Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الجمعة 19 مارس 2010

استكان الإصلاح أم يتحفـّز؟*

رمضان جربوع

انطلاقة مشروع الإصلاح في ليبيا لأكثر من ثلاث سنوات تبدو هذه الأيام وكأنها في حالة كُمون واستكانة .. ترى ماذا حدث؟

في البدء

منذ البداية كان مشروع الإصلاح حدثا ذا وقع إيجابي استطاع استقطاب العديد من مثقفي البلاد وشبابها على وجه الخصوص لما كان يعد به من إعادة هيكلة شبه كاملة للدولة وأدائها وما دعا إليه من التوافق مع المعايير الدولية من حيث حقوق الإنسان وحرية الرأي والحق في الاختلاف والحث على التحقيق في كوارث الفساد الإداري والتجاوزات للقانون ومصلحة الوطن، ثم الانفتاح على العالم والتحول إلى اقتصاد السوق وطرح المشاريع الكبرى المصاحبة لذلك من البنية التحتية إلى مشاريع تستقبل المشاركة الأجنبية وما قد يحققه ذلك من فرص عمل لعلها تخفف من حدة البطالة التي يعاني منها الشباب بنسبة عالية جدا.

والآن

وبالفعل شاهدنا الإفراج عن المئات من المساجين السياسيين وظهر إعلام بلون وطعم جديد يفتح الشهية للمزيد، لأنه أخذ يتحدث بما كان ممنوعا، بما كان مجرد الإشارة إليه تقود - من فترة قريبة- إلى حيث لا ندري، ورفع شعار الشفافية بل وحتى أعلن الانفتاح على أبناء الوطن في الخارج واطمأن الكثير منهم وأخذ يتردد على مسقط رأسه. انطلقت كذلك المشاريع المعمارية وهرعت الشركات من كل حدب وصوب متأملة الفوز بعقود ومشاركات ..الخ.

بالطبع كان أفق المطروح واسعا كبيرا دفع العديد من الناس إلى عدم التصديق بأن المشروع حقيقي وسيتحقق، فنحن نعاني منذ أمد من قلة كفاءة وهزال الأداء الإداري، ومن الفساد المستشري، ومن نعرة القبلية الانتهازية وما تحمله من عنصرية مبنية على الإقصاء مدفوعة بالجشع والاحتكار وغطرسة البيروقراطية المنافقة المتخصصة في طمس الحقائق وخدمة مصالحها الخاصة وقلما يستفيد منها المواطن، وضرب دفــــوف الإعلام الرســــمي! طبعا يضاف إلى ذلك انهيار مستوى التعليم ومرافق الخدمات الصحية، حتى صارت الإصابة بمرض تعني الاستعداد للسفر للبلدان المجاورة طلبا للعلاج وما يصحب ذلك من اقتراض أو بيع ما توفر أو التوسل يوميا للحصول على إيفاد للعلاج بالخارج.

طموح زائد أم أستراتيجية؟

صحيح، مشروع بمثل هذه الضخامة، الذي هو وباختصار شديد، تلبية طموح المواطن للعيش في ظل دولة تستحق الاسم، يسودها العدل والشفافية والمحاسبة وسيادة القانون والتوزيع العادل للثروة وتكافؤ الفرص؛ لا بد وأن يتعرض إلى إعاقات يقوم بها بالدرجة الأولى المستفيدون من الوضع الحالي الذي لم يعد يلبي احتياجات وحقوق المواطن، وهؤلاء يصمّون الآذان عن مجرد فكرة الإصلاح لأنه ببساطة سيؤدي إلى فقدانهم المزايا سواء المالية أو السلطوية.

وهذا ما حدث، تعثرت مسيرة الإصلاح، أو هكذا نراها من حيث توقعاتنا وتباطأت مسيرتها بين كرّ وفرّ، تقلص الانفتاح الاقتصادي (عودة خجولة للتأميمات بمخرجات جديدة)، خفت إلى حد ما صوت إعلام المشروع (إعلام الغد) - ربما عن طريق تقليص الموارد أو صراعات الوسط- ولم يتزحزح أحد من شاغلي المناصب الكبرى في الدولة على الرغم من مرور عشرات السنين وهم حيث هم نراهم صباح مساء، ظلت أجهزة الدولة بتعددها تمارس عملها كالمعتاد، برداءة وقلة فاعلية، النخبة المتميزة التي استجابت لمشروع الإصلاح والتحقت بمشروع الإصلاح لم تستطع التكيف مع المتقوقعين، فاستقال البعض أو أعلن نيته بذلك أو ظل يراوح مكانه فليس لهؤلاء حس 'الفهلوة' السائد قبل مقدمهم .. والخشية أن يتعلمونه بدورهم.

