Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الأثنين 23 مارس 2009

هل من سبيل للخروج من التخلف؟.. هيا بنا نفكّر! (*)

رمضان جربوع

هذه المرة، فلندع إلقاء اللوم على "الاستعمار" و "الحكام" و"الصهيونية" وكافة أدبيات المؤامرات، ولننظر أنفسنا في المرآة، ونقول: هل من سبيل لنزع "التخلف" المعشش علينا وحوالينا وفي أذهاننا جميعا، متعلمين أم غير ذلك، وهل نستطيع تصور إمكانية الخروج من حالة الإحباط المزمن؟ بطريق آخر؟ غير سياسي هذه المرة أو بقليل القليل منها؟ وضمن ما هو متاح وبما لا "يقلق" السادة أولياء أمورنا في بلدان العرب والإسلام؟ وبدون "الاستعجال"؟ أي بالنفس الطويل ومن خلال العمل التطوعي الإثري؟ أليس هناك من سبيل لكي نقوم فرادى أو جماعات بعمل ما يؤتي ثمرا حتى ولو بعد سنين؟
الأمر بالتأكيد يحتاج لحكمة أو فلنقل "دار حكمة" أهلية – غير حكومية، أو دور حكمة متعددة متوزعة حسب معطيات الواقع الذي نعيشه، ضمن نهج وتنسيق متقارب؟ ويكون العاملين فيها من أبناء الأمة على سبيل التطوع وأداء الواجب خارج نطاق السياسة المباشرة، وإن استهجن البعض ذلك، أي الخروج من دائرة "السياسة" فلا بأس، فليعمل كل ما يراه صائبا، ولكن هذا الطرح يهدف لعمل مؤثر بدون التعرض للإعاقات المعتادة في مجال السياسة، معظم من نقصد ضمن هؤلاء العاملين يتحرجون بداع أو آخر من النشاط المباشر، ولكن إن أتيحت فرصة، آمنة، فسيدلون بدلائهم، ولاريب أن خيرا سيخرج ولنا عبرة فيمن سبقنا.
هذا بدوره يستدعي التفكير، فهيا بنا نعمل فكرنا، كل كما يرى لعل أحدنا أو بعضنا يصيب وينتج عن ذلك بعض نصيب في إيجاد وسيلة ما، ولما وصلنا لضرورة التفكير والتدبير، نستعرض ما خطر علينا في السياق .

فنتصور .. مشروع دار أو دور للحـكمة
يكون مشروع متكامل تربوي تعليمي إعلامي وتوثيقي على هيئة مؤسسة أهلية أو مؤسسات أو مجرد أفراد، من مواطني البلدان العربية والإسلامية المقيمون والمهاجرون منهم، أقطابها من حكماء الأمة المستنيرين وقاعدتها أبناؤها وتهدف إلى الإسهام في خلق جيل ثم أجيال مؤهلة علميا و أخلاقيا وسلوكيا عن طريق وضع منهج فكري وعملي تُرسم عليه طريق للتنمية والنهوض بكل إنسان في أمتنا، وهذه المؤسسة تقوم بمهامها بواسطة التواصل والرصد والتوثيق والمتابعة عن طريق الشبكة الدولية وغيرها من الوسائل الحديثة ومن دون أن تمس شؤون الحكم والسلطان.
الأهداف لا يتم تحقيقها بمجرد النية ولكن بوضع مخطط طويل الأمد قد يصل إلى مائة عام ونحن هنا نعتمد فرضية ابن خلدون المطروحة في مقدمته والقائلة: بضرورة ثلاثة أجيال لكي يتحول البدو وسكان الدواخل إلى حضر عندما يأتون إلى المدن بأعداد غالبة، وحسما للنزاع نعتبر أنفسنا كلنا بدو، ربعاً ومضراً، ونريد التحول كلنا إلى حضر، إلى مجتمع مدني قويم، لنقيم حضارتنا من جديد متسلحين بالعلم والفكر السديد وأخلاق أسلافنا ونجمع أفضل ما لدى البادية وأفضل ما لدى الحضر لكي نستطيع أن نتعامل مع ما يحدث الآن في العالم من تطورات تقنية مذهلة و تجمعات نفعية خاصة وتوابع العولمة ولكي نلحق بركب الذين يستعملون عقولهم بدلا من عواطفهم وأهوائهم وبدون الانسلاخ عن ما يمّيزنا من عقيدة وتراث. فلنتذكر؛ بأن المشروع الصهيوني منذ تصوره إلى خلوصه بإخراج مبتغاه المتمثل في دولة إسرائيل، استغرق مائة عام تقريبا؛ ومؤسسوه لم يروه يتحقق في حياتهم، كان همهم أن يتحقق ولو بعد حين، أو لا نستطيع ذلك؟

