Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

السبت 21 فبراير 2009

جرعة من الحب (*)

الإفصاح عن حب ... الوطن الموطن والوطن الحلم

رمضان جربوع

ليس جديدا أن يقول المرء أحب وطني، وإن صارت العبارة هذه الأيام "موضة قديمة"، خصوصا لدى الأجيال الصاعدة! .. وكذلك المتسلقة، البعض منها يحب الدينار والدولار وبعض آخر أشياء أخرى منها العيش في بلاد الروم والفرنجة والأمريكان أو حيازة المنصب والسلطة وما يصاحب ذلك من أبّهة وقد يحب المرء أهله وذريته وصحبه وربما جيرانه ويكتفي بمقدار الحيز الذي يقدر عليه. ذوي المشاعر الرقيقة قد يحبون المحبوب الذي كانت تتغنى به السيدة "أم كلثوم" طوال سنين وسنين، كل على هواه!

ولما كانت السياسة شغلنا الشاغل، نصبح عليها ونمسي، والانشغال؛ تفاعل وترقب وانتظار وتوقع، والسياسة أيضا فهم ورؤى وأحاسيس يسعى المرء من خلال متابعتها على الأقل أو من خلال حراك متاح على الأكثر، تلمس مخرجا من ضيق وعدلا بعد ظلم ومكسبا بعد غبن واسترجاعا لحقوق بعد سلب.

والأمر كذلك، نحن مسكونين بحب أو آخر، والحديث عن الحب والسياسة قد لا يبدو مألوفا، ولكن هذا لا يمنع التحدث عن منحى أطرحه في السياسة عن طريق الحب، والحب هنا - حتى لا تذهب بكم الظنون مذاهبا - هو حب الوطن، والوطن أوطان، وبالترتيب الوطن الموطن، وبالنسبة لي هو "ليبيا" ولكل منا وطن يستوطنه أويعتبره كذلك ولد فيه أو هاجر إليه، راغبا أو مضطرا، ثم الوطن الحلم وهو الذي يسعى المرء إليه أو يحنّ، وهو المعتمد على قناعات إن لم نقل أماني مبعثها التاريخ والجفرافيا والثقافة أو الشعور بالانتماء وهنا نتحدث عن وطن "عروبي" لا يمت للإثنية بصلة وإن كانت اللغة أساسه الأول والعاطفة أساسه الثاني أو قد يكون "إسلاميا" وهو وطن "الهوية" المبنية على أساس عناصر ثقافة وسلوكية معينة مشيدة على قيم دين حنيف توارثناه عبر قرون وصار دفّة لنا – حتى وإن تشع~ب أتباعه شُعبا وطوائف ولغات وأجناس في بقاع شتّى عبر العالم الواسع، لكنه يظل واحدا في جوهره- وهو بالمناسبة كذلك، آمن البعض به أم لم يؤمن، أدى فروضه أو لم يؤدي، وفي هذه الحالة يظل هو الهوية الاجتماعية والثقافية بكينونته، وحتى غير أتباعه ممن عاشوا في أوطان هذه "الهوية" تأثروا وصار لهم ثقافة، أقروا بها أم لم يقروا هنالك أخيرا الوطن الأمثل، وطن الإنسان والإنسانية بإطلاقها حيث نجتمع لمجرد كوننا من جنس الإنسان أو "الهومو سابينس" كما يقول علماء الأجناس، وهنا الحب، وهو الدفين وقلما يعلن أو يظهر، يتضح في التفاعل والتعاطف وأحيانا التواد، مع أحفاد سيدنا آدم عليه السلام، وهم ألوان وأديان وأعراق وثقافات، ونتعامل معهم ونقرأ ما يكتبوا ونحب أحيانا ما نقرأ، ونسمع موسيقاهم ونستمتع بها، ناهيك عن تعاملنا معهم؛ تجارة ودراسة وصداقة وزمالة في مناشط عدة. فلنحدث سياسة بطريق الحب ونبدأ بحب الوطن الموطن، فأقول ما قلت سابقا وكررت:

