Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الثلاثاء 19 مايو 2009

ماذا فعلت بنا بيروت؟ (*)

رمضان جربوع

القصف الثقافي بعيد المدى الذي أتانا من بيروت في نهاية الخمسينات وبداية الستينات لا يزال ماثل الأثر في المخيلة التي شكلت الوعي، تأثرت به كما تأثر غيري من جيل مواليد الأربعينات.

كانت مصر أولا
في وقت مبكر من بداية الوعي بمحيطنا وفي المدرسة الابتدائية كان لدينا معلمين مصريين من النوع الذي يقف المرء إجلالا لهم وعرفانا، غرسوا فينا حب الاطلاع والقراءة والمحاججة، وكان زملاؤهم الليبيون من الذين تلقوا العلم إما في مصر، أو في بعض المدارس الإيطالية القليلة أو اجتهادا ومثابرة على أيدي شيوخ المدينة ثم واصلوا التعلم بذواتهم، الجميع كان يبذل الجهد منقطع النظير تلك الأيام لكي نتعلم، لم نكن نتعلم المنهج فقط بل كنا نتداول كل ما تقع عليه أيدينا بدافع شغف هو أشبه بعطش لا يرتوي، البلاد كانت مدقعة الفقر ويضطر العديد من الطلبة للعمل صباحا للمساهمة في تحمل أعباء معيشة أسرهم وفي المساء كانوا ينتظمون في المدارس الليبية بذات مناهج الصباحية يقوم عليها أناس ذوي أريحية وإثرية، كانوا يتطوعون لإلقاء الدروس دون مقابل ويرافقهم في ذلك المعلمون المصريون وهم أيضا على سبيل التطوع، ولقد تخرج منها المئات وواصلوا دراستهم وتخرجوا من الجامعة الليبية أو في الخارج وتبؤوا المناصب القيادية في الدولة، مجتمع بنغازي في ذلك الزمان كان ملتحما متعاضدا، الحراك الأهلي فيه ذو باع طويل ومؤثر خصوصا ضمن النشاط الثقافي للأندية الرياضية ومناشط جمعية عمر المختار، بل وحتى في المقاهي التي كانت تجمع نخباً من المثقفين والأساتذة والشعراء نجلس أمامهم مستمعين مدهوشين خاشعين لمحاضرات ومناقشات ومساجلات، كان من بينهم شعراء يلقون القصيد بوحي اللحظة، كنا نقف أمام المكتبات مساء الخميس ننتظر وصول المجلات والصحف المصرية التي كانت المنهل الأول لنا إلى جانب صحافة محلية نشطة ومتعددة التوجهات والآراء. ونتردد على المراكز الثقافية (مصرية وبريطانية وأمريكية) حيث 'نلتهم' الكتب المرصوصة رفاَ برف، كنا نتسابق من يكمل رفاَ قبل زميله.
المؤثر الآخر في تشكيل الوعي لدينا كانت دور السينما وأفلامها المصرية والأمريكية، الأولى نحنّ لها ونتفاعل مع رواياتها وأبطالها ومطربيها وكان التحيز لبطل أو مطرب دون آخر إحدى سمات محددات الهوية 'الثقافية' عندما كنا شبابا، كنا أحيانا نتشاجر عندما نتحاكى عن الأفلام والأغاني المصرية ونعدد مناقب كل منها، أما الفاعلة الثانية فلقد كانت قادمة من الغرب وأفلامه، بالنسبة لنا مثلت مادة وموضوع لأحلام اليقظة بمستقبل نصبو إليه، عالم آخر مبهرج ذو ضجيج يدير الرأس ورفاهية حياة تبعد عنا بعد القمر! طبعا لا ننسى الراديو، من إذاعة 'صوت العرب' و'القاهرة' إلى الـ'بي. بي. سي' ... 'هنا لندن'، هيئة الإذاعة البريطانية.
ولكن مصر كانت الأولى في كل شيء، فهي التي شكلت وعينا الأوليّ، وهي التي علمتنا وعندما انطلقت دعوة العروبة وقوميتها بخطابات جمال عبد الناصر لم يكن هنالك إشكال في قبولها واعتناقها من قبل جمهور المدينة، فالدعوة للتحرر ليست غريبة عنا فلقد أفنى الآلاف من أسلافنا حياتهم مجاهدين في سبيل التحرر من الطليان، والوحدة كانت تمثل لنا حلما آخر، فساكن البلد الصغير يطمح لأن يصبح مواطنا في دولة كبرى متقدمة وثرية، ودراسة التاريخ عبر المناهج ابتداء ثم من الإطلاع الحر تاليا، مهدت الطريق لتلقي التيار القومي العروبي، ثقافة أهالينا الإسلامية التقليدية لم تكن بعيدة فمعظمنا لم يكن يفرق ما بين العربي والإسلامي، ولم نكن نعرف حتى بوجود مذاهب وشيع وطوائف، كان إسلاما فحسب! وعروبتنا مترسخة لغة وتاريخا مشتركا، ولم ينس الليبيون أبدا عون إخوانهم العرب ممن جاهدوا معهم ضد الغزاة من إيطاليا، ولم يتوانوا عندما غزيت فلسطين فتطوع المئات لنصرة إخوانهم في فلسطين في حرب سنة 1948.
أشرفنا على انقضاء العقد الثاني من أعمارنا في أواخر الخمسينات، كانت مصر تتغير ونحن كذلك، بحكم التقدم في السن من جهة وأيضا باتساع مداركنا ومباشرتنا لسماع نبض آخر قادم هذه المرة من بلاد الشام، وبيروت تحديدا، مصر أخذت تتخذ وجهة أحادية الرأي وهيمنت على مفاصلها أجهزة أمن بعقليات ما قبل ثورة 1952 ولم تعد المادة الثقافية تتطور وتلاحق ما كان يفد إلينا من بيروت تلك!