وإن سأل سائل لماذا
لأنه قد مر من ما يزيد على ثلاثة أرباع قرن على انهيار آخر مَعْلمٍ موحد للعرب والمسلمين، ولو اسمياً، وتقطعت خلالها أوصال الأمة وفقدت الهوية المشتركة الجامعة لها عربا ومسلمين وتشتتت ولم يكتب لها اللحاق بركب الأمم الأخرى التي تماثلت ظروفها مع ظروفنا مثل اليابان وكوريا وغيرها، بل ترسّخ التخلف السلوكي والعلمي وانتشر حتى بين فئات المتعلمين لدينا. وكانت النتيجة أننا فقدنا زمام أمورنا وأصبحت تدار من جهات أخرى تملكت مقدراتنا وأوطاننا وهيمنت على ثرواتنا واستطاعت تحييد القدرات الفاعلة التي كان من الممكن لها أن تؤدى دوراً رائداً ومفيدا ًوأصبح مصيرنا رهن إشارتهم حسب مصالحهم ورؤيتهم. ومن ثمَّ فإنه لابد لحكماء هذه الأمة والمستنيرين من أبنائها أن يقفوا وقفة تأمل ومراجعة للنفس للخروج من هذا المأزق الحضاري وذلك بوضع حجر أساس لمبادرة ما.

وكيف البدء؟
نقطة الانطلاق لهذا المشروع هو اعتماد مبدأ نقد الذات والاعتراف بالقصور والركون إلى الدِعَة من قِبَل الصفوة المُثقفة المتعلمة التي تكونت لدينا خلال هذه الحقبة وبالفشل في أداء الدور المطلوب منها أساسا ألا وهو تنوير المجتمع وترسيخ السلوك الحضاري به أسوة بنظائرها في الأمم الأخرى والاكتفاء غالبا بإلقاء المسؤولية على الآخر، وهذا الآخر أحيانا هو الاستعمار أو نظام الحكم أو المؤامرة الصهيونية أو ... إلى آخر المنظومة.

خطابات اليوم
خلال القرن الذي مضى كان الخطاب الأساسي الموجه من مثقفينا يصب بالدرجة الأولى على أنفسهم، أي أن المبدع يكتب ثم يقرأ له المتلقي ويتفاعل معه ويتحاور مع أقران له والكل في مستوى وعي متقارب، والتفاعل الناتج يظل محصوراً بين هذه الفئات أي المبدعون وقراؤهم وبالتالي أصبح الحوار ذاتيا، و النتيجة تكاد تكون صفراً إذا ما قسناها بمعايير الأمم التي نهضت من سباتها، فلا التقنية وصلت إلى مجتمعاتنا بالتفاعل ولا تحسنت أحوالنا كما يجب بل ولم نقترب حتى من المسار الذي كان من المفترض أن نوجد فيه بحكم ما لدينا من إمكانيات مادية وبشرية هائلة وتراث غزير في حقل العلم والفكر والخلق وملكة فن التعامل مع الآخر بل وضاعت أيضا معالم روح الانتماء والهوية المشتركة وأصبحت صفوة مجتمعاتنا المؤهلة في حكم العقيمة تأثيراً.

التقدم الزائغ
التخلف أصبح متأصلاً فينا ومستمراً؛ فكلما قطعنا شوطاً في سبيل التقدم نجد أن معايير التقدم بعدت عنا أكثر فأكثر، بل عمًّ التخلف وشمل حتى مئات ألوف الخريجين من ذوى القدرات المحدودة جدا بما يتعلق بإعمال الفكر وكيفية التعامل مع الآخرين بل و حتى مع أنفسهم وللأسف امتد هذا التخلف و لحق بنخبة الحرفيين من أطباء ومهندسين ومحامين وغيرهم وضاعت منا القيم الحضارية العالية التي كانت لدينا واستبدلناها بأخرى ترتكز على المنفعة الذاتية والتصادم مع بعضنا البعض وعدم الاكتراث بغير مصالحنا الآنية.

فشل النخبة والعنوان الخطأ
باختصار لم تنجح النخبة لدينا في أداء دورها الاجتماعي القيادي لأن العنوان الموسوم على الخطاب كان خطأً أصلاً، العنوان كان لأنفسهم بدلا من فتيان الأجيال الجديدة. والمُعَنونُ إليهم الخطاب وإن فهموا فحواه و تفاعلوا به إلا أنهم ليسوا صنواٌ لمحرريه من حيث العلم والقدرة المحدودة على التغيير كناتج للتفاعل المفترض، وفي أحسن الفروض ينتج لدينا جيل جديد من الصفوة تعيد وتكرر ما سبقهم فيه أسلافهم. وبتعبير آخر: عَجز هؤلاء عندما شبَوا وشابوا في اتخاذ القرار الصحيح أو أن يقوموا بالفعل الصحيح أو يقوموا بالتأثير الإيجابي المطلوب.

