Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

السبت 23 يناير 2010

عصر ما قبل الدولة

الاستقلال الموهوم والغربة في الوطن ومفردات قواعد اللعبة *

رمضان جربوع

إذا ظل ديدن حكام العرب السعي للبقاء حيث هم على أن لا يسألهم أحد أو يحاسبهم مستقوين بالصديق الحليف عساه يقبل بهم وبمن يرشحونه محلهم، فلن يرى بند يعرب فرجة.

الطرف الآخر لا مانع لديه؛ الغرب أو  تحت أي مسمى يرمز لمصالح الدول الكبرى المتنفذة اقتصاديا وعسكريا وسياسيا والمستمتعة هي الأخرى بحصانة خاصة تبطل كل مساءلة لها ضمن تحالفات تلاقي مصالح أو من غيره، بل سيكون داعما ومؤيدا وفق اشتراطاته التي تدخل ضمن قواعد اللعبة التي وضعها هو، بحكم قوته، وبالتالي أن ينظر حكام العرب لأنفسهم كحلفاء هو محض افتراء واستغراق في الوهم، هذا الطرف يتصرف معهم بكونهم مجرد "وكلاء" لحكم بلدانهم حتى لا يحيد هذا البلد أو ذاك عن الخط المرسوم، وإن سمح للبعض بذلك، فتيقنوا أنهم بحاجة "لأعداء" من حين لآخر، يسمح لهم بالمناورة لقضاء مآرب لهم في مناطق ما؛ وعند استنفاذها سيزاحون أو يتم تحجيمهم بكل بساطة.

إذن، ممارسة قواعد اللعبة من حكام العرب مع الطرف الآخر ستكون محكومة سلفا بما هو متاح لهم، وهو جد قليل ومحدود خصوصا عندما يستغرق المعنيون في وهم السلطان والاستقلال الشكلي المسموح. 

كيف تتم ممارسة قواعد اللعبة؟

يظل في الإمكان ممارسة قواعد اللعبة جماعيا من داخل هذا الغرب بالتواصل عن طريق خطاب مغاير، خطاب الحقوق ومؤسسات المجتمع المدني ومجموعات الضغط؛ هذه المجموعات في نهاية الأمر هي التي تشكل ما يعرف "بالرأي العام" – عبر الإعلام بمختلف قنواته وتقارير مراكز البحوث.الحكومات الخفية في الغرب، أو تلك المؤسسات غير المرئية التي ترسم سياسات الدولة وتحدد مصالحها وبالتالي تضع استراتيجياتها – بغض النظر عن التوجه السياسي المنتخب – تتصرف دوما بواقعية مطلقة وهي ترضخ وتتوافق مع أي تيار جديد يطرأ عندما لا تستطيع أن تجاهر بعداوة مباشرة، وتلعب دورها عبر الاختراق والاستلاب وتغيير مفردات الخطاب.ولكن مثل هذه الممارسة المنشودة لا يمكن لها أن تتم إلا بصوت واحد يتفق على مفردات معينة تستهدف تعزيز الاستقلال أو زيادة جرعته، وذلك يتطلب شروطا لا نحسب توافرها، ومنها: 

شروط الممارسة:

°   التوافق  بين الحكام على خط معين، ولكننا نعرف أن كلا منهم لا يغني إلا على ليلاه

°   التعايش  بين الحكام والمحكومين وسط ديموقراطية وشفافية وحرية رأي وحرية معارضة وضمان لمدونة حقوق المواطنة والإنسان سواسية دون تفريق، ولكننا نعلم أن ذلك شبه مستحيل في جلّ بلدان العرب، فمن نجده قرب الحكام هم الحاشية المطبلة المزمرّة وهم أفواج المستفيدين بواقع الحال

°   حس المواطنة والانتماء وحب الوطن، إلا أننا نعلم بأن غالبية العرب يشعرون بالاغتراب في داخل أوطانهم فما من مصلحة يقضونها إلا بالواسطة أو علاقات عصبية القبيلة المقيتة أو بدفع الواجب (أي الرشوة) فلقد ترسخ الفساد كنتيجة طبيعية لتغييب الوطن وتقديمه، الوطن تم اختزاله في الحكام والمستفيدين منهم ولم يعد منه سوى اسمه الموسوم على البطاقة او الجواز

°   عندما يكون هناك مجتمع مدني فاعل وطبقة مثقفين تدلي بدلوها وتثير النقاش والحوار وتشارك في التخطيط والتواصل مع الآخر، إلا أننا نعلم بأن ذلك غائب أيضا، فالسياسة الخارجية حكر على الحكام فهم أدرى بمصلحتهم، وهي غير متوافقة بالضرورة مع مصلحة الشعوب.عندما يكون هنالك طبقة وسطى نشطة فاعلة في مجال الاقتصاد، أي طبقة بورجوازية حقيقية ملتزمة بالقانون وتعيش تحت ظله ورقابته ويخرج منها أناس يملكون الوعي والإخلاص والوطنية لتولي إدارة مرافق الدولة وأجهزتها، إلا أننا نعلم أنه في معظم بلدان بني يعرب، الطبقة المتوسطة في طريقها إلى الانقراض، ولم يعد يوجد إلا من يدور في فلك السلطان أو الملك أو الأمير أو الرئيس، ولم يعد يملك الاقتصاد حرا، بل هو بكامله رهن أيدي هؤلاء وصحبهم وذوي قرباهم، لم يعد هناك سوى طبقتين، هؤلاء وبقية الشعب المغبون المظلوم

