Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الثلاثاء 23 يونيو 2009

المرأة .. المرأة

حقوقها أم حقوق المواطَنة للجميع؟
(*)

رمضان جربوع

وددت لو عنونت المقالة "المرءات" ولكن، لا نحاة اللغة سمحوا، ولا جرسها يستقيم، لذا وضعت صيغة الجمع بتكرار الاسم، وفي هذا أول الغمط، فالمرأة حقها مهضوم في مجتمعاتنا الذكورية وكذلك في لغتنا العربية ومن ذلك تأمّلوا معي التالي كما وصلني عبر الإيميل من أحد المهتمين:
إذا كان الرجل لا يزال على قيد الحياة فيقال عنه إنه "حيّ"، أما إذا كانت المرأة ما تزال على قيد الحياة فيقال عنها إنها "حيّة"!
إذا أصاب الرجل في قوله أو فعله فيقال عنه إنه "مصيب"، أما إذا فعلت المرأة أو قالت مثله، فيقال عنها إنها "مصيبة" !
إذا تولىّ الرجل منصب القضاء فيقال عنه إنه "قاضٍ"، أما إذا تولت المرأة ذات المنصب فيقال عنها إنها "قاضية"! وهي المصيبة التي تهلك..
إذا أصبح الرجل عضوا في أحد المجالس النيابية فيقال عنه إنه "نائب"، أما إذا نالت المرأة هذه العضوية فيقال عنها إنها "نائبة"! وهذا من جنس المصيبة!
إذا كان للرجل هواية يتسلى بها ولا يحترفها، يقال عنه إنه "هاوٍ"، أما إذا صار للمرأة هواية، فيقال عنها أنها "هاوية"! .. وهي من أسماء جهنم
هذا عن اللغة، فأين هي في مجتمعاتنا العربية؟

المرأة لبنة الأمة
ما كان لأسرة أو مجتمع أن يكون من دونها، فهي الوالدة، الحاضنة، المرضعة، الراعية، الساهرة، القائمة على شؤون البيت صباح مساء، تنظف، تطبخ، تغسل، ترعى الأولاد، يهجع إليها الزوج عند الإياب، يشكو لها الولد من سقمه وجوعه وعطشه، فتمرّضه وتطعمه وتسقيه، وهي المدبرة المقتصدة، الحاملة لهموم العوز وشظف العيش، تهوّن وتهيئ أسباب الهناء، داعية خالقها تعالى بالخير لذويها قبل نفسها، وهي الأم الرؤوم، والأخت الحنون، والبنت المحبة لأبيها، والحفيدة البهجة لجدّيها، وهي أول من يفرح لفرح أهلها، وأول من يحزن لكروبهم، وهي الفازعة المنجدة في كل ضيق، في مال أو نفس، هذه هي المرأة في مجتمعاتنا في غالبية الأحوال العظمى، فماذا لها؟ في معظم الأحوال كذلك، صارت المرأة في بلداننا "كينونة" مفروغ من أمرها، عليها الاستمرار في فعل ما تفعل، ولها ما يتفضل به الرجل، فلنحاول تقصي الأسباب.

الرجل المهيمن
الهيمنة على مقدرات الأسرة وأساسها (المرأة)، وفرض وضعية اجتماعية سياسية معينة عليها، نشأت منذ بدء المجتمعات، وكان لذلك المبرر، فالرجل يأتي بالطعام من الغاب، يجابه الصعاب، ويذود عن الدار، ويقوم، لكونه الأقوى جسدا، بكل ما قد تعجز عنه المرأة، ومن ثم نشأت لدى الرجل ذهنية الاستعلاء والفرز والاختصاص بكل ما يمت للقرار بصلة. وتطور ذلك عبر التاريخ لتصبح السلطة ذاتها، على نطاق المجتمعات، في يدي الرجل، فيما عدا استثناءات قليلة هنا وهناك.

ولكن اليوم: تطورت البشرية، وتطورت وسائل كسب الرزق، وتعقدت منشآت المجتمعات وإدارات تصريف الأعمال، واستمرت حقوق "الرجل" أو فلنقل المصطح الأًصح: حقوق المواطَنة، محجوبة عن المرأة، بل إن المجتمعات المتقدمة لم تمنحها حق الانتخاب إلا بعد صراع أثمر في بدايات القرن العشرين، ولكن ما هي حقوق المواطَنة؟

حقوق المواطَنة وليس حقوق المرأة:
المواطن، والصفة على الجنسين، عليه، في المجتمعات، واجبات وله حقوق، ومن الواجبات:
• الإسهام في أمن واستقرار ورخاء المجتمع بالقدر المستطاع، والحرص على عدم الإضرار بالمجتمع ومكوناته والوفاء بحقوقه، هذا التعريف المختصر.
• ومن الحقوق: المساواة المبدئية أمام شريعة المجتمع، وحرية الرأي، والرضوخ لقرار الأغلبية، والمشاركة في اتخاذ القرار المُجتمع عليه، عندما يتعلق بأمر الجماعة. التعريف هنا هو الآخر مصاغ بالصورة المبدئية، ولكن حيث إننا صرنا دولا وأمما، وقد اتخذنا مسارا نحو التنمية بفعل التطور المادي والحقوقي، فيكون من المفترض استعراض الوضع تحت ضوء الحقوق والواجبات:

عن حال اليوم:
ما تزال المرأة تؤدي ما كان واقعا عليها قبل شروع شعوبنا في النهضة والتنمية بعد الاستقلال، وإن طرأ الكثير من التحسن على المستوى العام، حيث التعليم وممارسة النساء الحرف والمهن، أدى بها لتبوأ مواقع كانت حكرا على الرجل، مع استمرارها – في معظم الأحوال- في أداء ما يقع عليها عرفا في السابق وإن ازدادت المشقة ولكنها؛ لم تتمكن بعد من المشاركة "الندّية" مع الرجل في النظر والقرار.
ما زال الرجل في بلداننا مهيمناً على القرار، ومن ثم السلطة، على جميع المستويات تقريبا، ولا شك في أن ذلك يرجع إلى "ذهنية" المجتمعات الذكورية، أو عقلية أن الرجل أصلح لتولي مسألة النظر والقرار في الشرق عموما. وعند القياس ماذا نجد؟

فلنقارن:
إذا كان الوضع عند بدء المجتمعات البشرية متوائما مع طبيعة الحالة، فقد يمكننا – افتراضا- القول بأن حقوق المواطَنة النسبية شائعة ومتوفرة إلى حد ما بحكم الظرف – في حدود تقاسم الأعباء- ولكن حيث أن التطور والإمكانيات غيرت الوضع والظرف، وصار لدينا مجتمعات جديدة مبنية على قواعد ومفاهيم جد مختلفة عن حياة الغاب والبيداء، إذن من الطبيعي المطالبة بأن تنال المرأة حصتها من حقوق "المواطَنة" كاملة غير منقوصة، مثلها مثل الرجل كما وكيفا. صحيح، إننا نسمع ونرى حراكاً يطالب بحقوق المرأة، إلا أن الحق الأول الذي يجب ترسيخه هو، في تصورنا، حق المساواة الكاملة في الوطن وكافة شؤونه. لقد حصلت المرأة في البلدان المتقدمة، بعد جهد جهيد، على المواطَنة الكاملة كما عرفناها. ونحن هنا لا ندعو للاقتداء المتطابق بالغرب، ولكن دعوتنا موجهة للمجتمع "الذكوري" في بلداننا النامية لأن يمنح حق المواطَنة الكامل، في الواجبات – بتقديراتها – والحقوق بإطلاقها، وذلك للأسباب التالية:

الدواعي والأسباب:
مضت عشرات السنين منذ استقلال بلداننا، ومثلها مرّ منذ اكتشاف ثروات النفط. تحقق الكثير على مستوى التنمية البشرية والمادية، ولكن لم يتحقق ما هو مفترض وفق المتاح من الإمكانيات، حدث حياد عن المسار الصحيح لدواع عدة، لا محل لتفصيلها هنا، ولكن المحصلة:
"دولنا في معظمها تعاني من سوء التخطيط والتنفيذ ومن الفساد ومن القصور في حقوق المواطنَة حتى للرجل. ما يهمنا في سياقنا هذا؛ هو العطب الحاصل في إداراتنا ومراكز القرارات. حالنا، وإن لم يكن بالغ السوء، إلا أنه ليس الحال المفترض أن نكون عليه. يكفينا أن نقارن بلداننا ومسيرتها التنموية بما حصل في البلدان الآسيوية والأمريكية الجنوبية، التي كانت في ظروف مشابهة لنا، لكي نتيقن بأن هناك تعثراً ما في المسيرة. البحث والخروج بحلول يستغرق أكثر من المتاح في مقالة عابرة، ولكن لا يمنع ذلك من طرح مستلهم من وضعية المرأة عند شعوبنا، فنطرح التالي:

فليكن لها النصف:
نرى أن يكرس للمرأة نصف المواقع الإدارية والتنفيذية والتشريعية ومراكز القرار، بما في ذلك الوزارت ورئاستها (ولو بالتناوب). صحيح أن كل النساء لسن مؤهلات لتولي نصف المناصب، ولكن ذلك يرجع لغمط حقوقهن في نيل التعليم والتأهيل المطلوب، ومن بعد التمكين، والعائد بدوره لذهنية "الذكورية" فالذنب ليس ذنبهن، ولكن بالعدد المتوفر من المؤهلات منهن، عندما نضيف إليه الممزيات الطبيعية لدى المرأة التي ذكرناها في فاتحة المقال، من رقة وشفقة وحرص وتدبير وإدارة شؤون البيت وحس مرهف وتعاطف، وغير ذلك كثير مما يعجز القلم عن تسطيره بشموليته التي اكتسبتها بقيامها بالأعباء الملقاة عليها منذ القدم؛ نستطيع بالتأكيد تأمل حال وأداء أفضل مما هو قائم الآن.
• قد يقول البعض، بأن إعاقات وعثرات ستحدث، فليكن، أو ليست العبرة بأمل في الأفضل؟
• ثم ألسنا نعاني اليوم في ظل مؤسساتنا "الذكورية" من هذه الإعاقات والعثرات منذ عشرات السنين؟
• وحيث إننا نؤهل وندرب ونعلم ونخرج القيادات الإدارية؛ ألا نستطيع زيادة حصة المرأة لتساوي تلك التي يحوزها الرجل، والقصد هنا تحديدا في مراكز اتخاذ القرار وتنفيذه ومتابعته؟
• نستطيع الزعم بأن "الفساد" سيكون أقل مما هو الآن، فلا نخال نساء يجتمعن ويخططن في دوائر فساد وسلب ونهب المال العام. صحيح لكل قاعدة شواذ، وصحيح أن من النساء أيضا من لديهن الاستعداد، ولكننا نزعم بأن النسبة ستكون أقل، أو على الأقل قد يتقلص الفساد وينحسر بشكل ما!
• كما أن للرجل، بفعل تكوينه الجسدي، مزايا تؤهله لوظائف ومناصب، كذلك للنساء مزايا أخرى اكتسبنها أمّا عن جدّة، مزايا نحن الآن في أشد الحاجة إليها في هذا العصر لتطوير مجتمعاتنا بمقاربة قد تكون أفضل.
• صحيح أيضاً أن بلدانا عربية استطاعت تمكين المرأة من العديد من المواقع، ولكن ذلك تم بفعل شبه خارق، تطلب جهداً وكفاحاً منها في سبيل نيل التأهيل. والسؤال الذي يطرح نفسه: أليست النساء أجدر بنيل حقوق المواطنة الكاملة بدون منّ أو على سبيل الاسثناء؟
• أن تكون المرأة، متمتعة بهذه الحقوق قد يكون مؤديا لحل أفضل، فإذا كانت ناجحة في بناء لبنة الأمة الأولى – الأسرة- فما الذي يمنع أن تنجح في بناء الوطن؟ أليس في الإمكان الاستفادة من مهاراتها وأساليبها في إدارة شؤون الأسرة؟ .. ألا نجرب؟

وفي الخلاصة:
• مجتمع لا يتمتع نصفه بحقوق المواطَنة الكاملة، مجتمع قاصر عن الأداء الحسن بمقدار النصف، وإذا كان النصف الآخر لم يستوف حقوقه كاملة، فالأداء سيكون قاصرا بمقدرا الثلاثة أرباع
• المرأة ناجحة ولها القدرة، وفي إمكاننا الإسهام في رفعها، على تولي نصف المواقع، وإن لم تثمر التجربة سريعا، فعلى الأقل سنكون أقل فسادا، إلى حد ما، وبالتأكيد سنكون أكثر رأفة ببعضنا البعض وربما أكثر عدلا...
• ما تتعلمه المرأة من أمها وتطبقه هي عندما تصير أمًا، قد يكون حجر أساس نبني عليه ضمن برنامج تربوي مخصص لرفع الكفاءة القيادية فيما يتعلق بالنطاق الأوسع، أي المجتمع والدولة، وهو ما نقوم به اليوم ولكن في محصلته نراه يكاد يكون مقصورا على الرجل
• مقترح الحل يجب أن يكون على أساس التجربة والتقييم والتطوير، الأساس في تولي المناصب هو الكفاءة أولا ومن ثم التنافسية الحرة، ولكنه وإن بدا بصورة المؤقت إلا أنه يقع ضمن البحث الذي يجب أن يكون متواصلا نحو طريق الصواب لتحسين الأداء. عند التجربة وإذا ترسخ مفهوم المشاركة بالتساوي والتخلي عن سياسة التمييز ضد المرأة التي تحدث في الواقع العملي، قد يكون إلغاء مبدأ المناصفة مطلوبا وسيكون ذلك، هذه المرة، إقرارا وترسيخا لمبدأ عدم التمييز، والتأهل فقط للكفاءة بغض النظر عن الجنس، ذكرا كان أم أنثى.
• المرأة كنز ومعين لا ينضب، وعلى المجتمع السعي للنهل منه لفائدته عن طريق التشجيع والتمكين عبر تشريعات وبرامج إعداد
• الإشكالية الأساس ليست في صياغة التشريعات وإقرارها، ولكن في إنفاذها على أرض الواقع، وأيضا في سيادة ذهنية "الذكورية" التي لم تعد تعني شيئا في بعض الأحيان، فإن كان من تغيير، فلنبدأ عند الرجال... أولا!

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة قورينا / بنغازي ، وصحيفة القدس العربي / لندن ، الخميس 18/06/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home