Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الأحد 18 يناير 2009

المصالحات القبلية ترسيخ للتخلف وقتل للقانون!(*)

رمضان جربوع

بداية، نتمنى على من يشعر بالاستفزاز أن يواصل القراءة، فموضوعنا اليوم جد خطير، وقد عزف أغلب كتاب الرأي عن الولوج إليه، ونحن هنا لا نتجرأ على أحد، ولكن ما نكتبه ليس سوى مشاهدة الواقع. ومن المشاهدة إملاء بدافع الواجب نحو الوطن الليبي، ومن بعده أوطان العرب التي تعاني مما نعاني.

عن الغرض "النبيل"!

ليبيا، لا تزال مجتمعا قبليا في معظمها. وهذا المجتمع في بعض نواحيه لم يلج القرن الواحد والعشرين بعد، بل يخيل لنا أحيانا أنه لا يزال قابعا في عصر "داحس والغبراء والبسوس وكليب" وغير ذلك كثير، لا يزال يحتفى في مجتمعنا بممارسة مجلس المصالحة القبلية، الغرض منها شريف نبيل، ألا وهو إزالة عوامل العداء بين العائلات والعشائر، نتيجة اعتداء فرد على آخر أو آخرين، وتكون المحصلة إما تنازل عن الحق المدني، بدفع العوض أو من دونه، والمسامحة كأن شيئا لم يكن. وفي الحد الأقصى، يحسب الاعتداء، مهما كانت جسامته، كرصيد لقبيلة المعتدى عليه، مقابل أن تقوم القبيلة المقابلة بالمثل عندما يعتدي على أحد أفرادها من قبيلة المعتدى عليه أو عليهم، بما يعني كرقم يضاف في حساب القبيلة "الجنائي" .. .. هذا، عن الغرض، ولكن؛

ماذا عن المؤدّى؟

عادة، هذا ينتج عنه "سند إفراج" يخرج بموجبه، في غالب الأحوال، المعتدي من سجنه وتحفظ القضية، في معظم الأحوال، وينتهي الموضوع كما نقول على قصاع "رزّ ولحم"، ويشدد "مشايخ" القبيلتين على روح الإخاء والوئام بينهما، في حضور أشهاد من قبائل أخرى، وهكذا وبكل بساطة: يٌـقتل القانون، الذي كان يفترض أن يسوس علاقات أفراد المجتمع، ويرسّخ المساواة أمامه، ويحمي حق المجتمع في العيش في ظله هو، فقط، وليس في ظل مزاجية "أكلة" الرزّ واللحم، لكي يسود الاستقرار ويشعر المواطن بالأمن والأمان، وبأن حقه لن يهضم، بل يصبح هو حق المجتمع ككل.

صحيح، يٌكتفى دائما بالإشارة إلى أن "التنازل" هو عن الحق المدني، ولكن هنا بالضبط مكمن الطامة الكبرى، خصوصا عندما يوالي المناط بهم متابعة الحق العام، التوجه المعلن في المستند، فيفرجون عن المتهم ويحفظون القضية، أو يجعلونها "تتجرجر" في أروقة وأرشيفات المحاكم، إن حصلت، ويضيع حق "المجتمع" في ردع المعتدين، ويعود هؤلاء وأمثالهم لارتكاب الفواحش، فالقانون قـُتل، وحل محله قانون "الرزّ واللحم" ... بل بلغت المأساة حدا أبلغ من ذلك، لقد صار الجيل الجديد، صبية هذا الزمن، يحملون أمواس "بوخوصة"، ويهدد بعضهم البعض عند الشجار بطعنه أو حتى قتله، قائلا ما يفيد "نختموها على رزّ ولحم". يعطينا هذا مؤشرا لما نحن سائرين إليه إن استمر الحال. وباختصار تولّد العصبية "الجهوية" نتاج تلك القبلية وزعزعة الوحدة الوطنية وحق المواطنة المتكافئة للجميع.

وأخطر من ذلك!

