Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الجمعة 22 أغسطس 2008

لترسيخ حكم الشعـب :
أحزاب، منابر، جمعيات؟ المهم تعددية داخل المؤتمرات!
(*)

رمضان جربوع

موضوع الأحزاب مشكل أساسا، ولكن ما من مشكلة تمنع الخوض فيها، الحزب بتعريفه السياسي الصحيح، وهو اقتباس من التراث الغربي لممارسة السياسة، عبارة عن جماعة من الناس ترتئي آراء متقاربة في مسائل تخص الوطن والمواطنين وكيفية إدارة شؤونهم وتناول القضايا العامة وخياراتها.

الأحزاب والممارسة الديموقراطية

الديموقراطية، بمنشئها الإغريقي في أثينا، كانت تـٌمارس مباشرة، وتجري باجتماع المواطنين، إلا أنها كانت حقـًا مقصورا على نخبة من المجتمع (يستبعد منها النساء والرقيق). وبعد قرون من التجارب والمخاض في أوروبا، خلصت لصيغة تستوعب جيمع المواطنين بدون تمييز كحق مقدس يمارسه الجميع. والصيغة كانت استجابة لمتطلبات عملية ضمن توخي إتاحة الفرصة للجميع، على أن يكون الرأي الفصل متخذا عن طريق تصويت:
أوّلي في الانتخابات العامة لاختيار ممثلي المواطنين، وثانوي، عند اختيار قرارات التشريع والتسيير لشؤون الوطن وخيارات التوجه السياسي داخليا وخارجيا.
وفكرة الأحزاب تعتمد أصلا على رؤية وفهم لما يجري، يشترك فيها عدد من الناس، ومن تفاعلهم تنتج أطروحات أو آراء بحلول، وأحيانا تكون مرجعية الحزب فكراً دينياً أو اقتصادياً سياسياً معيناً، بتنوعات عديدة، وينتظم المؤيدون في مؤسسة تنظيمية، بغض النظر عن التسمية المطلقة عليها، بغرض التباحث والتناصح. ومن البديهي أن اختلافات في المقاربات تحدث حتى في الحزب ذاته، الفائدة من الفكرة هي إتاحة الفرصة لكافة المواطنين ممن يميلون لهذا الرأي أو ذاك.
مهمة الحزب بمؤسسته طرح أفكاره ومشروعاته وبرامجه، فيختار المواطن العادي ما قد يتوافق مع رأيه، بل وقد ينضوي تحت راية حزب معين لتوافقه مع ما يرى. وكل مواطن، أيا كان، له رأي في أية قضية كانت. ويكمن نجاح الحزب في تبسيط القضايا المطروحة، وتوعية المواطن بها، وجعلها في متناول الفهم لدى عامة الناس وخاصتهم، بعيدا عن الإطناب والحشو بالمصطلحات والمفردات الغامضة، ويكتسب الحزب زخما وأهمية عند انتخاب أعضاء منه في قوائم الانتخابات التشريعية.

الحزب والسعي للسلطة

قد يقول قائل بأن الحزب بطبعه يسعى للحكم. وأنا لا أرى ضيراً في ذلك، فإذا استطاع حزب أو تحالف أحزاب تقديم برنامج عمل سياسي، تقتنع به غالبية القوم، وكان مسؤولو الحزب أو التحالف من ذوي السيرة الطيبة، فلماذا لا تعطى لهم الفرصة لتسيير دفة شؤون البلاد؟ .. شريطة أن يكون ذلك ضمن ضوابط ومعايير صارمة، معترف بها من الأحزاب، ومتعارف عليها في العالم أجمع، مثل القضاء المستقل بالكامل، والانتخابات الدورية التي تحكم على أداء الحزب أو التحالف، والجمعيات الأهلية النشطة والمتابعة، والصحافة الحرة التي تبحث وتنقب، مع ضمان التعبير والحراك لدى الأحزاب الأخرى، التي بطبيعتها تقف في الصف الآخر – أي المعارض – بممارستها لحقها في سبر أغوار أداء "الحكومة" المنتخبة، وتبيين عوارها، ومن ثم تقديمها هي لما تراه أصوب وأنجع! وكذلك تشريع كل ما يؤسس ويقنن لمبدأ التداول السلمي للسلطة، وفقا لآراء الشعب بعمومه وأغلبيته، وبحسب تعبيراته التي قد تختلف وتتنوع من حين لآخر. وبتدبير مثل هذا لن تستطيع الأغلبية هضم حقوق الأقلية، ولن تستطيع الانفراد وحدها بسلطة مطلقة.