الوطن الموطن
"لغير مواطني هذا الموطن، عليهم استبدال الاسم التالي باسم حيث موطنهم ومدنه وبقاعه"
أحب ليبيا الوطن وأعلن حبي للوطن .. جهارا ... كيفما هو، بلا تكلـّـف أو غرض أو مقربة لعطيّة . .. أنا ساكن فيه وهو يسكنني، أحبه وسأظل، حتى ولو ازدراني، فحبي له سابق قائم وقد اتخذته لنفسي شرعة ومنهاجا، ولن يتحول بجور أو بفعل أهل جور وزور ... فمن يحب يقبل بمحبوبه أنّى يكون ....
لا أستأذن من أحد في حبي له، وهذا حقّ لي ولدت به ولا يملك أحد أن يصادره مني أو عنه ينهاني...
أحبه بمدنه وبقاعه كافة
أحبه بطرابلسه وبنغازيه وطبرقه وسرته وسبهاه ومصراتته وزوارته وغريانه .. أحبه بغاته ومرزقه وجغبوبه وكفرته وجالوه وأوجلته وبيضائه ودرنته ومرجه وكويفيته وطلميثته... أحبه بزاويته وغدامسته ومسّته ..
وأحبه كيفما كان
أحبه بعجاجه وترابه ومطره وجدبه وسبخه .. أحبه بزرعه وضرعه .. بشيبه وشبانه .. بإناثه وذكرانه بصحاريه وبراريه بقراه ونجوعه ومضاربه .. أحبه حيثما وطأت قدم نسله ...
أحبه بقفره بعماره وغناه وفقره ...
ولأني أحبه .. فهو لي وأنا عنه مسؤول .. ولي الحق في السؤال عنه وأن أسأل المناطين بمسؤولية عنه
ولما كان الوطن محبوبي، فلي أن ألومه عما صار إليه ...
وأقول له يا وطن ... أحلم بك وأنت بالعدل تــُدار .. لأن الوطن الذي أحب لابد له من عدل ..
وأقول له يا وطن .. ألا تسأل الحساب من القائمين عليك صغارا كانوا أم كبار؟ .. .. لأن الوطن يجب أن يقال له كل شيء .... كم وكيف ومتى وماذا ..
وأقول له يا وطن .. هل أدّى مستوطنوك الأمانة؟ ... هل قدموك قبل ذاتهم ؟ .. هل توخوك أنت بعد خالقهم؟ ... هل قاموا عليك بنية بيضاء؟ ... هل أسبغوا عليك حقك؟.. .. هل أحبوك يا وطن؟
أم كانوا لأنفسهم، فقط، محبين فحسب؟ .. ألا ينتمون إليك يا وطن؟ .. لمن هم منتمين يا وطن؟ .. ألا تسألهم يا وطن؟ كما ترون لا أطلب لوطني كمــّا عظيما ... لا أطلب له سوى عدل وحب !
(ألا ينفع ذلك أداة تقييم اعوجاج وإصلاح حال؟)
أنا في حبي سادر ... وليس ذاك بغيّ ... فمن جوف محبوبي ولدت ومنه طعمت وشربت وترعرت وشبّيت وها أنا أشيب ...
لم يعد لي ما أريد .. سوى أن يسعد وطني بمواطنيه وحبهم ... ولا أدري كيف يزرع حب كهذا في قلوب من لا يحبون سوى ما يرون في المرآة ..
ألا يعلم هؤلاء بأنهم إلى الوطن سيعودون عندما يموتون ويتسحيلون دودا و ترابا ثم عجاجا؟
ألا يعلم هؤلاء بأنهم من بعد؛ سيبعثون ثم أمام من خلق الوطن ومستوطنيه سيقفون؟
أما آن لهم أن يتزودوا لذلك اللقاء فيعطون المريض دواءً، والراقد الريح سقفا والجائع طعاما، والطالب علما، والأجير مجعوله، والسائل سؤله، والعار لباسا، والرّاجل ركوبة؟ ..
ألم يوكل لكم الوطن بيت ماله؟ ألم يقل لكم كــُـلوا بإحسان؟ ألم يقل لكم احتسبوا؟ ألم يقل لكم أعدلوا؟ ألم يقل لكم هذا أقرب للتقوى ..
ألم يقل لكم الوطن بأن لا تكونوا فـــظاً .. بأن لا تكونوا غلاظ قلب جلفاً ...
قبل أن تقع الواقعة؟
والواقعة واقعة فلقد طفح الكيل والوطن الذي لم تحبّون لديه من يحبه ... وسينفضّوا من حولكم حتى يستقيم أمركم وتقرّوا بالزلل وتجبروا الضرر وتوفوا الوطن حقه من الحب أو إن عجزتم، فبعض من الاحترام ....
ولكن أنّى يكون لكم ذلك .. فأنتم لم تحترموا حتى أنفسكم ..
لا أزال أحبك يا وطن ... وعلى حبي أعاهدك فلم يعد يؤنسي سواه، فهو زادي إن جعت، وشرابي إن عطشت، وشفائي إن سقمت، وسنة نومي إن أرقت ..
أحبك يا وطن وكفي ...