دفق بيروت الجارف واختزال العالم
كنا مشرفين على الوعي بالعالم على اتساعه، فكريا هذه المرة، من إرث مصر أخذنا أو 'التهمنا' كل ما كان يكتب فيها منذ ثلاثينات القرن الماضي ابتداء من مجلة 'الرسالة' وإذا ما وضعنا على جنب التفاعل السياسي، الذي لم ينقطع أبدا، مع ما كان يجري في مصر وقضاياها التي أصبحت قضايانا، إلا أننا أخذنا نطمع للمزيد فكريا وهو ما لم يعد متوفرا، أو شاملا، كما صرنا نرغب ونشتهي.
أخذت الطائرات القادمة من بيروت تفرغ أحمالا بأسفار النفيس من ترجمات وشعر حر ومباحث في المذاهب الفكرية والنظريات السياسية والأدبية والنقد ناهيك عن الصحف والمجلات الرشيقة الغنية الدسمة.
أنفتح علينا عالم آخر، بل أستطيع القول بأن بيروت اختزلت العالم لنا فيما تؤلف وتترجم وتطبع وتنشر. النقلة كانت نوعية ربما لغزارتها أو لأننا صرنا في سن سمحت لنا بولوج المغلق فهمه، من فلسفة ابن رشد إلى الغزالي إلى ابن عربي والحلاج، من كيركغارد إلى جان بول سارتر وصاحبته سيمون دي بوفوار، كنا نقرأ ونتباهى بما قرأنا أو اقتنينا أو بما فهمنا (ولا أزعم بأننا كنا نفهم كل ما نقرأ) من هذا الكتاب أو ذاك، صار لدينا أنصار لنيتشه وبرتراند رسّل، وكارل ماركس وسيد قطب ناهيك عن البياتي ونزار قباني إلى آخر السلسة التي كنا شغوفين بحفظ أسماء أعلامها ومؤلفاتهم. لا زلت أذكر مشادة بين مثقفينا عن موضوع فلسفة 'الضحك' وتناوله سواء من ابن رشد أو الفيلسوف الفرنسي بيرغسون، باختصار بيروت هذه لم تؤل جهدا في مدنا نحن العطاشى دوما بعصارة الفكر البشري وفي أي موضوع نشتهي ...

ما فعلته بيروت بنا
ما فعلته بيروت بجيلنا أنها وضعتنا في مفترق طرق، فأخذ كل منا موقفا أو اكتفى بمتعة الاطلاع دون التزام بنهج ومسلك، العروبة ظلت سائدة ولكن هذه المرة ظهر منافس آخر لتيار عبد الناصر ألا وهو حزب البعث (وفيما بعد وفد القوميين العرب) عبر كتابات مطاع صفدي (أمد الله في عمره) ومنيف الرزاز وأشعار سلمان عيسى، من كان يتحرق شوقا للمشاركة في الحراك السياسي، كان الخيار مفتوحا إما بعثيا أو إخوانيا أو قوميا عربيا، لقد سيستنا بيروت هذه!