تجارب الأحزاب العربية

هذا طرح نظري يلخص يإيجاز فكرة الأحزاب، ولكننا عندما ننظر لتجارب العالم العربي في الحزبية السياسية لن نجد كثيرا مما يسرّ. والأسباب عديدة، وحسب ما أرى، يرجع معظمها لعدم إتاحة الفرصة من قبل الحكام لكي تقوم حياة سياسية مستقلة عن سدّة الحكم، وقلة تجربة وحنكة أو نزاهة وعدم تمرس الذين تولوا قيادة هذه الأحزاب، بل ربما حتى غياب روح "الإثرية" عندهم، ناهيك عن تماهي بعضهم مع مصالح "الأجنبي"، وضعف تكوينهم، الذي يجعلهم غير مؤهلين لمنصب زعامة سياسية حقيقية، بل تجنح أحيانا إلى زعامة فردية مصلحية ، وأحيانا كانت العشائرية أو عصبية قبلية معينة تصبح هي المهيمنة، ثم الاحتلال الأجنبي المباشر، أو تدخلات هذا الأجنبي بدعاوي الحماية والرعاية أو مجرد الهيمنة عن بعد، كذلك تفاعلات المسرح السياسي الدولي وأزماته وحروبه التي لا تنتهي، وهي التي تجعل منا - نحن الضعفاء العرب المتناحرين دوما - لقمة سائغة وشهية، ولأسباب ترجع لموقعنا الجفرافي وأهميته الاستراتيجية، ثم مواردنا الخام، وعلى رأسها هذا النفط اللعين، ثم تنافس القوى العظمى على نيل أكبر شطيرة ممكنة من الكعكة العربية / الإسلامية! وأخيرا، شئنا أم أبينا، هنالك الخشية أو الخوف الكامن في الوعي الباطن لدى العالم الغربي من كل شيء يشتم منه ريح "الإسلام". ولم تولد هذه الخشية والتوجس من أفاعيل "بن لادن" أو مما صار يعرف "بالجهاديين"، بل من قرون عديدة، منذ الرسالة المحمدية ذاتها، التي غيرت مسار التاريخ على مدى أحقاب وأحقاب. وعلى الرغم من التطورات وثقافة التسامح المطروحة في الغرب، لا تزال النخبة المؤثرة غير المرئية في بلاد الغرب (الروم والفرنجة والأنغلوساكسون) تتصرف معنا وتؤثر على مسارات "حكوماتها" بدافع من هذه الخشية الكامنة، سواء جهروا بذلك أم لم يفعلوا!

لا أعدكم بالجنة، ولكن!

الطرح الديموقراطي للعمل السياسي، على النمط الغربي، وهو إنساني على كل حال، حيث أسهمت فيه مختلف الحضارات بشكل أو آخر، لا يعد حلاً سحرياً لما نعانيه في بلداننا، وليس هو بعصاة موسى - عليه السلام - ولكنه يظل الأفضل، في رأيي، شريطة وجود آليات تعمل على إصلاح كل خلل فيه، أو عندما يحيد عن مساره المفترض، والنتيجة المتوخاة لن نصل إليها قبل ممارسة التجربة على الأقل لمدة جيل كامل، شريطة وجود صحافة حرة وقضاء مستقل بالكامل. ولمن قد يقول بأن هذا الأجل طويل ومعاناتنا تزداد حدة، فلا جواب لي سوى القول بأننا ما فتئنا ننتظر منذ عشرات وعشرات من السنين ... ولم يحدث شيء، فماذا سنخسر؟ ... لقد حدثت الخسارة فعلا يا سادة.
هذا ما أعتقد بصلاحه نظريا، إلا أني وبعد هذه السنين من المعايشة والاطلاع، صار لزاما علي توخي الواقعية في التأمل والطرح، لم أعد أقتنع بلزوم ثورة أو انقلاب أو عصيان مسلح أو، معاذ الله، تدخل أجنبي مسلح ومباشر، صرت أفترض بأن كافة المؤثرين في الحياة السياسة تحدوهم، في نهاية المطاف، بشكل أو بآخر، مصلحة الوطن، ضمن ما يرونه من رؤى، تصيب وتخطئ، مثلهم مثلي ومثل كافة البشر، ولا أجد ما أقول إلا ما قال الصوفي العراقي الشهير "البسطامي" ... ما علمت من يقين إلا جهلي!