ثم الوطن الذي به أحلم
هذا الوطن، وطن بني يعرب، ليس له بعد إطار ولم يرسم بعد في خرائط السياسة وهو متعدد الأنظمة وعليه حكام يقضون جل وقتهم في الدس لبعضهم البعض ويقضّون مضاجع بعضهم البعض ولايحبون بعضهم البعض ولا يحبون أن يصير "وطن" باسم كهذا لأن ذلك سيقتضي أن يتخلوا عن الكراسي والصولجانات ولأن أناس أُخر يريدونهم كما هم ينفذون ما يرسمون لهم مقابل أن يظلوا على صدورنا جاثمين، ولكن؛
هنا الحب يتدخل! ... ويفرض علينا هذا الوطن حتى لو كان ذلك "افتراضيا" فهو يوجده لنا، نشعر به عندما نحل في مصر أو بلدان المغرب أو المشرق أو اليمان أو السودان، نتحدث بذات اللسان وننشغل بمشاغل بعضنا البعض في كل مكان، نحن المحبون لهذا الوطن الذي نحلم به نتذاكر سويا أيام "زمان" ونتساجل بالشعر أو بمجرد "السولفة" والغناء.
هذا الحب ووطنه صار حقيقة على رغم أنوف المعارضين من الحكام ومن "سيّدهم" ولم تعد ضرورة أن يعلن ويرسم على الخرائط فلقد رسمه لنا حبه في القلوب ونمارس حبه ونتواصل فيما بيننا ونتصاهر ونتشارك ونتدارس، ولا تصدقوا أنه لم يعد لنا، بل عاد لنا وهو موجود،
ولما كان الحب شغلنا الشاغل هذا الخميس، فنعطف على الوطن الحلم الآخر، ألا وهو وطن المعتقد والثقافة والقيم والهوية، وطن الإسلام، وهو أيضا موجود في وعينا الباطن ولم يغادره منذ صارت فتوحات القرن الهجري الأول بعد انطلاق الدعوة للدين الحنيف، وتلك الفتوحات لم تكن لطمع توسع أو إنشاء ملك عضوض، بل كانت في أصلها ردود فعل لمحاولات منع انتشار من قبل ممالك ذلك الزمان، وصارت فتوحا لأن حروبا شنت وإذا انتصر المسلمون فلقد كان ذلك لصدق إيمانهم والاستعداد لبذل الروح للذود عنه، انتصار الإسلام الذي تحقق لم يكن عسكريا فقط، ولكن اعتناق الغالبية العظمى في البلدان التي أتى إليها المسلمون (مسلمو ذاك الزمان!) له، ودالت الدول التي ناوئت الإسلام وذوت، ولكن؛
لما كان "المسلمون" من جنس البشر، ولما استعت رقعة الدولة وكثرت خيرات بيت المال، فحل الطمع من جديد وتغير الحال ودالت دولة "المسلمين" ولكن دولة الإسلام أو "وطنه" لم تدل ولم تنتهي فهي لا زالت راسخة متمثلة في تواصل وفي حج وفي قيم وأخلاق (لا يتمتع بها الكل يجب التنويه) وتمثلت أيضا في منظومة اجتماعية سلوكية لا تزال تتشابه من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق وآسيا وأوروبا وأفريقيا، وحتى من لم يعتنق الإسلام وبقي على دينه لا يزال، ينتمي، أراد أو لم يرد، إلى هذه "الثقافة" السلوكية المعيارية، بل حتى بعض المسلمين "بالوراثة" ممن هجروا الدين كمنهاج وديدن، و "تثقفوا" بغير ذلك من ثقافات، لا يزال في عقلهم الباطن ذلك الشعور أو الإحساس بانتماء من نوع ما، لا يعترفون به ولكن يخرج بمظاهر شتى على سلوكياتهم أحيانا، أو حتى بمجرد تصنيفهم كمسلمين من قبل "الآخر" في أيام الحرب على "الإرهاب" هذه الأيام .. وهكذا "لحق" بهم إسلامهم على غير طلب! ولم يعودوا يستطيعون منه فكاكا!
كان حب هذا الوطن "الإسلامي هذه المرة" لدى العديد منا منبعثا من الذاكرة ومن العقيدة ولكنه صار اليوم أكثر وضوحا بفضل "ثورة" الاتصالات والتقارب الذي حدث بعد مجازر "مسلمي القرن الواحد وعشرين"، وصار كذلك بفعل رسمنا "أعداء" على وجه العموم من قبل "الأخر" .. .. وهكذا عاد لنا هذا الوطن، شاء البعض منا أم لم يشأ، لقد كان دائما موجودا ... غاب عنا خلال فترة "النهضة" والانبهار بالآخر، ثم عندما بان وجه الآخر أبان لنا هذا الوطن الذي كدنا أن نفقده.
هذا الوطن، هو الآخر، لا يحتاج إلى "دولة" وحدود أو لغة واحدة، ليس بالضرورة أن تكون له حدود وجيوش، هو الآخر موجود "افتراضيا" ولكن حبنا له أخذ ينمو حقيقيا ..

