Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

السبت 17 يوليو 2010

استخبارات العربان، ترِكة استعمار

رمضان جربوع

أجهزة الأمن العربية تستوجب إعادة النظر في المفهوم ولا مناص من تفكيكيها وإعادة تركيبها.

لقد حان الوقت وصارت الحاجة ملحة لإعادة النظر في مفهوم أجهزة الأمن خصوصا إذا كان هنالك إدراك ونية بإصلاح، الإصلاح المطلوب لن يتأتّي وهذا الكيان الهائل الحجم؛ قائم في بلدان العرب .

عن الجذور من عهد الاستعمار

في معظم الدول العربية، أجهزة الأمن بمختلف مسمياتها من مخابرات إلى مباحث أمن دولة إلى المكتب الثاني وغير ذلك، اصطنعت في الأساس من قبل المحتل أو المستعمر، وبالذات البريطاني والفرنسي، وحتى التي لم تتعرض لاحتلال أو استعمار حذت حذو أخواتها بفضل أريحية ضباط ومستشاري الجيران العرب.

 لقد صيغ مفهومها (أي مفهوم المخابرات في عهد الاستعمار) وضوابط اختيار عمالها وعقيدتها لحماية مصالح المحتل والمستعمر ولضمان البقاء، ولم تكن وفقا لضوابط أجهزة الأمن في بلدان الغرب الذي كان يستعمرنا؛ من حيث تحديد الصلاحيات وحقوق الإنسان وحق المواطن في أمن نفسه وماله وعرضه، وحماية البلاد مما قد يعتريها من شرور المغير أو السالب والناهب، ناهيك عن المحاسبة والمراقبة. بالطبع ألبست ثوب دعوى ضمان الاستقرار والأمن في هذه البلدان. وبالطبع أيضا بالنسبة لهذا المحتل أو المستعمر، الخطر الرئيس يكمن في أي معارضة لتواجده في هذا البلد فقد يؤدي ذلك إلى الجلاء وفقدان الموقع والموارد.

بعد الاستقلال أو تغيير النظام أو السلطان، اعتمد نفس المفهوم وأسلوب العمل وفي معظم الأحوال نفس "الشخوص" وعوضا أن يكون التركيز على استباق المخاطر التقليدية والطارئة والتهديدات الحالّة والآتية أوالتي قد تأتي، صار الديدن البحث كل من قد يشكل قلقا أو وجع رأس للنظام القائم. بل وحتى من قال ماذا لمن، ومن شرب القهوة مع من، وهل كانت سادة أم وسط!

لن نغوص في تحليل هذا النظام أو ذاك، ولكن أن يختزل السلاطين وأولي الأمر البلد، الذي صار وطنا، في ذواتهم ومن دار في دائرتهم، فيصبح هو الدولة، وبالتالي أمن الدولة هو أمنهم بالدرجة الأولى فهذا يدفعنا إلى العجز عن رؤية فارقا كبيرا بين "أمن الدولة" المستقلة وأمن من كان يحتلها.

العدو بالنسبة للمحتل المستعمر هو المواطن الذي يسعى للاستقلال والعيش الكريم، وصار ذات المواطن بموجب "التفعيلة" هو العدو خصوصا عندما يكون له رأي قد يناقض أو يحتج. لقد صار السيد "المواطن" عدوا لهذه الأجهزة على نمط سابقاتها، فهو مصدر خطر وعرضة للانتهاك

كان بالأولى إطلاق العنان لمن يريد التعبير أو المطالبة أو الإدلاء بدلو يستهدف تحسين الأحوال، وكان من الأجدر أن يتاح له تكوين مؤسساته المدنية وتكوين ما يراه من تجمعات وتتاح له الصحافة والإعلام الحر.

الذي حدث أن السيد المواطن صار تحت الرقابة والمتابعة والملاحقة ثم التصنيف والإدراج في "خانات" تثير الرعب والفزع والرهاب. وإن ساء حظه ووقع في "الضيافة" فسيتعرض لنفس نهج التعذيب وسوء المعاملة والإهانة والاحتقار واستلاب الحقوق بل وحتى "الآدمية" وهتك العرض والكسر – الأنوف والعظام أحيانا معا -

لاعجب إذن!