عن بعض أسباب القصور ومظاهره
الّلبس في الفهم والعجز عن الأداء و التفاعل الإيجابي له أسباب عدة منها: قصور الخطاب أصلا وعدم صياغته تفصيلا على مقاس ومقدرة المتلقي ثم تدهور مستوى الجيل التالي من محرري الخطاب وبالتالي ضعف وهوان الجيل الذي يليه وأخيراً التخبط والتقلب و التأثر بما ورد ولا يزال يرد من اتجاهات فكرية متنوعة من الخارج والتي نشأت وترعرعت في أوساط شديدة التباين مع أوساطنا بل أصابتنا جميعا الحيرة فيما يتعلق بهويتنا بينما هي واضحة بفعل الواقع والموروث الثقافي أي عربية إسلامية أو إسلامية عموما مع خصوصية تتعلق بالمنشأ والموطن واللغة.

النتيجة الحتمية التي كان في الإمكان رؤيتها في حينه وبالتالي تفاديها:
أن مجتمعاتنا خاضت معارك خاسرة سلفا وأهدرت ثروات طائلة فيما لا مردود معنوي وإيجابي له، وأصبحت الدول الغنية منا غارقة في مستوردات هائلة من سلع ومنشآت قليلة الجدوى، وحتى دولنا الفقيرة ذهب أبناؤها للعمل في مواقع الثروة ولم يعودوا إلا بالسلع ذاتها والكماليات ولم يتحقق لدينا سوى بعض هياكل البنية التحتية الباهظة التكاليف والتي لم نستطع الاستفادة منها كما ينبغي ولا حتى حافظنا عليها وطورناها. وأصبح همنا استيراد كل معالم الحياة العصرية من ماديات ولم نستورد معها طريقة التفكير القويم وحسن السلوك وقيم التعامل المبنى على الاحترام والتي نعجب بها كثيرا عندما نسافر إلى بلدانهم، وأهملنا ما كان لدينا نحن من قيم تضاهيها إن لم تتفوق عليها والتي بها استطاع الأسلاف إثبات مقدرتهم على بناء حضارة رائعة لازلنا نتباكى عليها حتى يوم الناس هذا.
نضيف إلى ذلك: الظهور على السطح لنتائج تراكم المشاكل من كل نوع واضطراب الرؤية والحيرة في الانتماء، وتَفاقُم الحال أدى إلى الاضطرابات المدنية وأعمال العنف المسلح والتطرف والادعاء بملكية الحق المطلق وترسيخ مقولة تجريم الآخر وعدم الاستقرار عموما ونشوب العديد من الخلافات بل والحروب بيننا وهَوان أمرنا عند غيرنا فأصبحنا نهبة لكل ذي نية غير سوية، وصار حالنا ما بين اعتناق مفاهيم الغرب والنفور منه والبحث عن أعداء من كل حدب وصوب.

عن التعامل مع الآخر
مشكلتنا الرئيسية هي في الفهم والاستيعاب بداية، ثم في التعامل مع الآخر، أياً كان هذا الآخر، فحل أي إشكالية يبتدئ إجباراً بفهمها ثم التعامل معها بالعقلانية والمنطق السوي، ولما كان الفهم يتأتّى من تكون العقل والحكمة لدى الفرد إطلاقا؛ ولما كان المتلقي الذي عليه تكوين العقل والحكمة هذه؛ يأخذ رشده من "الخطاب"، نجد أن ذلك لم يحدث على سواء؛ والسبب يتبين أنه:
الخطاب كان أصلاً قاصراً وكذلك معظم المنوط بهم تحريره!
المشروع إذاً هو استحداث منهج جديد في تحرير الخطاب بحيث يكون موجهاً لصغار الكوادر والشباب وطلبة الجامعات والمدارس الأدنى وحديثي التخرج مفصلا على مقاسهم وعلى مستوى كامل أمتنا العربية الإسلامية ويستهدف إلى جانب العلم وتوطينه: زرع مكارم الأخلاق والسلوك الحضاري بصورة متدرجة مباشرة وغير مباشرة وعلى أمد طويل.

ملامح المشروع
حسب ما أوردنا، لبّ المشروع يعتمد مباشرة على "الإثرية" بمعنى العمل دون انتظار لجزاء أو إشهار، ومن ثم التواصل واستخدام ما هو متوفر، ثم "وظيفية" المشروع وترتيبه ضمن مخطط واضح جلي يتيح للجميع العمل به أو ببعض منه، سواء بإنضواء تحت إطار مؤسسات أهلية أو تشكيلات من أفراد معدودين أو حتى لفرد واحد له عزم ومقدرة ويبحث عن وسيلة. دون شك، ذلك يتطلب أناس من طينة طيبة، ولدينا منهم كثير، وسيصير منهم أكثر، لأنهم سوف يحملون سماهم على وجوههم وسيراهم الناس وسيتبعهم ويواليهم غيرهم.
نتعرض في المقالة القادمة، لملامح المؤسسة المنشودة، من حيث أحاديتها أو تعددها، وسبل التكوين والعمل مع إظهار للغايات وتبيان أوان تحققها وتحليل لضوابط الواقع المعاش واستنباط الوسائل.

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة قورينا / بنغازي ، وصحيفة القدس العربي / لندن ، 19/3/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home