لازمة اللزوم، الاشتراكية
أما عن النهج الاشتراكي، فلقد كان مرسوما في الذاكرة، ولا يزال، والتعاطف مع التيار عندما لم يكن ناتجا عن قراءات ودراسة، كان من واقع المجتمع بالمدينة، فجمهرة الناس كانت معدمة والأغنياء قلة قليلة، ومستوى الحياة كان متقاربا، ولا أنكر طبعا أن بعض من 'الوله' الاشتراكي كان مبعثه من ناحية غزارة المادة المتاحة من أدبياته وقلة أو رقة حال المقابل أي الفكر الرأسمالي إن جاز لنا القول، وإن كنت لا أنفي بإمكانية جنوحنا للتيار الاشتراكي عموما كموقف مضاد لما كنا نراه من تأييد أمريكا لإسرائيل ووقوفها في وجه تطلعات الأمة للتحرر والوحدة (تأثير القطبية الثنائية؟). هذه الإمكانية على بساطة طرحها تظل جديرة بالاعتبار خصوصا عندما كنا نرى في الاتحاد السوفييتي الحليف القوي لقضايانا ومناصرتنا بالسلاح والخبراء، وبالطبع لا ننسى ما كان لتأثير عمالقة الأدب الروسي من تأثير مثل غوركي وتولستوي وديستوفيسكي، حتى وإن لم يكونوا من مفكري التيار اليساري ولكن في تلك الحقبة كانت الاشتراكية تختلط مفهوما مع كل ما هو روسي بغض النظر عن المنتج الفكري وحقبته، صار لدينا الميل الاشتراكي إيضا لكــونه تيار 'الموضة' فمعظم مثقفي فرنسا وجزئيا بريطانيا، كانوا منهم، ولفرنسا الثقافة الآتية إلينا عبر بيروت أهمية خاصة دفع بي إلى ولع 'بالتهام' كل ما هو فرنسي ، حسب المتاح، من لغة إلى أدب إلى فكر، وكل هذا من السيدة 'بيروت'!.
التأثير الأنغلوساكسوني كان له نصيب عبر أسفار بيروت من كتب و روايات كولن ويلسون 'المنتمي' و'اللامنتمي' و'سقوط الحضارة' ومؤلفات أرنست همنيغواي وجاك لندن (اليساري الأمريكي و'عقبه الحديدية') وجون شتاينبك وأرسكين كالدويل، لغة الإنكليز لم تكن غريبة علينا فلقد كان نصيبنا منها جيدا بفضل المناهج الدراسية الممتازة التي كانت لدينا، فلقد كنا نقرأ في لغتها، مؤلفات جيروم كي. جيروم، وبعض من شكسبير وشارلوت برونتي وأوسكار وايلد وتشارلز ديكنز. ولكن الكم الهائل من الأعمال المترجمة وارد بيروت، كان طاغيا... وحصرتنا بيروت في اختيارات مترجميها وناشريها!

الجامعة الليبية التي صارت عربية عالمية
الجامعة الليبية في بنغازي، والتي لم أتشرف بالدراسة فيها، إلا أنها كانت منارة مشعة طالتنا أنوارها كلنا، كانت قفزة أخرى نحو المعرفة، واستفادت أيما فائدة من تصنيفات الأنظمة السياسية الأمنية في بلدان العرب، فهجر عظماء من أساتذة الجامعات العربية بلدانهم وجاؤوا لبنغازي، من مصر والعراق وسورية وتونس وغيرها، وضمت أيضا نخبة من أساتذة أوروبا، لم تكن مركز تعليم فقط بل ورشة تثقيف عام لمجتمعها من خلال مؤتمراتها ومحاضراتها العامة ونواتها المفتوحة وما يدور فيها من حوارات وسجال، ويخرج كل ذلك من جدرانها ليعم المدينة ويشبع طلاب العلم ومحبيه، ولبيروت شأن أيضا في هذه الجامعة (أيام عزّها) بما كانت تطبع وتنشر وتوفر من عتاد تعلم.