ومع كل ذلك، نحن نتحدث فيما يجب أن تكون عليه الدول العربية – المستقلة ذات النشيد والعلم مقعد الأمم المتحدة، ولكن هل حقا نحن مستقلون؟ 

عن أي استقلال يتحدثون؟

لقد كان لدينا شبه استقلال، كان من الممكن أن يتطور وينمو إلا أنه بفعل هاجس الأمن والخشية على الكراسي، تقلص الاستقلال وأصبحت الشعوب العربية مجرد "رعايا" للسلطان" فهو أكثر فهما وحرصا على المصلحة، التركيز والإصرار على هذه "المصلحة" أدى إلى انعدام صفة "الدولة" نحن في الواقع ما زلنا نعيش في عصر ما قبل الدولة، فالدولة التي تتلقى أوامرها ببناء جدار فوق الأرض أو تحته، تقلب الأخ الشقيق إلى عدو، والعدو إلى صديق وحليف وتنفق أكثر مما تحتمل في سبيل أمن مزعوم بمواجهة من قد يعترض، أثبتت التجارب "العربية" – ولنا في تاريخنا القريب دليل- عدم جدواه، الدولة التي ينتعش فيها الفساد ويصير شرعة ومنهاجا، مثل هذه الدولة ليست دولة على الإطلاق، إنها مجرد "محمية" ترتدي رداء الدولة، وعندما يستعصي الأمر ويزيد الطين بلّة، تنهار الدولة وتفشل. لقد فشلت بعض دول بني يعرب والبقية على الطريق والحبل على الجرّار، والآخر لن يهمه كم "دولة" من دولنا ستفشل طالما بقي "الزفت" يضخ وموارده تدور وترجع من حيث أتت على صورة بذخ وأبراج وبطر! 

هل كان في الإمكان أبدع مما كان؟

ولكن إن توفرت الشروط السالفة، هل كان من الممكن أبدع مما كان؟

نعم، وألف نعم، فعندما يعتمد الحاكم في بلد عربي مثل هذا النهج ويقترب من شعبه ومصالحه ويحد من سلطان القبليين ورجال الأمن الذين استساغوا الحرفة وفوائدها، ويقصي كل طبّال زمّار انتهازي الولاء، ويحرص على المحاسبة والمساءلة، فقد ينتعش بلده. وقد نقول إنه بمشاركة شعبه في إدارة شؤون البلاد قد يتوقف مواطنه عن الشعور بالاغتراب في أوطانهم بفعل المتنفذين، وقد يعود من حمل غربته على كتفه ورحل خارجا،لعل لنا درساً مستفاداً نستطيع تعلمه من اليهود، فهم أول من أدرك "قواعد اللعبة" وأصبح صوتهم مسموعا لدى حكومات الغرب، لقد أدركوا مبكرا أن التأثير في الغرب لكي ينحاز لهم، لن يتم إلا بالتواصل وتبادل المنافع مع مجموعات الضغط والمصالح الخاصة (أي الحكومة الخفية) التي صارت تملي هي سياسات حكوماتهم دون أن تظهر على الشاشة (التأثير في الكونغرس الأمريكي والإعلام الغربي مثالا). 

والرجاء؟

الصورة ليست قاتمة إلى حد انقطاع الأمل. نحن نعرف بأن أول الخطى يجب أن تتسم بالواقعية، والواقعية تملي أنك لن تستطيع تحقيق ما تصبو إليه بالتمني أو إرساء القرار، بل بالتحاور والتصالح والإصلاح، ولكن ذلك يتطلب من الأطراف اثنين، فهل يتم إحضار "المغيّب" والحوار معه؟ وليس ذلك بعسير، فالمغيّب في بلدان العرب هو شعوبها المدقعة المحرومة من الكرامة والعيش الكريم بفضل عته وطمع وفساد من تولى إدارة شؤونهم من المتزلفين

عندها قد يصبح لدينا "دول" بمعنى الكلمة، وقد نستطيع إدارة التواصل مع "الغرب" وقد نعزز استقلالنا ونحقق ما نحلم به، إلا أننا نخشى بأنه قد تقرر أن نظل في عصر ما قبل الدولة ... ونطرح السؤال: هل كتب على حكامنا أن ينتحروا وينحرونا معهم؟ ولهذا حديث آخر .

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة "أويا" ـ طرابلس، وصحيفة "القدس العربي" ـ لندن ،  الخميس  21/1/2010


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home