أما الحب الأمثل
الحب الأمثل الذي أراده لنا خالقنا، الله تعالى (أو الطبيعة لغير من يعتقد) هو حب بني الإنسان لبعضهم البعض، ونحن في الأصل جبلنا على ذلك قبل أن نتفرق شعوبا وقبائل، كتب على جنسنا العيش في هذه الأرض، والتعايش يفترض القبول ببعضنا البعض إن لم نقل حبنا، ولكن طموح "أفراد" فصّل الخارطة الإنسانية من جديد وتوالى الغزو والسطو والقتل، وفي المنشأ، كل التطاحن كان في البدء من "فرد" يواليه أتباع ويصيروا أمم وممالك على حساب غيرهم، ينتصرون ثم يندحرون ويأتي غيرهم ويكررون الفعل، هذه قصة الإنسان، في آلاف السنين حقق قفزات هائلة تصعب على التخيل في نطاق العلوم والاختراع ولكنه عجز عن الارتقاء بذات المقدار في الخلق والقيم والسلوك نحو أمثاله، عندما نرى العالم اليوم نكاد نصعق عندما نقارنه ماديا بما كان عليه من ثلاثين أو أربعين قرنا، ولكن عندما نرى الدماء التي تسفك تحت مسمى أو آخر والفقر والعوز لدى معظم بني الإنسان، وفحش ثراء وترف آخرين، لا نملك إلا الاستغراق في الدهشة والتساؤل كيف يكون ذلك؟
الأديان السماوية تدعو لمحبة الإنسان، في منطلقها الأساس، ولكن بني الإنسان، أينما ومتى كانوا، في معظمهم لم يستجيبوا، والمعركة سجال، بين الإنسان ونفسه، ومع ذلك يظل هنالك إحساس لدى غالبيتنا بإمكانية ذلك، والشاهد: لا زلنا كأفراد نتعامل مع بعضنا البعض ونتعايش ولا نتكاره، والحديث هنا عن تجارب إنسان مفرد مع غيره من غير ذات الثقافة أو اللغة أو العرق، لا يزال هنالك قاسم مشترك، الطريف في الأمر أنه مهما اختلفت سحننا وألسنتنا وثقافتنا، إلا أننا نظل "أمة واحدة" .. عندما يفتح جوف أحدنا بعد مماته، لن يجد "المشرحون" اختلافا ولو ضئيلا .. .
وبعد، ربما لكي نفهم علينا العودة لقصة قابيل وهابيل، أو ربما المناخ أو الزراعة أو الصناعة أو التجارة ولكي نتول إلى حل بانفراج المعضلة ربما يتوجب علينا البحث عن "شيطان" نعلق عليه آثامنا، ولكن في هذا اليوم لا أوصي إلا بمزيد من جرعة الحب .... أحيانا حتى "الحب" يتطلب السعي إليه ... أليس كذلك؟

ramadanjarbou@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة القدس العربي / لندن ، وصحيفة قورينا / بنغازي ، 19/2/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home