 أن تصبح كلمة "جماعة" الأمن صنو للرعب والخوف والهلع. فهل ستكون للدولة التي صارت حرة مستقلة؛ مصداقية؟ هل سيتفاعل معها الشعب وينضبط بقوانينها التي يتفترض أنها من صياغته؟ بالطبع لا ... ستصير "الدولة" في واد، ومواطنيها في آخر.... ولن نتحضّر أبدا وسنغرق في التخلف أكثر فأكثر.

في مسار الإصلاح في بلدان العرب، والذي لا مفر منه ولا دفع،  بفعل العولمة وثورة المعلومات وتقنيات الاتصال الجديدة،  يجب إعادة النظر في كافة مؤسسات الدولة والإدارة، من حيث المفهوم أو فلسفة التشكيل، المهام المحددة، الأداء،  وكذلك دراسة الجدوى من حيث الأموال المنفقة والمنافع المكتسبة أو الخسائر، والخسائر ليست مادية فقط بل وأيضا فيما يتعلق بإهدار أعداد غفيرة من العناصر البشرية وما قد ينتج عن "التكدس الأمني" من تجاوزات ودخول قيم جديدة بعيدة عن أخلاق أسلافنا، ومن ثم طرح السؤال من حين لآخر، هل نحن في حاجة لذلك؟ وإن كان ثمة حاجة فهل نحن نطبق الحلول الأمثل أم أن كل ما يتعلق بالأمن وأجهزته صار "مخلوقا" بذاته مستقلا بزخمه مدعيا بأهمية قصوى مطلقة تستدعي الأولية في كل مجال بل ويدس أنفه في كل مشارب الدولة... بل صار في بعض بلدان العرب، هو الدولة بامتياز!

المستعمر السابق كان يجند نوعيات خاصة من البشر ممن تتوفر لديهم صفات معينة، أقلها عدم الاستنكاف من ممارسة العنف على بني وطنه في سبيل خدمة الذي جنده أو للترقي في المنصب والتحصل على ميزات أخرى لعل من بينها ممارسة السلطة ووجاهتها على عباد الله.

الصورة النمطية المتولدة عن الأجهزة الأمنية العربية بائسة في أذهان الناس عموما وكذلك عن رجالها من حيث الجلافة والقسوة، تماما مثل تلك التي كونها المواطن عندما كان مستعمرا.

مفهوم الأمن وبعض البديهيات والوجوبيات:

الأمن يجب يكون أولا معنيا بأمن الوطن وساكنيه

أمن النظام، أو الحكومة أو السلطان يتوفر ويسود دون الحاجة لأجهزة هائلة عندما تكون الحقوق مصانة وحرية التعبير متاحة والقدرة على التغيير السلمي متوفرة، بما في ذلك القوانين والقرارات، وعندما تكون المساءلة وطلب الحساب لا غبار عليها ولاتثير الريب والتشكيك.

أمن الدولة، يجب أن يفصل بالكامل عن "المباحث" المختصة بمكافحة الجريمة وملاحقة الجناة. فهذا شأن وذلك آخر. فقد يكون للأخيرة العمل الميداني ولكن رجال أمن الدولة لا يحق لهم إلقاء القبض على العباد وكيل الاتهامات لهم وإطعامهم صنوف العذاب، لا يحق لهم المساس بالمواطن إلا بموجب أمر يصدره القضاء بعد إبراز المبررات ذات المصداقية

أمن الدولة لم يعد في حاجة إلى جيوش جرارة، بحكم عددها وكثرة قادتها وتنوع تشكيلاتها وفروعها الأخطبوطية، في سبيل الاستخبار وتجميع المعلومات فهذه صارت متاحة متوفرة وبالمجان، ولا تتطلب سوى التجميع والتحليل واستخلاص ما يجب أخذه في الحسبان، والتي تعسر هنالك تقنيات أخرى لا تتطلب سوى نخبة عالية التأهيل قليلة العدد.

أجهزة الأمن العربية يجب أن تبتعد عن التشكيل العسكري، يجب أن يكون أفردها مدنيون مؤهلون بمستوى عال  من حيث الحرفية مع تدريب وتلقين لحقوق الإنسان والمواطن. القصد من الصفة المدنية أن لا يصبح "عسكريا" يطيع الأوامر فحسب، حتى لو كانت ضد مصلحة الوطن والمواطن.

