على أن عطبا ما أصاب البلاد ومسيرتها، قد يكون في أمريكا تغيير رئيس بآخر وبالتالي هم ينظرون إلى الأعطاب التي حدثت عندهم، ونحن لم يتغير نظامنا السياسي ولكننا بالتأكيد مقبلون على تغيير في مفردات الخطاب العام، بما في ذلك جعل مسألة المسائلة والمحاسبة والشفافية على أولويات المشروع الإصلاحي الجديد، والحديث عن ذلك، يقينا شيء طيب، وقد يجعلنا نعيد طرح السؤال الهام لدينا وهو:

ماذا نفعل بهم؟ .... أي أولئك الذين تسببوا في العطب وعرقلوا مسيرة التنمية وأضاعوا الحقوق وأهدروا المال العام. ..

التساؤل صار متاحا لنا بعد سنين من التضييق والحجر، وبرهاننا يتمثل في وضع مبدأ "المصالحة" و"التعويض" ضمن أولويات تيار الإصلاح، وكان الإفراج عن العديد من السجناء السياسيين وطرح مبدأ التعويض عن من قضى في الاعتقال السنين العديدة، ودفع الديّة (لا تعبير آخر لها) لمن قتل والتعويض لمن أفنى زهرة عمره بعيدا عن أهله ولمن صودر ماله وعقاره ولمن طرد من عمله  ولمن اضطر وهاجر، وغير ذلك، وضعت البرامج وأخذت تسير، وإن لم تكن بالوتيرة الحثيثة، إلا أن الجديد الذي يدفع للتافؤل، أنها صارت موضوعة كحقا معترفا به، وبالتالي تتيح لنا هذه النقلة الهائلة، فرصة طرح السؤال:

 وماذا عن الأفراد الذين تسببوا في كل ذلك؟

 نتاول الأمر بروية فنقول:

بعض المتنفذين في بلادي ليبيا وبلاد العرب أجمعين دون استثناء، وصلوا لمرحلة التسلط والتحكم في كافة أمور الحياة في البلاد، استحوذوا على السلطة في كل المجالات والإدارات، (وهؤلاء عندنا لهم مسميات كثيرة، مثل الجامحين أو المنحرفين في مؤسسات الدولة والتي كررنا القول بها عدة مرات، وهي البيروقراطية العليا والوسطى، والدنيا لحقت بها لاحقة، إلا من رحم ربي، والإعلام الرسمي، والعصبية القبلية والأجهزة الأمنية متعددة التسميات وبالطبع اللجان الثورية)

من البديهي عند مسائلة أيا منهم ... – وهنا نتوقف لتوجيه إشارة للسادة المذكورين:

 كلامنا موجه هنا لمن قتل وعذّب وسرق واستغل المنصب، وكتب التقارير الكاذبة، واستعمل سلطته لمصلحته ومصلحة صحبه وأهله وقبيله، وكذلك لمن تهاون في إعمال القانون والعدل وتزلف ونافق وغش واحتال ونصب، إلى أخر الفواحش. من لم يقم بأي من هذه الأعمال فليطمئن فلا حرج عليه ونحن لا نتحدث عنه وبالتالي لن يضيره أن يسئل ويحقق معه.

الرأي المرجح صوابه!

.... أن من أفسد وأعطب لم  يعد يصلح أن يتبوأ منصبا في الدولة، مهما كانت مرتبته وأيا كانت طريقة وصوله، لا مفر من الحساب، نحن عموما أناس طيبون على استعداد للصفح، ولكن فقط بعد الإقرار بالذنب وسرد الوقائع والاعتذار والتعويض، والصفح لا يشمل الإعادة إلى المناصب

العظة في ذلك، أننا لا نبحث عن انتقام وتصفية حساب، نريد فقط إعمال القانون، والمسائلة والإشهار وإعمال القوانين (وبلادنا غنية بها أيما غنى)، وإصرارنا على ذلك بكل بساطة: لكي لا يكرر أحد فعل ما فعلوا.

وعندهم

يقول كروغمان متحدثا عن عدم عزم أوباما التحقيق في الانتهاكات التي ارتكبت في عهد سلفه:

(أنا آسف، هذا لا يجوز!،  في حالة أن نحرم من التحقيق فيما حدث خلال سنوات جورج بوش، فسيعني ذلك بأن الذين يحوزون سلطة هم بالتأكيد فوق القانون وهذا يعني أنهم لن يواجهوا نتائج إساءة السلطة وانتهاكها) ثم يواصل: (فلنكن واضحين فيما نتحدث عنه؛ ما حدث ليس فقط التعذيب والتنصت غير الشرعي على المواطنين، الحقيقة هي أن انتهاكات إدارة الرئس بوش للسلطة توغلت وامتدت من حماية البيئة إلى حقوق الانتخاب، وكل إساءة حدثت من جراء إساءة استخدام السلطة كانت تحدث باستخدام "السلطة الحكومية" التي كانت تكافيء الأصدقاء السياسيين وتصب جام غضبها وعقابها على كل من يعارضها من "الأعداء" السياسيين، من قاموا بذلك كانوا يتحججون بالوطنية ويخدمون الأمن القومي!) 

