Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الجمعة 23 ابريل 2010

العصبية القبلية دمار للوطنية..

 لا ولاء إلا للوطن*

رمضان جربوع

ما خرجنا قليلا من هيمنة الاستعمار المباشر حتى هيمنت علينا 'استعمارات' أخرى؛ ذاتية المنشأ هذه المرة تتمثل في بيروقراطية انتهازية ومنافقة يرافقها ويحالفها رجال أعمال 'الهدّة' يعيثون فسادا وينهبون المال العام العائد لساكني أوطان العربان الذين صاروا فيه 'غربانا' على أكثر تقدير، ندرك كلنا ذلك ولكننا أحيانا نغض النظر عن كارثة أخرى تهدد الوطن بمفهومه الشامل وأيا كانت ظروف تشكله وتكونه، ألا وهو التعصب القبلي وما له من أشقاء بمختلف المسميات فهذا 'عشائري' وآخرون من الإيديولوجيين في علم السياسة، وطائفيين من مختلف الديانات إلى آخر المنظومة.

أوطاننا بصفة عامة خرجت منذ قرون بعيدة من دائرة التمدين ودخلت بفعل التخلف والتكلس في دائرة البداوة القديمة التي سبقت مرحلة كنا فيها من المتمدينيين، فكرة القبيلة في حد ذاتها لا غبار عليها فهي شبه مؤسسة وطن أو دولة (في مضاربها ونجوعها)، تعتني بشؤون أفرادها وتحميهم وتنظم علاقاتهم مع بعضهم البعض ومع القبائل الأخرى، إلا أن مفهوم القبيلة وعصبيتها لم تعد تصلح لحالنا الآن، فلقد صار لنا أوطان تطالبنا بالانتماء والولاء والالتفاف لها وحولها، وشرعنا في بناء 'دول' ذات مؤسسات لا مفر من اعتبارها الشرط الأساس لأي 'تمدين' وتقدم وتنمية، وهي متطلبات بديهية خصوصا وقد ولجنا القرن الواحد والعشرين.

العصبية 'القبلية' في عصرنا اليوم؛ جرثومة غير صالحة وغير نافعة ومضرة، بل هي عار وسرطان إن لم يُلجم تفشّيه وانتشاره ومحاربته فسينهار ما بقي من دولنا ومؤسساتها وسنفشل حتما في الخروج من دائرة التخلف الذي يأبى مغادرتنا.

لماذا عادت؟

الطامة الكبرى نجدها عندما نتقصّى عن السبب في انبعاثها من جديد، ففي المدن المتبعثرة هنا وهناك، على صغرها، كانت تقوم على التجارة وتسويق ومقايضة منتجات الدواخل والخدمات، وكانت القوانين المدونة هي الحَكم والفصل فيما بين الناس، إلا أن الاستقلال والأجيال التي ولدت في حضنه ازدادت عددا وصارت - وذلك من حقها؛ أن تطلب العيش الكريم والتعليم والطبابة الحديثة وفرص العمل بعدما صار الوطن الذي تشكّل وصار حرا افتراضا، والهجرة كانت لهذه المدن الصغيرة التي تضخمت ونمت. في البداية كانت أعداد الوافدين صغيرة نسبيا، إلا أنه مع مرور السنين وتعرّف الناس على أنماط حياة التمدين وشغف الشباب منهم بها، لم تكن هناك إشكالية حين كانت هذه الأعداد محدودة إلا أنه ونظرا لشبه انعدام التنمية في المناطق إما لقلة موارد أو سوء تخطيط واستخدام لها، ازدادت هذه الأعداد بفعل ذلك وأيضا بفعل انحفاض وفيات المواليد ولم تعد بيئة المناطق في البادية قادرة على توفير مستويات الحياة الكريمة التي يُطمح إليها والتي لا تتوفر الفرص لها إلا في المدن وهذه المرة ، وكما يقول ابن خلدون:' القادمون الجدد لم يحظوا بالوقت اللازم للتطبع بالطباع المستوجبة في المدن' - أي سيادة القانون والحقوق على الجميع وللجميع- فكان مع الوافدين ثقافتهم من حيث أتوا - وتحديدا: 'أنا وابن عمي على الغريب'، صاحب ذلك ابتداء الانهيار في مشروع الدولة في بلداننا، والأسباب في ذلك عديدة، منها: انتشار الفساد، وانحصار السلطة بتفرعاتها على نخبة معينة والمحسوبية ونوع من الهيمنة الأجنبية غير المباشرة على مقدراتنا. المدن، والتي يشكل سكانها الغالبية العظمى من المواطنين -لم يعد من يسكن في البادية إلا أقلية قليلة- اعتنقت هي الأخرى الثقافة الجديدة المتمثلة في الموقف التعصبي القبلي و'الفهولة' والشطارة، وشملت حتى من كان يسكن فيها عندما كانت صغيرة ولم يعد هناك من فارق بين النوعين إلا في مخيلة متوهمة، الحقيقة المؤلمة أننا 'تبدونا' في المدينة ولم يعد لدينا 'متمدينا'

