Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

السبت 22 نوفمبر 2008

المهرّجون...
الإعلام الرسمي، بين السفه والعته والتسلط
(*)

رمضان جربوع

أجهزة الإعلام الرسمي، وسيلة من وسائل الحكم؟ أم أداة لإعاقة الحكم الرشيد؟
هل هي لازمة لراحة نفس الحكام؟ أم لإيهام المواطن؟
هل هي أداة مأمورة أم صارت متنفذة آمرة ذات سلطان؟
هل هي فعّالة؟ أم هدّامة وتثير الشفقة أحيانا؟
ما هو مكسب المواطن منها؟ هل أصبح رجال الإعلام الحكومي شركاء في سلطة البلاد؟

هذه مقالة رأي، واليوم أصبح في مقدوري الإفصاح عنه، وهو نابع من "رؤيتي"، التي هي استيعابي لوضعنا القائم في ليبيا وكافة بلدان العرب، إلا من رحم ربي. وإن كان لأحد قول في "صحة" رؤيتي فليأتني ببرهانه !

فلنتمعن في هذه التساؤلات :
الإعلام الرسمي، كان في البدء بعد قصائد الشعر منذ عصر الجاهلية، حيث كان لشاعر القبيلة الصولة والجولة، وكم من شاعر كبير جعل لقبيلته الصغيرة مكانة كبيرة، ولكنه خلال مسيرة التطور، بعد مسيرة برّاح السلطان (المنادي) في الشوارع الذي يعلن قرارات الوالي، صار وسيلة تواصل ما بين الحاكم والمحكوم، بتنقينات الساعة، يُعلم فيه الأخير بآخر المراسيم، ويشبع تطلعه لمعرفة الأخبار والتطورات، ويسليه أحينا، ويعطيه المعلومات، وكذلك التعليمات. وكان الإعلام عموما ملكا للدولة، نظرا لتكلفته المرتفعة، خصوصا فيما يتعلق بالوسائل السمعية والبصرية، فيما عدا بعض الصحف هنا هناك. وسرعان ما تحول إلى وسيلة دعائية وإثبات وجود. وكان الرواد الأوائل في المضمار الاتحاد السوفييتي وألمانيا النازية، وتليناهم نحن العربان، ثم كان أن صار الإعلام الرسمي رمزاً للسلطان والحكم، بل وأخذ هالة أمنية غريبة، فقد ترسخ في أذهان الناس أن من يملك الإذاعة فقد ملك البلاد....

الإعلام والأمن
لا شك أن هذه "التوليفة" أو الربط ما بين "المُلك" و الإعلام الرسمي، جعل الأخير سيدا بكل معنى الكلمة، حتى لو توهم بعض "السادة" أنهم عليه يسيطرون، فقد تضخم جهازه، وعظم شأنه، وامتلأت خزائنه، وانتشر التنابلة فيه كانتشار النار في الهشيم، بل صارت وسائله محاطة بقوات أمن ورقابة مشددة، لا يلج مواقعها إلا طويل العمر أو طويل اللسان الزلق! فلنضع الأمن جانبا، فلهذا حديث آخر، ولنحاول التعرف على السر وراء شغف الحكام بإعلام رسمي:
الحاكم، إلى جانب شغفه أو اعتقاده المفترض بصواب ديمومته، لا يخلو من حسن نية، ولكن شعراء "السلطة/القبيلة" اليوم، أو رجالات الإعلام الرسمي، استطاعوا، كما فعل أسلافهم، الولوج إلى قلبه، وفي البداية انتهزوا اهتمام الحاكم بصلاح حال البلاد، فأخذوا يدبجون القريض وكذلك الأخبار المغايرة للواقع، ويرسمون صورة تنطق فقط بأن كل شيء "تمام يا فندم"، وأن الشعب سعيد، يسبح بحمد الحاكم ليل نهار، وأن التجارة رائجة، والصحة وافرة، ولم يعد هناك من سقيم، وأن التعليم ناجح والجهل اختفى ورحل، وحال الأمن الآمن منتشر، والجريمة قد اندثرت، والناس لم تعد تقفل و"تتربس" أبوابها، والرزق وفير، والعيش هنيء، وأن كل أوامره ومراسيمه نفذت بالكامل وعلى أكمل وجه، ولكن هذه في غالب الأحوال لا تنفذ سوى على الورق وعلى "اليافطات".
هم يقومون بذلك ليطمئن الحاكم، وليطمئنوا هم على مراكزهم، ولو أنهم قالوا الحقيقة، ولو كانت لا تسر، لربما كان من الممكن استدراك أخطار أخرى، أو إصلاح الاعوجاج في التنفيذ والتقييم.