من الشبه أربعين

نرى هنا تشابها بيننا وبينهم، فمعظم الذين ارتكبوا الانتهاكات في بلادنا كانوا يتعللون بأمن الوطن والقضاء على الأعداء وتجريدهم من سلاحهم الاقتصادي (يقرأ هنا: التأميمات ومصادرة العقارات والاعتقالات والمحاكمات غير القانونية وغير الإنسانية)، ثم يتحاجّون بالعزم والتصميم على الإسراع بتنفيذ الإنجازات والخروج من التخلف، فكانت المقولة: إرادة شعبية وتنفيذ ثوري، إلا أنهم و بحكم ضعف تأهليهم وشغفهم بالتصنيف (دائما الخشية من الأعداء المفترضين) وترسخ الشعور لديهم بأحقيتهم بتولي المناصب ومقاستمها فيما بينهم وعدم خضوعهم لأي مسائلة ذات شأن لم ينتجوا شيئا، لا شيء على الإطلاق! ...  وهنا نرى شبها آخرا بيننا وبين جماعة جورج بوش، حيث يقول كروغمان: 

(على سبيل المثال، في وزارة العدل، المعينون سياسيا، كانوا يحتكرون المناصب – غير السياسية – لحساب ما يسمونهم، حرفيا: "الأمريكيون ذوي الفكر الصائب" والمصطلح منهم وليس مني، وهنالك دلائل قوية على أن الموظفين الكبار في الإدارة كانوا يستغلون سلطتهم لزعزعة حقوق الانتخاب للأقليات وكانوا أيضا يلاحقون السياسيين الديموقراطيين)  

وحديث الفشل والقصور

وأما عن الفشل في أداء العمل التنفيذي، فلقد حدث عندنا أيضا، فلقد أنفقت المليارات في بلادنا على مشاريع صناعية وزراعية وصحية وتعليمية ونفطية وغيره، وكان من المفترض أن يتولى شؤونها ذوي الكفاءة، إلا أن عديميها هم من تولوها، و النتيجة لذلك لدينا ظاهرة للعيان، يقول كروغمان عن مثيل ذلك في بلاده

 (عملية التعيينات في وزارة العدل الأمريكية، كانت صدى لما يحدث في العراق تحت الاحتلال – هذا الاحتلال الذي يعلن عنه بأنه كان حيويا لضمان الأمن القومي الأمريكي – في هذه التعيينات كان المعيار في الاختيار ما بين المتقدمين،  هو "الفكر السياسي " الملائم  وولائهم للرئيس بوش، وطبقا لبعض التقارير، كذلك رأيهم في مسألة الإجهاض الإرداي، وليست مقدرتهم على أداء العمل المنشود!  كما هو مفترض

ولما تطرقنا للعراق، يجب علينا أن لا ننسى مشاريع عملية إعماره الفاشلة: لقد بعثرت إدارة الرئيس بوش مليارات الدولارات في عقود تمنح بدون مناقصة أو منافسة لشركات لها علاقات "سياسية" وثيقة، شركات لم تحقق سوى الفشل الذريع، بالطبع نتفهم لماذا كانت غير مهتمة بأداء الأعمال التي تعاقدوا عليها؛ ... نحن نعرف جيدا أنه كلما خطر لأحد موظفي الحكومة أن يفرض مبدأ المحاسبة والمسائلة على هذه الشركات، على سبيل المثال "شركة هاليبيرتون" سيجد مسيرته الوظيفية وقد تزعزعت! وبسرعة

المخافة من العود!

هنالك من القرائن ما يدل على أنه في حالة التغاضي والصفح بدون المحاسبة والمسائلة والتحقيق، سيعود من فعلوا السوءات في مجتمعنا لما اعتادوا عليه، بل والأخطر من ذلك، أن من يفد، كجديد، على المناصب العالية أو حتى الدنيا، فقد يفعل هو الآخر مثل ما فعلوا، وتترسخ ثقافة الفساد،.. فما الذي يعيقه، لقد شهد بالواقعة وشهد أن لا عقاب لحق الجاني المتجني.