لكي تعود الأمور إلى نصابها و'يتمدين' الجميع من جديد وفقا لمقولة 'ابن خلدون' يقتضي الأمر أجيالا (بمعدلات التغيّر في زمانه) ولكن بالنظر إلى ما توفر للعديد من البلدان من موارد هائلة سواء في المياه أو النفط أو الموقع الاستراتيجي الجاذب والمثمر، كان من المفترض أن نوالي بناء الدولة ونغرس مفهوم الانتماء للوطن في أذهان ساكنيه منذ مراحل الدراسة الأولى، ونحافظ على القيم الأخلاقية الرفيعة التي كانت سائدة في البدو وفي الحضر أي حرية وحقوق الفرد تتوقف عند حرية وحقوق الآخر، أيا كان، وكان من المفروض أيضا أن نحرص في ذلك ليس فقط للتعايش فيما بيننا بل لكي يكون مشروع الوطن ناجحا وينتج دولة تقوم به وتصونه وتحافظ على ماله، أي المال العام الذي هو ملك للجميع كافة ولكن وأسفاه انشغل كل منا بالتهام ما يتاح له وليذهب الآخر إلى حيث يشاء فانتشر الفساد وترعرع لغياب الوازع الأساس ألا وهو الحرص على المال العام، مال الوطن، لم يعد أحدا - إلا من رحم ربي- يهتم بهذا الوطن وما سيصير إليه حاله.

لا نعلم على وجه اليقين أيهما تسبب في الآخر، هل أنتج الفساد العصبية القبلية والمحسوبية أم العكس، نحسب أن الاثنين توالدا معا وشدّ كلا منهما أزر الآخر، وفي المحصلة ابتدأت دولنا في الاندحار إن دخلت حربا، والانهيار إن همّت بالتنمية، والطريق صارت مشرعة لفشلها ومن ثم تمهد لرجوع المحتل من جديد تحت مسميات جديدة، بل إن بعض دولنا دخلت 'مشروع' الفشل بالفعل وأخرى قد أوشكت.

ساهم معظمنا في ذلك، فالكفاءة والجدارة لم تعد المعيار في تعيين قادة الإدارة وحل محلها اعتبار بني العمومة وإخوان النهب والسلب فازداد التدهور أيما زيادة ولم تعد مدننا أو دولنا تستحق الاسم حتى، ومن المفجع أننا صرنا نرى كبار المتعلمين من 'الدكاترة' الذين صرف عليهم الوطن ليخدموه دون تفرقة بالعدل والمساواة، صار العديد منهم بعصبياتهم المقيتة، فؤوس هدم واحتكار لا بناء ولا اعمار. من ذا الذي سيحاسبهم؟ أبناء العمومة يا ترى؟ أم رفاق السلب والنهب؟

ما العمل لدرء الكارثة؟

أولا وقبل كل شيء، يجب ترسيخ مفهوم التربية الوطنية والانتماء للوطن فوق كل اعتبار أو ولاء أو شراكة وعلى أن تكون الكفاءة والوطنية هما المعيار في تحديد من يتولى ماذا.

ثانيا: شن الحرب الضروس على الفساد والقضاء على مسبباته وملاحقة المفسدين والإشهار بهم، وبالطبع لن يتأتّى ذلك إلا بإعلان النية والعزم على عدم الاستثناء والشمولية التامة بمعنى: لا نجاة لمفسد أيا كان، سواء من ذوي القربى أو الولاء أو الرفقة والصداقة المفتعلة في غالب الأحوال.