أحيانا، كما فيما سنورده كمثال، يكون "المعتدي" منتميا لجهة حكومية أو أمنية، ويكون الاعتداء فجاً غاشما وبما لا يحتمل إخفاء أو تزييفاً، فماذا تفعل هذه الجهات التي هي، افتراضا، درع المجتمع وحصنه الحصين؟

تلجأ هي الأخرى لاستغلال واقع قائم، وتغمس في الطبيخ الجاهز، فتجند وتحشد المراسيل وتنفذ، بطريق مباشر أو غير مباشر، قانون مصالحة "الرزّ واللحم" مع عرض المبالغ اللازمة للديّة، الطائلة أحيانا، على المعتدى عليهم لكي تنخفض حدة الواقعة، ويخرج "معتديهم" من السجن وتنتهي القضية أو تحفظ.

الخطورة هنا أن هذه الممارسة، عادة غير المباشرة، من قبل من هم، افتراضا، حراس المجتمع المناط بهم فرض سيادة القانون، في اعتقادنا ليست سوى تجاوز لمبدأ حق الإنسان في العدل، وانتهاك للقانون، وإساءة لاستخدام السلطة، بحكم قدرتهم النابعة من مراكزهم، على حشد اللازم "لكلفتة" – بمعني لملمته- الأمر، بل وأحيانا ممارسة الضغوط على أسر الضحايا، لكي تتنازل عن الحق المدني، وتحرر لهم سند الإفراج، الذي هو هنا بمثابة صك "غفران" ... سند الغفران هذا، لا يجب أن تقبل به المحاكم وتضمه إلى ملف القضية، فهو جد مهين ومبتذل!

الواقعة التي حدثت عندنا في مدينة بنغازي، وكما نشرتها صحيفة قورينا، تتعلق بأحد ضباط الأمن برتبة عقيد، اقتحم ليلا مزرعة فيها أفراد عائلة أصحابها وبعض أصدقائهم، وكما قيل: في حالة سكر، واعتدى عليهم بالضرب وإطلاق الرصاص عشوائيا، ونتج عن ذلك إصابات ومقتل كلب الحراسة. أجهزة الشرطة أولت الأمر حقه، وتم القبض على المعتدي، واقتيد للسجن، وشرعت النيابة في إجراءاتها لتقديمه للمحاكمة، إلا أنه، وكما هي العادة، قيل إن "ضغوطا" مورست على عائلات الضحايا للقبول بمبدأ مصالحة "الرز واللحم"، في سبيل التنازل عن الحق المدني ومن ثم، سند الإفراج، وبعد ذلك لا نعلم ماذا سيحدث؟

قيل أيضا إن المتهم، أثناء وجوده في مقر النيابة، حضر ضباط آخرون من صحبه و"اختطفوه" بقوة السلاح، ولكن هذه المرة تدخلت الدولة، وفرضت سلطة القانون، وأعيد المتهم للسجن.

قد يخطر لبعضنا التساؤل عن سبب قبول المعتدى عليهم بمبدأ المصالحة. قد يقول البعض أنهم خافوا من سوء المآل، بل قد يقولون بأنه لا حامي لهم، وهم مضطرون، وربما لخشيتهم من الاعتداء عليهم مجددا، ،هذه المرة بسبب رفض التصالح، كل هذا لم يعد مهما، نأمل أن تأخذ العدالة مجراها ويتبين الحق من الباطل، ولكن .. هناك ما هو أخطر من ذلك،

أخطر الأخطار!

ثقافة العصبية القبلية التي أصبحت سائدة لدينا، وهي في كل أنحاء ليبيا وعلى وجه التخصيص المنطقة الشرقية، حتى في أوساط المتعلمين والمهنيين، لم تؤدّ فقط إلى إهدار حقوق المجتمع، بل لقد عطلت مسيرته نحو التنمية والتقدم ومحاولاته للخروج من التخلف الذي ازدننا فيه انغراسا. فعندما يرى المواطن العادي، الذي لا حول له ولا قوة، كيف تسير الأمور، يجد لنفسه العذر في ممارسة الثقافة إياها هو الآخر، ويظهر من ينادي بتغليب مصلحة القبيلة على مصلحة الوطن، ونشاهد ذلك في حشود التصعيدات في المؤتمرات الشعبية الأساسية، أو برلماناتنا المصغرة، وتكون الحجة، هي ضمان "حقوق القبيلة"، وإبعاد "الأغراب" عن المناصب قيد الترشيح لمن يتولاها، فماذا يحدث؟ ... يحدث أن الذي يصعّد بإرادة شعبية "مقتنصة" مختطفة، والنتيجة أن إداراتنا في جميع نواحي الحكومة أو مؤسساتها تزدحم بعديمي الكفاءة وقليلي الخبرة، لا ولاء لهم لوطنهم، ولكن لجيوبهم أولا، ثم بني عمومتهم "المقربين" ثانيا، وتضيع الدولة ويضيع المال العام ويضيع الوقت الذي لا يعوض وتتعطل المسيرة.