نحن لا نتحدث عن الضحايا الأفراد من حيث استيفائهم لحقوقهم، ولكننا نتحدث عن الوطن، الذي سيكون هو الخاسر الأكبر في حالة عدم المحاسبة والمسائلة... ولنا في تحذير كروغمان للرئيس الجديد عبرة، فهو يسرد عليه وقائع تثبت حالات العود لاقتراف الانتهاكات،  لأن الذين أذنبوا وانتهكوا الدستور والقانون، لم يحاسبوا ولم يحقق معهم، بل وحتى الذين حوكموا وأدينوا – لفظاعة الجرم وخروجه على العلن – تم العفو عنهم بحجة أنهم خدموا الوطن والأمن القومي، ثم يقول له بأنك ستقسم اليمين عند تولي المنصب وستقول بأنك ستدافع عن الدستور وتحميه، ولكن طاعة الدستور من قبلك فقط ليست كافية بل عليك ملاحقة كل من ينتهك الدستور:

(على الرئيس ليس  فقط أن يبذل جهده في طاعته (أي الدستور)، ولكن عليه محاسبة كل من ينتهكه.

(لذلك، السيد أوباما عليه بمراجعة قراره بالسماح للإدارة بالافلات من جرائمها. لنضع النتئائج المتوقعة لهذا القرار جانبا، السيد أوباما لا يحق له أن يتخذ هذا القرار!) 

مفاد المقال: وجوب الوطن!

 إن لنا في سيرة الآخرين عبرة، قبل القول بالصفح والتغاضي، يجب التفكير في الوطن وفي النتائج بعيدة المدى  هذا الفعل إن فعلنا.

لمن يعتقد بأن له حصانة أو حماية، أو كما يدعى، كذبا، أنه واصل متصل، وذي وصال غير للانقطاع، فنقول له بأن الوطن والدولة والقيادة وتيار الإصلاح، في نهاية المطاف ستضع مصلحة الوطن قبل مصلحته.

تيار الإصلاح ليس ابتداع أو تجاوز للنظام القائم، النظام ارتضاه الناس كما يفترض، ولكن الذين أوكل إليهم الأمر قاموا بعمل ما يرضي سريرتهم وغضوا الطرف عن المواطن وضربوا صفحا عن الإخلاص والنزاهة، فالهتاف وتدبيج المقال وإصدار البرقيات لم يعد يجدي ..

إذا كنا مدينين للسيد سيف الإسلام بطرح أفكار الإصلاح قيد التناول والتنفيذ، الذي نأمل أن لا يتأخر كثيرا، فنحن نحسب أنه ما كان لسيف الإسلام  أن يقوم بما قام لو لم ينال رضا القيادة ... تذكروا  ذلك جيدا يا سادة، الإصلاح والتغيير في الخطاب والمفاهيم والآليات قادم ...  على الأقل هذا هو ما يدفعنا  للتفاؤل بأيام أفضل من التي ولّت إلى غير رجعة إن شاء الله

لقد أرهقتم الوطن وجعلتوا بنيه يعانون السقم ..

نذكّر، والذكرى تنفع، بأن ليبيا إبان العهد الملكي وعند الاستقلال، كان هنالك تيار ينادي بمحاسبة المواطنين الذين "تطليونوا" أو تعاملوا مع إيطاليا التي كانت تحتل البلاد، ليس عن قناعة بل في سبيل المزايا والفوائد، فخدموا المستعمر في العديد من إدارته وخصوصا الأمنية منها، ونٌصح الملك السابق بمحاسبتهم وإبعادهم عن المشاركة في إدارة شؤونها، إلا أنه عزف عن ذلك قائلا "حبال سوّ  طاحت في بير"، وكان أن تأسست الدولة وتولى بعض منهم المناصب في الدولة الجديدة وبعضهم في ذات الإدارات. ... لن نحكم، هنا، التاريخ يحكم!

وختاما

حتى لا يعتقد البعض بغير المراد، نحن لم ولن نتزلف لأحد، نحن نتفائل لأن هنالك بشائر بإصلاح، وعندما يصل المرء لسن معينة، لابد له أن يتفائل، إن لم يكن له، فلنسله ووطنه، ونحن ننتظر أن تتسارع وتيرة الإصلاح، وأن يخرج الدستور الذي يرسخ الحريات والحقوق ويصونها ويجعل من ممارسة الشعب للسلطة أمرا لا رجعة فيه، ويكون فيه الحساب والسؤال، ويكون فيه الشعب صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، حالن بلادنا تدعونا لهذا الخيار ..

إن هي إلا كلمات نقولها بعد أن أتيح لنا القول!

ramadanjarbou@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة القدس العربي / لندن ، وصحيفة قورينا / بنغازي ، 22/1/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home