الإصلاح مشروع الدولة

صحيح أن أول من أعلن عنه وطالب به كان سيف الإسلام القذافي، ولكن الجرأة والجسارة التي اتسم بها بل ونكاد نقول 'التهور" كانت مقلقة إلا أنه من المفروغ منه، ما كان له أن يجازف إن لم يكن ذلك بتوافق مع القيادة العليا - كما أعلن هو بنفسه- إذن فمشروع الإصلاح هو مشروع للدولة ولن يخفى على أحد الدوافع أو العوامل التي ساعدت على إطلاقه، فمنها التعرّف - أخيرا- على أن حال البلاد لا يسرّ من حيث الاقتصاد والكفاءة والتنمية بالنظر لما لها من موارد نفطية هائلة عند مقارنتها بغيرها من الدول ذات الوضع المشابه، كذلك التوصل إلى حلول للعديد من الأزمات مع دول الغرب- بعد المقاطعة والحصار- فتح الباب لإمكانيات التعايش والتعامل معه لفائدة الجميع، فنحن في حاجة لتقنياتهم استعمالا وتعلما وهم في حاجة لفرص الاستثمار لدينا في قطاع الطاقة والسياحة وغيرها.

عدم توافق؟

قد يبدو الطرح غير متناسق؛ فإن كان مشروع الإصلاح، مشروع دولة من جهة، وخفوت صوته وزخمه من جهة أخرى، فما الذي حدث؟ وكيف استكان الإصلاح؟

نكرر أن الحاجة الى الإصلاح أصبحت ملحة ومطلوبة فورا، والحديث عن الإصلاح جعل منه مطلبا مقبولا من كل محتاج وكل مطالب بحقوق ومتطلع لرفعة وطن، إن كان الحديث والخطب والوعود فعلت ذلك، فلماذا لا تستمر؟ ولماذا لا تتحدث هذه المرة عن المعيقات؟ وعن توقيت التفعيل والمراحل وعن الكيف ومتى؟ مزيد من الحوار لن يضر أحدا، الناس تنتظر من فترة طويلة وتستطيع المزيد من الانتظار ولكنها تريد الاطمئنان بأن 'المشروع' لم يتم وضعه في البرّاد! فعلى الأقل يا قوم: " بعض من المسكنات الإصلاحية إلى حين الحسم!'

من طول انتظارنا، سابقا، مازلنا على يقين أو شبه يقين، بأن الإصلاح لا يزال قيد الاعتبار بل وقادم لا محالة، وقد نعتقد بأن مسائل التوقيت والمراحل لم تحسم بعد، وفي الانتظار ألا يمكن أن يسمعنا أحد شيئا يخالف ما يعتقده البعض؟ .. بأن المسألة كلها تسكين في تسكين! أي بأن الحكاية كلها مقلب؟ ألا يمكن لنا أن نشاهد بعض استمارات إقرارات الشفافية؟ ألا يطلعنوننا عن ملفات الفساد وما يجري عمله؟ هل يعتقد أحد أن الفساد سيكف بمجرد الحديث عن مكافحته؟ وهل كان من الضروري أن يتزامن التحديث مع 'التقليص' في الكادر الإداري؟ وهل الانفتاح الاقتصادي لابد له أن يزيد من أعباء تكلفة المعيشة بفرض ضرائب استهلاك حتى على الغذاء؟ أو لم تنقض دواع تخفيض سعر صرف الدينار؟ لماذا إذن لا يرجع لقيمته القديمة؟ ألن يفلح ذلك في تخفيف الوطأة على المواطن الذي لم يعد يستطيع فكاكا من استيراد طعامه ودواءه؟

أم يا ترى، هل هم المعيقون لكل مناد بإصلاح من يضع العراقيل؟ هل هم ذوي مراس صعب؟ ألا تقدر الدولة عليهم؟ هل هم من صنف الجبابرة الطواغيت؟

التساؤل

التساؤل المتكرر هو من باب الحرص على الوطن وصلاح حاله وحال ساكنيه، كبار السن منهم لم يعد لهم ما ينتظرون سوى ساعة الرحيل بسلام، ولكن غالبية سكان هذا الوطن من الشباب تحت سن الثلاثين، سيسرون قطعا لو سمعوا من يقول لهم بأن الإصلاح لم يستكن ولكنه يتحفز! بأنه يستعد للانقضاض على المعيقين ويباشر مهمته ... على الأقل وعد أخر .. ضمن وعود!

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة  "اويا" ـ طرابلس ، وصحيفة "القدس العربي" ـ لندن ،  الخميس  18/3/2010


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home