نشير أيضا إلى أن الدولة، في فترة ما، كانت تعتبر القبيلة بمثابة (مظلة اجتماعية) للمواطن. وهذا صحيح، خصوصا في عصر عدم بنيان الدولة، وامتداد حكمها وسيادتها وثروتها إلى جميع المناطق، إلا أن هذه المقولة انتهكت هي الأخرى من قبل الثوريين (من النوع الانتهازي) واستغلت لتحقيق مآرب ما أتى الله بها من سلطان، ووالاهم كل ضعيف نفس ضعيف القيم والأخلاق.

ما يؤلم هو التحاق المتعلمين أو المهنيين، الذين أنفق عليهم المجتمع لكي يجعل منهم كوادر لدولة متقدمة، بهذه الثقافة، وانهارت الإدارة عندنا، وصارت أسوأ مما كانت، تُهدر الأموال، وتُعطل المشاريع، وتُحولها إلى نقاط ترزّق وتربّح للقائمين عليها، فما من حسيب أو رقيب، ومن أين يأتي الحسيب و الرقيب؟ سيكون آتيا من دفق نفس الثقافة المقيتة.

والنتيجة؟

ها نحن وكأننا رجعنا لعصر الجاهلية، وشرعنة الغزو والنهب والسلب، بمخرجات فاسدة أصلا، وأول الضحايا ليس المواطن العادي فقط، بل "مؤسسة" القبيلة ذاتها، ذلك النظام السياسي الاجتماعي الذي نشأ في الدواخل، لأن الدولة لم تكن موجودة، فاضطر الناس لابتداع نوع من "المأسسة" السياسية لسوس أمورهم، ولم تكن شرًا كلها، بل فيها المؤازرة والتكافل والضمان والأمن للمنتمين إليها وفيها التعاضد والتآخي مع القبائل الأخرى، عندما لا تكون في حرب مع بعضها البعض. تعارفت القبائل وتصاهرت، ولكن في هذه الأيام، أيام العصبية القبلية المقيتة، تم انتهاك الجزء الأهم من الملزمة "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" تم نسيانها وغدر بها ... وتناسوا "العليم الخبير" الذي يعلم بكل شيء ويحاسب عليه ولديه خبر كل شيء ..

الله سبحانه وتعالى قال "وخلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" ولم يقل: لتتعصبوا وينهش بعضكم لحم بعض! أو لتسطوا على "بيت المال" .. المال العام لكل المواطنين ... أو لكي تتسلطوا على رقاب العباد مستغلين هذه القبلية التي اصطنعتموها!

العصبية القبلية اليوم بالنسبة لنا، في رأينا، مقيتة ومعيقة للتقدم وصلاح الحال، القبيلة اليوم لا تمت بصلة لتلك "المؤسسات" القبلية أيام الغزو الإيطالي، عندما هبت بقضّها وقضيضها للذود عن حياض الوطن، وقدمت الشهداء آلافا تلو آلاف. اليوم تم استغلال هذا المفهوم "الانتمائي" وليد الحاجة وقسوة البيئة، وأصبح يستخدم بتوسع في ثقافة "الرزّ واللحم" وسخّره البعض لتحقيق مآرب سواء شخصية أو لمصلحة جهة ما من الجهات.

من يريد أن يعيش بهذه الثقافة والعقلية البائسة، التي لا ينجم عنها غير التخلف وترسيخه، عليه أن يجمع بعض صحبه وليشتروا بيوت شَعر وبضع ماعز، وليرحلوا ويضربوا مضاربهم في بقع مناسبة بعيدة عن جمهرة الناس التي تحب الوطن أولا، فليذهبوا إلى "حيث شاؤوا، بلادنا واسعة فيها متسع لهم في البيداء!