الحال في ليبيا

لدينا في ليبيا نظام قائم يفترض أن الشعب قد اعتمده. ولئن كان المرء لا يجد في أطروحاته النظرية الكثير من المطاعن، فاعتماده لمبدأ سلطة الشعب المطلقة عن طريق المؤتمرات الشعبية التي تمارس الديموقراطية المباشرة، والإصرار على أن لا يكون هناك مظلوم ولا مغبون، قد تختصر فحوى ما فيه، وقد تثبت رؤية إنسانية متقدمة، وشخصيا لا أصنف نفسي معارضا للنظام، فلا قبل لي بذلك ولا حيل ولكني أعارض سلوكيات بعض من أوكل إليهم أمر التطبيق، وأعارض بشدة (نظريا على الأقل) ثقافة أصبحت سائدة عندنا لفترة طويلة، بفعل هؤلاء، تتمثل في الإقصاء والتخوين والهيمنة، والإصرار على المناصب وشبه الخلود فيها، وحجب آراء الغير، وغياب المحاسبة المنتظمة والمراجعة والشفافية، وتقديم مصلحة الذات على مصلحة العام.
لي رأي كذلك في آليات التطبيق الموضوعة منذ البدء، وأرى الحاجة ملحة لوضع آليات مراقبة وتدقيق وتقييم لما صارت إليه الأمور على أرض الواقع ومقارنة ذلك بما كان يدعو إليه النظام أصلا، وكذلك آليات تطوير ومواكبة المستجدات، سواء المحلية أو تلك الآتية إلينا من الخارج.
وحتى يوضع لنا، أو نتمكن من وضع دستور كاف شاف، يتضمن الآليات المطلوبة، والذي لا أميل إلى التسرع في تحريره واعتماده، بل يجب أن يكون محل نقاش وحوار على نطاق واسع، يشترك فيه جميع المواطنين، فإني أرى إمكانية اعتماد فكرة الأحزاب، ولنسمها كما نشاء .. منابر .. منتديات .. أحواض فكر .... تجمعات ... تيارات .. مراكز بحوث أهلية .. جميعات أهلية .. تنظيمات أو ... أي شيء يجسد فكرة القبول بفكر "الآخر" ورؤيته ورأيه وبالبعد عن أحادية الرأي. ومن الممكن أن يصرّح لمثل هذه التنظيمات بالعمل ضمن المؤتمرات الأساسية، بحيث تنتدب كل جماعة من يعبر عن فكرها ورؤيتها ورأيها، لتبسيط القضايا المطروحة وشرحها، وطرح ما ترتئيه كحلول، وربما برامج متكاملة تعرض للنقاش والحوار ضمن المؤتمر الأساسي.

ما الفائدة المرجوة؟

لا شك أن حضور تنظيمات معبرة عن تيارات فكرية وسياسية، تعمل علنا ضمن المؤتمرات، سوف يؤدي إلى إثراء النقاش، بل وتبسيطه وجعله في متناول المواطن العادي، الذي لم يصب حظا كبيرا في التعليم والاطلاع، ومجرد تحقق تلك "التعددية" في الرؤى والرأي، سيدفع بمستوى الحوار والتداول إلى سقوف أعلى، فتثير الشؤون العامة والقضايا الرئيسة اهتمام الحضور، فيتشوقون ويشاركون فيها كأفراد يحاورون ويسألون، ومن ثم يلمون بالمضمون، فتتكون لديهم رؤى وآراء تتبلور وتصل بعد حين إلى قرارات تتخذها هذه المؤتمرات بترجيح عدد الأصوات.
من المعروف لنا أن الحضور في المؤتمرات الأساسية لم يكن كما كان متوقعا، فالأساليب المتبعة وهيمنة أفراد معينين على كيفية الحوار بها، ومحدودية الخيارات المتاحة، وطريقة عرض القضايا، ليست على ما يرام، بل نكاد نقول إن "الشعب" عزف عن ممارسة "سلطته" .. واللوم يقع بالدرجة الأولى على من أوكل إليهم الأمر أساسا، وعدم وجود آليات مراجعة، أرى أنها كانت لازمة لتقييم التجربة، سنة بعد سنة، والعمل على تحسين الأداء بها، بل لقد بلغ الأمر ببعض "الموكل إليهم" أنهم اعتقلوا، في حالات موثقة، بعض من تجرأ وقال كلاما لم يعجبهم، مع أنه من المفترض أن يكون للمواطن الحاضر والعضو بالمؤتمر كامل الحق في قول كل ما يريد.
وهنا أزعم بأن طرح فكرة السماح بالمشاركة ضمن تنظيمات سياسية فكرية، مع ضمانات معينة، سوف يؤدي إلى جذب جمهور المواطنين، ولو من باب الفضول، ثم متابعة حوارات الرأي والرأي الآخر، بل أكاد أجزم بأن الإقبال سيكون عظيما، قد لا تتسع له القاعات المخصصة له حاليا. هذا من جانب، ومن آخر، يمكن أيضا، في سبيل مزيد من الحوار والمساجلة، أن تعقد مؤتمرات أساسية غير رسمية، طوال السنة، في منتديات مخصصة، تصبح بعد فترة كمؤشر على اتجاهات الرأي العام وتفاعل الجمهور مع ما يطرح. وسيؤدي كل ذلك بالمواطن لاستعادة ثقته بالسياسة، والخوض فيها لما فيه صالحه، ولن يستطيع "موظف" من الموكل إليهم حسب ما اعتدنا أن يقوم بكل ذلك، وهنا تظهر أهمية التنظيمات الأهلية أو المنابر أو الأحزاب أو ما شئتم، فسيقوم أفرادها بالعمل على تواترها واستمرارها وجديتها طوال العام، فؤهلاء لهم برامج يريدون إيصالها، وكذلك كل من يحمل صفتهم من تشكيلات أخرى، وفي النهاية سيكون المواطن العادي هو المستفيد.

