Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الإربعاء 16 ديسمبر 2009

السدّ في وجه الإعاقة*

رمضان جربوع

أن يستمر الأمر كما هو عليه ليس إلا ترسيخ لحالة العقم والتردي التي نعيشها منذ أجل، صحيح بدأ لدينا حراك إعلامي بنبرات تتراوح بين الخافتة والعالية الحذرة، وصحيح تم الإعلان عن النية في 'إصلاح' أوضاع البلد، اقتصاديا بالخبر والفعل الواضح، وسياسيا كيفما تكون الظروف، فما هي المحصلة اليوم؟

عقم وتردي

أولا، العقم والتردي، بمعنى أن حالنا استمر كما كان عليه، اقتصاديا، بالنسبة للمواطن العادي، بل هناك من تضرر من خطوات 'تقليص' الكوادر الإدارية ثم ما أدى إليه 'الانفتاح' من تضخم وغلاء ناهيك عن ظهور سلع جديدة تلبي حاجات استجدت مما أثقل كاهل المواطن بأعباء المعيشة (اقتناء الهاتف النقال مثالا وهو الأغلى كلفة في العالم، كاضطرار في ظل عدم توفر ورداءة الهاتف العادي)، للأسف تم اللجوء إلى خطوات 'تحرير' الاقتصاد بعد عقود من اقتصاد القطاع العام وما صاحبه عقم تولّد عن عدم كفاءة وغياب محاسبة، عبر نفس الشخوص القائمة على أمور المؤسسات والوزارات واللجان 'بأنواعها وألوانها' والتي تعتبر نفسها ذات منّة وفضل على الشعب، وهي نفسها التي أدت، وبنسبة كبيرة، بعقم تفكيرها وأدائها إلى ما نحن فيه، هذه الشخوص ركبت الآن مركبة الإصلاح وتريد نصيبا في 'غطيسته' وتناست لماذا كان الإصلاح لازما ومن تسبب في 'الكسور' التي استوجبت الجبر. وهي ما تزال تحمل نفس عقلية التسلط والتعالي والتبجح، نخشى، إن رسخت أقدام هؤلاء في أحذية جديدة، أن تستمر حالة التردي

حراك سياسي؟ دستور؟

ثانيا، على المستوى السياسي، والمقصود هنا، آليات ممارسة الشعب لسلطته، وآلية وكيفية انتقاء المسؤولين ومحاسبتهم، ووسائل وجهات اتخاذ القرارات الرئيسية في كل ما يتعلق بالوطن وساكنيه. سمعنا واطلعنا على مشروع دستور تأخر كثيرا، ربما لعسر الولادة وتعسف الجهابذة، ووعدنا بإطلاق العنان لمؤسسات المجتمع المدني وحرية الصحافة، وشاهدنا فعلا 'انفراج' عندما نقارنه بما كان عليه الحال، نكاد نصفه بثورة في حد ذاته، حيث صار لنا الحديث والتعبير عن آراء ورؤى، وكل ذلك ضمن 'مبادرات' إصلاحية لا ترتكز على شرعنة، بمعنى تكريسها وترسيخها في دستور وقوانين تتوخى المعايير الدولية التي لا خلاف عليها، وأيا كان الأمر، فلقد كان لهذه المبادرات أثرا طيبا يدفع للتفاؤل، ونحن صرنا على استعداد للتفاؤل بقطرات بعد طول جفاف، عساها أن تأتي بغيث غزير.
حدث زخم وطرحت آراء وعقدت ندوات وظهر إعلام جديد يقول غير قول القديم، والقديم هذا ما زال في نبراسه لا يحيد.

الغائب ...

هنالك غائب خطير في هذا الزخم والمخاض، ألا وهو المؤسسة التي، وفقا لنظام بلادنا، تنطق باسم الشعب وتمارس سلطته، أي مؤتمر الشعب العام.
هو غائب خطير الشأن، لأننا في هذه الحقبة التي تتحدد فيها مسارات الوطن، فلقد غادرنا 'الاشتراكية' ودخلنا غياهب اقتصاد السوق دون استعداد أو دراسة مسبقة للعواقب وما قد يصاحبها من أزمات، كان لابد أن يكون حاضرا يراقب ويبحث ويبادر ويضع الأمور في نصابها كل ما حادت عن الطريق.
الغياب، أو فلنقلها، 'التغييب' حدث من قبل نفس 'الشخوص' الذين استولوا، في رأينا، على صلاحيات لم تنطق بها روح وأسس النظام وطروحاته، صارت 'لجان' معينة تهيمن على القضايا التي تطرح عليه أو في الغالب تعيد صياغة ما 'قررته' المؤتمرات الأساسية، ثم تصدر القرارات والقوانين وتقر التعيينات، وفي معظمها تأتي توافق أهواء وتعبر عن تمسك واستماتة في أن تظل الأمور كما هي، فالوضع للسادة المسؤولين عن ذلك؛ جد مريح، وأي تغيير أو إصلاح لابد له أن يأتي وقد تم تخفيفه إن لم نقل إفراغه من المقصد والهدف.
الغياب، حسب ما نرى، كان غير مبرر، حتى لو نطق بعض الفقهاء بغير ذلك، فمسائل حساسة تمس حياة المواطن العادي الذي صار لا حول له ولا قوة، منها شظف العيش وارتفاع التكلفة وقلة الفرصة، والتوجه نحو تقليد أو إعادة استنساخ نماذج 'انفتاح' أخرى مثل دول الخليج من حيث العمارات الشاهقة التي تناطح السماء والفنادق الفاخرة والأسواق المجمعة الفارهة إلى آخر المنظومة المرتبطة بأسواق المال في العالم، والتي بتنا نرى اليوم ما حدث لها (دبي مثالا)، كل ذلك لم يقله مؤتمر الشعب العام ولم تعرض عليه التفاصيل المزمعة، ولم يسأل إن كان يوافق على القيام بها وبنفس الشخوص إياها، لا بد أن يقبض مؤتمر الشعب العام على زمام بيت المال، لا جدال في ذلك!
لم يسأل أحد مؤتمر الشعب العام، أو المؤتمرات الأساسية عن رأيه في مستوى الخدمات وما حدث لقطاعات الصحة والتعليم والسكن والبنية التحتية وإن كان موافقا على ما شرعت 'الوزارة' في تنفيذه تلبية 'لأوامره' التي لم نسمع بها إلى الآن؟ الوزارة، أو اللجنة الشعبية العامة ومعها اللجنة الشعبية لمؤتمر الشعب العام، في تقديرنا، صارت على أرض الواقع هي 'بديل' مؤتمر الشعب العام، وتحتوي المؤسستين على نسبة كبيرة من 'الشخوص' الذين سئمنا رؤيتهم دوما على الكراسي منذ قرابة الثلاثين سنة، لقد أصبحوا هم السلطات الثلاث، تشريعا وتنفيذا وقضاء.