كيف العمل؟

الأمر ليس هيّناً، فهو يتطلب جهداً من الدولة، يبدأ بتخليها عن القبول بهذه الثقافة، وتوعية الناس لأضرارها الجسام، وتدريس مبادئ حب الوطن أولا، منذ سنوات رياض الأطفال وفي المدارس الأساسية والثانوية والمعاهد والجامعات، مترافقة مع مبادئ التربية الوطنية وحب الوطن واعتباره هو القبيلة الوحيدة التي يجب الولاء لها. وعلي الدولة أن تعيد تدريب كوادرها الأمنية محاولة إزالة عقلية التعصب القبلي، وسن القوانين والتشريعات التي تقضي بعقوبة كل من يتجاوز ويخطئ في حق الوطن، استنادا على ولاء أكل عليه الدهر وشرب ولم يعد فيه ما يلبي حاجة.

نذكّر الدولة، وأهلنا، أن أحد أسباب انفلات زمام الأمن، والمقصود هنا أمن المواطنين وليس أمن الدولة، هي هذه الثقافة، فهنالك من بعض رجال القضاء والنيابة والشرطة والإدارات العامة والمؤسسات من لا يزال مترسخا فيها، زاعما أنه يخدم "بني عمومته" وهو لا يخدم إلا نفسه في واقع الحال!

يجب على أي ضحية لاعتداء أن لا يرضخ لمبدأ المصالحة، وتحرير "صكوك الغفران". وإذا لم يكن ثمة بد، واضطر على مضض للقبول بإجراء تصالح لدرء الضغائن ودفنها، فليكن ذلك بعد صدور الأحكام القضائية، والشروع في تنفيذها، وفقط ما بين أقرب الأقربين للمعتدي وللضحية، ولا يجوز إطلاقا إقحام القبيلة، نحن لا نعلم بأن قبيلة ما طلبت من أحد أفرادها الذهاب والاعتداء على الغير. إن الأولى بالقبيلة أن تتبرأ منه، لا أن تدافع عنه وتطلب عقد "المسارات" لجلسة رزّ ولحم!

التطهير التطهير!

يجب تطهير أجهزة الأمن، بفعل كونها الملجأ الأول للمواطن، من كل متكلف بقبيلة متعصب لها، ويجب تخفيف حدة تركيز قوات الأمن في مواقع أمن الدولة، وملاحقة كل ما يشار إليه بعدم الرضا، يجب تكريس جلّ الجهود على الأمن العام للمواطن، فأمن المواطن هو أمن الدولة، وكما قلنا الأمن فالت، السرقات والسطو المسلح منتشر، واستعمال الأسلحة البيضاء وصل إلى درجة مخيفة، وللتدليل على ذلك نشير إلى أنه لو قام عدد كاف من رجال الأمن، آلاف، فيما نحسب لازما، بحملة مفاجئة على شوارع مدينة مثل بنغازي ، فقط لتفتيش السيارات، لجمعت أطنانٌ من الخناجر والسيوف والسكاكين والنبابيت وأمواس بوخوصة ..

الإنسان الفرد، المواطن العادي، يستطيع أن يدلي بدلوه بفعل من ذاته، عليه رفض ذلك ومتابعة الأمر حتى النهاية، دون الرضوخ لهذه الثقافة، ويجب على الدولة أن تحميه، والفرصة مواتية، لقد صار لدينا تفكير بإصلاح، أصبحنا نرى بعض ثماره في حرية إبداء الرأي، ولولاه ما كنا نتجرأ على كتابة ما نكتب، وهذا نعترف به حقا، وإن كنا لا زلنا نطلب المزيد المزيد، والمزيد يأتي من إصرار المواطن على المطالبة بحقوقه كاملة غير منقوصة ومن بينها: حقه في الأمن والأمان وفي قضاء عادل وإجراءات سليمة لا تشوبها شائبة العصبية القبلية المقيتة .

وأخيرا، يا ليت يا ليت، تخرج لدينا جمعيات أهلية لمحاربة العصبية المقيتة، وأخرى تدعو لحب الوطن والولاء له فقط!

ramadanjarbou@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة القدس العربي / لندن وصحيفة قورينا / بنغازي ، 15/1/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home