حول "من تحزب خان"؟

هنا نعطف على ما قد يقول به البعض بأن "من تحزب خان". هذه المقولة اعتمدت وطبقت في فترة معينة من تاريخ البلاد، عندما حرّمت الأحزاب، وهي كانت محرمة أيضا في العهد الملكي، ولكن الأحزاب أو التيارات السياسية الفكرية كانت موجودة في ليبيا دائما، وظلت تعمل في السرّ، وتشمل جميع التيارات المنتشرة في العالم العربي/الإٍسلامي. والثورة في بداياتها كانت عازمة على تثبيت قواعدها، ومن ثم لم يكن ثمة محل لتشكيلات وتنظيمات.. وحدث تصادم بين الناشطين في هذه التنظيمات، منذ ما قبل عهد الثورة، وبين الثورة وطرحها الجديد. ومن هنا تحديدا خرجت المقولة "بتخوين" من ينتمي إلى تنظيم سري ويعمل ضمنه.
لكن هذه المرحلة انتهت منذ زمن بعيد، ولا أرى أي داع للخوض فيها، وقد استقر الوضع للنظام، وصار قويا، بل قادرا حتى على الحديث والدعوة للإصلاح والتقويم والمصالحة وإنهاء مدخلات التخوين والإقصاء وفرض الرأي الواحد، وهي المدخلات أو التبريرات التي استغلها "راكبو" الموجة، وارتكبوا تحت ستارها الشنائع محاججين بها، أي بالمقولة التي أفرغت وصارت سوطا مسلطا على كل من لا يروق لبعض السادة الموكل إليهم الأمر، بمن فيهم بعض رجالات أجهزة الأمن واللجان الثورية.

لم لا؟

ما الذي يمنع الآن من السماح بالعمل "التنظيمي" السياسي العلني والقانوني؟ .. يكفي فقط إبطال مفعول فكرة التخوين، والقبول بمبدأ التنوع وحتميته! فكل مواطن يحب وطنه سينشرح صدره عندما يرى كل شيء أمامه، يحاور فيه ويقول قوله دون خشية أو خوف! ... وفي المحصلة إذا حدث ذلك، أليست هي "الشورى"؟ نظريا وتطبيقيا؟ أردف بأنه ومن لزوميات النجاح لمثل هذا الرأي بالتجربة التي أطرح:
وجود صحافة مستقلة وحرة، والحق في الولوج إلى قنوات الإعلام الرسمية، لكي يعلم كل الشعب بما يقال ويجادل فيه، ثم ضمان عدم الملاحقة والتصنيف في قوائم "السادة إياهم!" وليس من بد من إتاحة الحق لمثل هذه التنظيمات في حيازة مقرات وصحف بل، ولم لا؟، حتى إذاعات.

عمالة أجنبية؟

قد يقول قائل بالخشية من تحول بعض التنظيمات للعمل لحساب أطراف خارجية. وهذا مردود عليه باشتراط العمل العلني والشفافية المطلقة في التمويل والأنشطة المزمع القيام بها، فكل تنظيم يستطيع أن يقوم هو بالرقابة الذاتية ضمن نصوص قانونية محددة، لا تسلبه حقه، ولا تجنح به للانضواء تحت لواء آخر من الخارج.