آن أوان الحضور

أن يحضر مؤتمر الشعب العام وأن يكون انعقادة بتواتر أكثر ولو تطلب الأمر مرة كل شهر، فالمرحلة جد حرجة، فنحن نخرج من وضعية إلى أخرى ولا نرى أن الاستعداد لها قد توفر، وما يتخذ فيها من قرارات أو ما يعمل فيها من إنجازات ستظل هي الأخرى أمامنا لسنين طوال أو ربما أجيال، لابد من تطوير آلية اتخاذ القرار والتواجد للسلطة التشريعية الرئيسية في البلاد ولابد لها أن تأخذ زمام الأمر في سبيل الإعداد لدستور .
الدستور الذي يحدد ويفصل بين السلطات بمواد واضحة لا يجب أن يتم إعداده وتتم صياغته بنفس آليات صياغة القوانين في بلادنا، من المستحيل لدستور أن يؤدي المطلوب منه إذا لم تتم مناقشته علنا وجهارا من الشعب بعمومه مع طرح كافة الخيارات المتاحة، وما يستعصي على التوافق في مؤتمرات أساسية فليتم طرحه في استفتاء عام.
صحيح أن مشروع بهذه الضخامة، أي الدستور، سيستغرق وقتا وجهدا ولا يمكن ولا ينبغي له أن يحرر بين يوم وليلة، ولكن من الممكن جدا أن تفعل الآليات الموجودة عندنا بحيث يصبح صوت الشعب مسموعا كل شهر أو أسبوع بدلا عن مرة واحدة في السنة، الكثير يحدث في سنة، الأموال تستنزف في مشاريع يعلم الله مآلها، وموجبات القرار بها، ولكن أن يحضر الشعب عملية الاختيار والتعيين في المناصب مع وضع آلية الرقابة وديوان المحاسبة قيد العمل باستقلالية كاملة لا يقدم التقرير بما راقبت أو حاسبت أو فعلت إدعاء أو إيقافا، إلا إلى الشعب وليس للوزارة أو الأمانة. حتى لا نفقد الزخم والتفاؤل والاستبشار، لا بد من خطوات فعالة تدخل في صميم قضية الإصلاح وترسيخ الحريات وإعادة صياغة مفاهيم التنمية والأمن (وصلاحياته) وفصل السلطات وتحديد الاختصاصات.

أما اذا استمروا

إذا استمرت الشخوص 'العتيقة' في مناصبها (والتي إن طرحت القوائم بها على الاقتراع فنحسب أن من سيصوت لصالحها لن يكونوا سوى ذوي قرباهم وشركائهم ورفاقهم)، لدينا عناصر شابة عديدة مؤهلة ومتعددة الكفاءات، تستطيع أن تتولى المسؤوليات الهامة في الوطن، ونحسب أن الأوان قد آن لكي تتبوأ مراكزها، لقد اكتفينا وسئمنا، نريد وجوها جديدة بكل بساطة، ونهجا جديدا، يعتمد الكفاءة والإنجاز والولاء للوطن.
إذا تأخر 'حضور' مؤتمر الشعب العام، ولم يتوقف 'تغييبه' وإذا لم نشاهد التشريع بتكريس الحريات ومبدأ المحاسبة والمساءلة (عن الماضي والحاضر وما سيأتي) فلدينا خشية خطر آخر قد يكون أشد فتكا، ألا وهو 'استغوال' الطبقة الطفيلية الجديدة التي أثرت مؤخرا وصارت لا تتحدث إلا بعشرات ومئات الملايين، وهي رفيقة وصديقة وأحيانا شريكة لمن لا يريد التغيير والإصلاح، هذه الطبقة الجديدة ستتكيف وقد تستحوذ على السلطة بإخراج 'ديمقراطي' عراقي النبرة هذه المرة.

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة أويا ، وصحيفة القدس العربي، الخميس 17/12/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home