ثالثا: تحريم أو تجريم ترجيح الانتماء المتعصب لقبيلة ما أو فئة ذات مصلحة مشتركة عند اتخاذ قرار يمس مصلحة الوطن سواء، في شؤون الإدارة والتعليم والتوزيع العادل للموارد والثروة، جامعاتنا ومؤسساتنا الأمنية والعسكرية (في بعض الأحيان) بل ومعظم قطاعات الدولة ومؤسساتها تم اختراقها بالتعصب القبلي فأفلت وفقدت العبرة من وجودها وصارت أكثر إضرارا بلا نفع يذكر.

رابعا: وقد يكون مجديا التفكير منذ الآن كما فعلت بلدان أوروبا في بدايات عصر النهضة، الحرص على الهوية المفردة المطلقة لكل مواطن على أن لا يتخذ من اسم القبيلة لقبا له، اللقب الذي يجب أن يحمله كل مواطن وأسرته معه، إن لم يوجد فليتخذ له ما يشاء شرط أن لا يستعمل القبيلة فيه.

الحرب بقبلية أخرى

القبيلة الوحيدة الجدير بنا الانتماء إليها والإخلاص لها وخدمتها وحبها وتفضيلها على غيرها وتقديمها على أنفسنا اسمها: الوطن .. فقط الوطن.

القبيلة المتعصبة أو الفئة المتشاركة في مصلحة أو تيار سياسي أو مذهبي، لن تحمي لا الوطن ولا دولته صحيح أنها كانت تفعل ذلك عندما كان المُغير أجنبيا، ولكننا اليوم الذي يُغيرعلينا ويسلبنا مالنا وأرزاق أولادنا، هم من بني جلدتنا. القبليون الجدد يرتدون ألبسة المتمدينين ولكنهم لا يتحلون بأخلاق القبيلة عندما كانت في البادية. قبليونا اليوم لن يدافعوا عن أحد، حتى ولو كان من عشيرتهم إن لم تكن له مصلحة فيه، فإعلانهم القبلي ليس سوى نصب وتدليس، إنهم يستغلون المركز ويهيمنون عليه لإثراء الغنيمة وتسهيل قنصها ولا يرموا لمن لف حولهم سوى الفتات. القبيلة التي كنا نعرفها في زمن ولّى ماتت وانتهت عندما دخلت المدينة، فإن كان لنا أن نتمدين فلنطو صفحتها ونفتح صفحة أخرى تكون فيها قبيلة واحدة فقط، قبيلة الوطن لا غير.

النتائج الكارثية التي سببتها العصبية ومعها الفساد واولئك من زمرالمستفيدين دون وازع، لن يمكن التخلص منها وإيقاف استفحالها إلا ببرنامج إصلاحي شامل يستبعدها ويحل محلها الوطن ولا شيء غير الوطن، من حيث الولاء والانتماء والجزاء بمقدار ما قُدم له الإصلاح الذي لا يدعو إلى محاربة القبلية، في تقديرنا، لن يكتب له النجاح.

'مشايخ' القبائل الذين يروجون بضاعتهم الآن باحتسابهم لأنفهسم 'قيادات اجتماعية' لا يمثلون إلا انفهسم ومصالحهم الضيقة المنحصرة في أنفسهم، لا قيمة ولا 'مشيخة' إلا للمواطن الذي ينتمي ويحب وطنه.

الإصلاح لا يمكن أن يجدي فتيلا إذا لم يجعل القانون سيدا سائدا، على الجميع وضد الجميع ومع الجميع بمساواة كاملة. الذي يفعّل القانون: عناصر أجهزة الأمن والإدعاء والقضاء، هذه يجب أن يتم التطهير فيها وإقصاء كل من يتسم بعصبية قبلية، صحيح: في هذه القطاعات عناصر جيدة تتحلى بالكفاءة ولكن فيها من ما زال ولاؤه الأول للقبيلة و'الشلة' وخرّافة 'الدم مغطّي العيب' أيا كان بنيانها، هؤلاء وباختصار، معاول هدم وسدود أمام كل إصلاح وتصالح وعزم على بناء الوطن والدولة.

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة  "القدس العربي" ـ لندن ،  الخميس  22/4/2010


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home