التعددية الموجودة أصلا!

وفي الخاتمة فلنلق نظرة على ما هو موجود لدينا من تيارات أو قد يوجد عند السماح بتنظيمات سياسية فكرية:
- التيار الإسلامي بشقيه المعتدل (الإخوان المسملين) والسلفي التقليدي، ولا أرى مانعا يحول دون انتظامهم، ولا أرى رجاحة في القول بعدم إقحام الدين في السياسة، الإسلام قائم ومعروف وبيّن، والسياسة فيه جزء لا يتجزء منه، فهو إلى جانب العبادات والأمور الشرعية، فيه منظومة واسعة من القيم والمفاهيم والسلوكيات تشكل بمجموعها "ثقافة" بكل معنى الكلمة، وانطلاقا من هذه الثقافة لا مناص من وجود آراء ورؤى تختلف من مفكر "إسلامي" لآخر، وإن كانت تصب كلها في الحوض، إلا أنها تتنوع بتنوع المتناول وما يصل إليها من تدبير وإعمال لعقله.
- التيار القومي، وهو الذي يصب في سبيل وحدة الشعوب العربية بكل تجلياته والدعوة لها لتحقيق واقع أفضل، وللتمكن من تملك القوة بتوحيد الأطراف، وهو تيار شغلنا لعقود من السنين، ولا يزال يهفو إليه الناس، ومن ثم لا أرى ما يمنع من أن يكون له تنظيم أو تنظيمات.
- التيار اليساري، وهو وإن كان موجودا في ليبيا منذ أربعينات القرن الماضي، إلا أنه لم يحظَ بحضور جماهيري ذي شأن، ولكنه لا يزال موجودا كمنحى فكري وفلسفي، خصوصا لدى فئة المثقفين، ولا شك أن مجرد وجوده سيؤدي إلى عملية "اختزال" كما يقول أهل الكيمياء، أو بمثابة أداة حث عند مقابلته بغيره من التيارات.
- التيار الوطني الصرف، وهو الداعي لأولولية الانتماء للوطن أي الشأن الليبي وكل ما يتعلق بالوطن وخصوصيته.
هذه أربع تيارات رئيسة، قد تتداخل في الكثير من المفردات والأطروحات، ولكنها تختلف في التناول وترتيب الأولويات، ويجب عليها كلها أن تقر بعدم مشروعية العمل المسلح، أيا كان، وأن يكون العمل السياسي سلميا وضمن الضوابط. قد نستطيع اشتراط أن تكون كلها عاملة وناشطة باستقلالية تامة عن نظرائها في العالم العربي والإسلامي، وأن يكون الولاء الأول هو للوطن، وأن لا يسمح بتشكيل تنظيمات أو روابط أو جمعيات تحت مفهوم القبيلة وعصبيتها المقيتة والمعيقة لكل تحضر وتقدم، وعدم السماح لتنظيمات غير ليبية في أن يكون لها قول فصل في شؤونها. وهذا لا يمنع من تواصلها مع تيارات مشابهة في الخارج من الناحية الثقافية والفكرية غير التنظيمية. فعلى سبيل المثال الأحزاب الاشتراكية في أوروبا منضمة لمنظمة الأحزاب الاشتراكية الدولية، ولكنها في بلدانها لا تعمل إلا في سبيل وطنها الذي نشأت فيه. ويجب علينا أن لا ننسى أو نتناسى أننا اليوم نشاهد العالم بأسره وقد أصبح متواصلا متصلا بكافة بقاعه، فثورة الاتصالات والمعلومات أخذت تؤثر، ولا عيب ولا خلل في ذلك، في التواصل مع تجارب غيرنا ومضاهاة أفكارنا بما لديهم. هذا رأي رأيته، لا أتجرأ على الزعم بصحته على وجه الإطلاق، ولكنه يظل رأياً يدعو لآراء أخرى، عسى أن ينتج عن مقابلته بغيره خير! وأنا لست بباب استنباط "توفيقية" ما، بين ما هو قائم وما يجب أن يكون في حده الأدنى، ولكن وبكل بساطة هو رأي نتج عن رؤية واقعية للمتاح والممكن الآن، عسى يكون غدنا أفضل!

ramadanjarbou@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة القدس العربي/ لندن 21/8/2008


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home