رحم الله من أقر بالخطأ واستدرك!
إذا كان الخطأ التطبيقي أو التنفيذي بالغ السوء، فمن الأجدر الاعتراف به، والإشارة إليه، فالسوأة لن تزول بطمسها عن مسامع الحاكم، أو بتلبيسها ثوبا زاهيا أو تزيينها بزواق وماكياج، فالمحكوم يراها أمامه منتصبة، والمراقب في الخارج يراها أيضا. عالمنا اليوم لم يعد فيه شيء خفيّ، وإن صار اعتراف بتعثر، فذلك، عند من يفهم ولا مصلحة له، سيكون دالاّ على الشجاعة والحكمة، ولكن هاتين السمتين غائبتان تماما عن رجالات الإعلام الرسمي عامة ...
وإذا كان ثمة نجاح وصواب، فالأمر لا يستدعي الإشادة به، فسيشيد العمل الطيب بنفسه، ويشيد به الناس عندما يرونه أمامهم وسيشهد به الآخرون ...
الطامة الكبرى عندما يصبح هذا النهج ديدن السادة الإعلاميين، فتتراكم الأخطاء، ولا يحدث إصلاح، ويصبح لدينا، عوضاً عن تقدم وثورة على الظلم والغبن، عته، بل أقولها بصراحة "سفه" وتكرار لجمل فقدت معناها، ولم يعد يصدقها أحد. وبطبيعة الحال مصلحة "حزب الإعلام الرسمي" لا تهتم كثيرا، فهم مرتاحون: الأموال تجري بين أيديهم، ولا منافس لهم، وإن خطر على بال أحد قول غير ما يقولون، فسرعان ما تراهم ينصبون له الكمائن، ويدبجون الدعاوي بالعمالة والجرأة على التشكيك، بل وأحيانا اتهامه مباشرة بالانحدار من "أصول أجنبية"، ناهيك عن الخيانة والتآمر ضد الوطن، وترويج الإشاعات المغرضة، والطعن في القائمين على شؤون الوطن، فالقوم يخافون أن تزول دولتهم التي "استولوا" عليها، بل قد يخطر أحيانا لبعضهم – ويرددون - بأنهم هم "النظام"، وأنه لولاهم لما صارت الدولة دولة... وهي فعلا كانت دولة، ولكنهم اصطنعوا لأنفسهم دولة داخل الدولة، وأصبحوا يشاركون صاحب الدولة في سلطانه ويزايدون عليه..ولمَ لا، ألم يصبحوا عنه وكلاء؟

الأضرار الجسام:
يطول الحديث عن هؤلاء "السادة" فلندعهم قليلا ولنلتفت لأضرارهم على الوطن والصحة:
- المواطن لم يعد يستجيب ويتفاعل مع ما يقال له في وسائل الإعلام، لم يعد يصدقهم، وأصبحت العروة التي تربطه مع قيادة البلاد تكاد تنفصم، والخشية أن يرسخ في يقين البعض أن كل ذلك يتم بأوامرها، وهنا مكمن الخطر... فإذا غاب الوصال، سير كل في واديه!
- بفعل التكرار على طريقة "غوبلز الأمان النازيين" التي تقول: اكذب اكذب اكذب، فسينتهي الأمر بالناس إلى تصديقك. بيد أن هذه الطريقة لم تعد تجدي، فقد أخذت أصوات أخرى ترد عبر ما كان يعرف بـ "الفضاء"! الذي صار اليوم عامرا، وصارت إحدى أهم مؤسسات الدولة ومن بين أكثرها كلفة، متسمة بالكذب!، إذن ماذا؟ ... لقد ضاعت الثقة ما بين الحاكم والمحكوم.
- أفلح الإعلاميون الأشاوس، من سلالة "شطيطح بن طيطح" من بني طبل وزمر، مع البعض في خلق صورة موهومة عن شيء لا يوجد إلا في مخيلتهم، وأكاد أقول أنهم خلقوا ذات الصورة في أذهان أولي الأمر، إلى أن يثبت العكس طبعا، وبالتالي سيحدث اضطراب وتشويش لدى المواطن ولا يعرف أين هو، وقد تتخبط إدارة البلاد في شؤون إدارتها وموجبات التصرف، هل سيكون وفقا للصورة الموهومة أم الحقيقية على أرض الواقع.
- الإساءة التي لحقت بصورة الوطن في الخارج، فكثير من المساوئ التي تسرد بخصوصنا يرجع الأصل فيها إلى جهاز إعلام معتلّ... يخلق المشكلة و لايعرف حلا لها إلا باستحداث أخر!
- فقدان الرؤية الصحيحة للأمور، والاعتداد أحيانا بالرؤية المفترضة (والتي لم تتحقق) بدل الرؤية المبنية على حقائق الواقع والتحليل السليم. وهذا ينطبق على أهل الحكم والمحكومين كذلك، ولن يحدث إصلاح حقيقي في استمرار هذه التفعيلة غير "الشاعرية".
- لعل الضرر الأكبر، هو توصل بعض من تنقصهم الكثير من الصفات الحميدة إلى التسلل لهيكلية الحكم، فيصير منهم حتى الوزير (في بعض الدول) بينما صيته – القبيح- السابق المشهود والموثق كان ينبئ بعسر حال! وصار للوزير قوة وسلطان ... ولا يزال ذلك يحدث!
وغير ذلك كثير فنكتفي الآن، ونعدل إلى بعض طرائف الإعلام الرسمي:

الطرائف الظرائف المضحكة المبكية!
- الميزانيات الضخمة التي تنفق على تعليق الصور واليافطات، دون حسيب أو رقيب، أحيانا تنتج ما أراه أنا عكس المراد بها، فتؤدي إلى نتاج مستهجن ومقيت، فشخصيا أعتبر قائد البلاد رمزا لا يجب الإسفاف بصورته، سواء أكنت أتفق أو اختلف معه في بعض أمور، إلا أن ما أثار غضبي فعلا هو أن أشاهد صورته على اللوحات الإعلانية التجارية الحديثة، جنبا إلى جنب مع الصور الإعلانية للكوكاكولا والشوكلاته والزبادي، والشامبوات والعطور والملابس بل وحتى قطن السيدات الطبي "ذو الأجنحة". كنت أعتقد أننا أفضل قليلا من غيرنا في بلدان العرب الأخرى التي يحدث فيها ذلك عادة، ولكن ها أنا أقر بالخطأ، فمعذرة!
- أحيانا نرى يافطات تشيد بالمنجزات، ويا لسوء الاختيار، يضعونها في مواقع تنطق بنفسها بعكس المقال! بل أحيانا يعلقون يافطات عن إنجاز وبتسرع شديد، ثم تمضي السنين ولا يتحقق "الإنجاز" لسبب أو آخر، وتظل اليافطة يتدهور حالها ويأخذ الصدأ يأكلها إلى أن تنهار ... ولم يأت الإنجاز بعد
- تغييب ملكة التفكير والإبداع، وحلول لغة عصر الانحطاط، فتعبيرات السادة لا زالت هي هي، لم تتغير، لعلهم محقون في ذلك فبفضلهم لم يتغير شيء ولا أخل شيء بمتغير طالما ظل هؤلاء حيث هم اليوم!
- في ليبيا -على سبيل المثال- في أحد أنجح البرامج الحوارية مع المواطنين بالإذاعة المحلية، تحدثت إحدى المستمعات بصورة نقدية عن السيد سيف الإسلام، وهو صاحب المبادرة الإصلاحية، التي لا تزال تحاول إنشاء إعلام شبه مستقل وبصوت عقلاني من غير تهريج وبهرجة، فحدث هرج ومرج لدى السادة الإعلاميين الرسميين من المتمترسين في العقلية القديمة، فتم شبه زحف على الإذاعة، وأقيل المذيعون وتغير الطقم، وكانوا على وشك أن يعلنوا أن ما حدث كان جريمة كبرى تم إيقافها، كالعادة ... ولكن جماحهم تم كبحه من قبل "الضحية" نفسها، حيث صرح السيد سيف بأنه لا يعترض على أن يقوم مواطن بنقده... وهنا رجع "السادة" إياهم لصوابهم، وألغيت قرارات الفصل، وتم تقديم الاعتذار، وعادت الأمور "كما كنت" ...

في الخلاصة:
لابد من التخلص من الإعلام الرسمي الحكومي بالكامل، وإحلال الإعلام الحر المستقل مكانه. يكفي أن تكرس وسائلنا الإعلامية الرسمية الحالية، كل جهودها على النقل المباشر للأحداث، والتوثيق لما يحدث بدون تحرير أو صياغات مستهجنة، سيكون حال المواطن وأولياء أمور الوطن أفضل مما نحن فيه. بقي القول بأن الإعلام الحر الخاص له وعليه، وهذا ما سنتناوله في المقالة القادمة.
أما للتدليل على نجاعة تكريس كل الجهود لنقل صورة الواقع، فليس هناك أفضل من الإشارة إلى ما تم في اجتماع القائد مع "الوزراء" والخبراء بخصوص مشروع توزيع الثروة، فلقد ظهر بعض السادة على حقيقتهم، يقولون قولا بغير الواقع، ويقال لهم آخر، أقرب للصحة مما قالوا، ويا ليت يتم النقل المباشر لجميع اجتماعات مجلس "الوزراء" ومجالس إدارة المؤسسات الكبرى في جميع القطاعات حتى نعرف "بدون تزويق" ما يجري فيها ...

ramadanjarbou@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر الجزء الأول من هذا المقال بصحيفة قورينا / بنغازي وصحيفة القدس العربي / لندن ، 20/11/2008


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home