بيروت وثلاثية اللغات
علامة فارقة كانت تحيرني عند الاحتكاك ببيروت وأبنائها، ألا وهو تميزهم باتقان اللغات الثلاث (العربية والفرنسية والإنكليزية)، أمر مفهوم أن يتقن المرء اللغات الأجنبية عندما يكون دارسا في مدارس تٌعلَم بها، ولكن البيروتيين كانوا يتلقون علومهم باللغات الثلاث ويمتحنون فيها، والنتيجة الملفتة للانتباه هي أن اللغة العربية تبقى لديهم متميزة وراقية وسائدة، يكفي أن نشاهد على التلفزيون اليوم، عندما يتكلم ساسة لبنان بلغة الضاد، ينطقون بجلاء ووضوح وبلاغة يحسدون عليها، ولا يقارنون بما نشاهده من بقية الساسة العرب، أحسب أن تعلم اللغات الثلاث معا منذ بداية التلقي يدفع المرء إلى ضبط لغته الأم لتتوافق مع صياغات وسلاسة اللغات الأجنبية الأخرى ذات المصطلحات الحديثة، بل تجعل في الذهن، وربما دون وعي، آلية ترجمة ومقارنة لكي تخرج الصياغة التعبيرية محكومة بقواعد السلاسة والوضوح وهذا اجتهاد مني على كل حال- لاشك أن لغتنا العربية من أغنى اللغات، ولكن العيب يظل في أسس وطرق التعليم التي لم تنضبط بعد كما يجب، واللغات الأجنبية الأوروبية، وإن كانت حديثة عهد نسبيا، إلا أن واضعوها ونحاتها (وهي دون شك موضوعة القواعد والنحو من قبل مكلفين بها بعد التخلي عن اللاتينية) حرصوا على وضع قواعد جلية سهلة ومنطقية واعتمدت على هذا الأساس ومن هنا قدرة اللغات الأجنبية على الضبط المستمر والالتزام وعدم اللبس، لغتنا العربية قادرة دون شك على ذلك، ولكن طرق التعليم والتطوير لم تتقدم كثيرا منذ مائة عام تقريبا، واللغات عموما مادة حية تتطور وتغتني، ولا تظل جامدة فيسقط منها مصطلح ويستنبط آخر، ويعتمد أسلوب ويترك آخر ..
العلامة الأخرى المميزة، أهل بيروت على عكس المغرب العربي، لم يتقيدوا بلغة أجنبية واحدة، بل اعتمدوا اثنتين، أي الفرنسية والإنكليزية، وفي ذلك فائدة كبرى، فاللغتان تمثلان مدرستين وثقافتين، كثيرا ما تتناقض وتتنافس، والوعي بالعالم الحديث عندما يكون محصورا ضمن هيمنة لغة واحدة نابعة من ثقافة معينة ورؤية ذات محددة، يظل مطبوعا بها، واللغة الأخرى (من ثقافة أخرى) تعطي قراءة تكاد تكون مغايرة، لهذا العالم، ومن واجبنا نحن الاستفادة من التنوع حتى لا تهيمن ثقافة معينة (بكل شوفينيتها) على ما نتلقى.

كيف صارت بيروت وخبتْ
كيف لبيروت أن تفعل كل ذلك؟ هل هي نزعة تجارة الفينيقيين؟ (البيزنس) هل رأت بيروت سوقا رائجا للكتاب والتأليف والترجمة والنشر؟ أم هنالك ميل فطري لديهم للمادة؟ أم هو تأثير المدارس الإرسالية أو الجامعة الأمريكية، أم كان الأمر نتيجة لاستقطابها النخب العربية التي لاذت بها فرارا من سياسات بلدانها وأجهزتها الأمنية؟
يطول الحديث والبحث عن الأسباب، ولكن الاستغراق في ظاهرة بيروت قد يدفع المرء للاعتقاد بأن أهلها تمكنوا من إقامة مجتمع حضري رفيع ومثالي، فقط بمجرد التأمل للكم الهائل المنتج في الثقافة والعلوم ... هذا لم يحدث!
فأبشع المجازر حدثت بها، ولم نر في تاريخنا الحديث شعب يقتل بعضه بعضا بشراسة، بل وطائفة واحدة تتقاتل حتى الفناء دون رادع، لم نر شعبا يهدم ويدمر العمار الذي أشاده ويحول مدينة العلم والرأي والشعر إلى أنقاض مثل ما رأينا في بيروت. ثم نتعجب مرة أخرى، تنتهي الجولة فيتعانق الخصوم المتقاتلون ويجلسون يتفاوضون ويتقاسمون الغنائم ويعلنون أن لا غالب ولا مغلوب عجيب أمرك يا بيروت وعفانا الله من سلوكك وطائفياتك المفتعلة، وأكثر علينا من خيرات مطابعك.
لعل بيروت مثل طائر الفينيكس الأسطوري الذي يهوي محترقا ثم ينبعث من وسط الرماد ويحلق من جديد، خبت بيروت عدة مرات وعادت تشع مرات ومرات .. ولكن إلى متى؟ أليس لديها صوت آخر؟ أليس فيها رجل رشيد؟ ... أم غياب الرشد صار فرضا علينا لا مفر منه؟
أقول لبيروت أن تعيد النظر في تاريخها والقائمين على دفتها، والقول من قلب يحبها، هنالك شيء 'عفن' في دولتك يا بيروت، ابحثي عنه وتخلصي منه، لكي تظلي مشعة ولكي نستمتع برفقتك!

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة قورينا / بنغازي ، وصحيفة القدس العربي / لندن ، الخميس 14/05/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home