قد تصير هذه الأجهزة أكثر جدوى لو تقلصت إلى عشرة بالمائة من حجمها الحالي، على أن يتم اختيار أفضل عشر فيها،  ويتم تطعيمها باستمرار من الكوادر الناشئة جيدة الإعداد والتدريب، وأي مدير إدارة أو قسم بها، بل حتى رئيسها العام، يجب أن لا يظل في موقعه أكثر من أربع سنوات، فالتاريخ يخبرنا بأن من يستديم في منصة الأمن – الآمرة-  يتنهي به الأمر بإن يعتقد بأنه صار شريكا في السلطة ومن جراء ذلك يتضرر الوطن كنتيجة حتمية.

نذكركم بالكوارث التي تسبب فيها "رؤساء أمن" عبر التاريخ، إدغار هوفر رئيس الإف بي آي الأمريكية لقرابة الثلاثين سنة، صلاح نصر في مصر، بيريبا في عهد ستالين الاتحاد السوفييتي. بل لنا شواهد حتى في تاريخ الصين القديم وبلاد الإغريق والرومان.

مخابرات العرب، في محصلة "نضالها" عبر ما يزيد عن نصف القرن، لم تجدي ولم تثمر، بل ولقد تسببت في كثير المآسي والكوارث للدولة وأولي أمرها ومواطنيها بفعل القصور والانتهاك والتجاوز وكبر الحجم والادعاء بأهمية لم يعد يكترث لها لا عدو ولا صديق!

كوادر الأمن – القومي- هذه الأيام يجب تكون ملمة بالتاريخ والجغرافيا والتكنولوجيا وعلمي الاجتماع وعلم النفس والفيزياء والكيمياء والفلسلفة والعلوم السياسية والاقتصادية واللغات الحية على تنوعها.

الشرط الأساس في رجل الأمن بمعايير اليوم، هو أن يمتلك القدرة المختبرة على التفكير، وإعماله واستخدامه ويجب ان يكون ذو خلق حسن، ولباقة ولياقة وحسن حديث ومظهر، يعرف الابتسام ويفهم الناس وما يحيق بهم... أما "الجوسسة" فهنالك السفارات ومراكز الدراسات

الأمن القومي لم يعد مختصا بأعمال "الجوسسة" أو البصاصة، بل يجب أن يكون شاغله حال الوطن والتحذير والإنذار عندما يسقم حال المواطن فيه بفعل غمط الحقوق والفقر والفساد. عليه أن يدرك متى تكون ظاهرة أو حادثة أو سلوك أو تصرف منذرا بشر وشيك ومستطير، فيعلم أولي الأمر، ليس هو الذي يصلح بل عليه التقرير بما خلص إليها فكره بناء على التحليل التدقيق.

أمن المواطن والوطن والاستقرار، تتكفل به بكل بساطة "الشرطة" أو كما كان يعرف سابقا بالعساسة، ونصفها يجب أن يكون مدنيا بدواعي الحاجة إلى المؤهلين عاليا في جميع العلوم ذات العلاق بالجريمة ومكافحتها وسبل التحقيق والاستقراء والاستدلال، هي الأخرى، أي الشرطة، يجب أن ترتقي إلى المستوى المطلوب .. ولهذا حديث آخر.

أما عن التهديدات الخارجية من غزو أو حرب، فهذا شأن جهاز آخر، هو الاستخبارات العسكرية، وهي الأخرى تحتاج لحديث ...

هنالك خطر خارجي وداخلي لم تهتم به إطلاقا أجهزة الأمن، ألا وهو سرطان الفساد، فعلى الرغم من كل الإمكانيات الضخمة المتاحة لها، لا يزال هذه السرطان ينخر في أوطاننا، يهدر الثروات ويضيق الخناق ويقتل الإبداع والاجتهاد والمبادرة، وهو أكبر خطر نواجهه في كل بلدان العرب، وإن سألت سيدي المواطن ما فعلت أجهزة الأمن العربية في سبيل مكافحة الفساد، فسنقول لك "صفرا" كبيرا .... ربما لا يرون بإن الفساد يشكل خطرا على الأمن القومي ... وإذا كان ذلك صحيحا، فسيعطيك يا سيدي المواطن هذا؛ الإجابة على ما وصلت إليه "ملكات إعمال الفكر" في أجهزتنا العتيدة.

يجب أن يعلم أولي الأمر بأن هنالك علاقة تناغمية بين المجتمع وإدارة دفته، إن حسنت الإدارة حسن المجتمع وإن ساءت سقم الوطن وفشلت الدولة بالتبعية

خرافة  "التأمين" والتواجد الأمني في كل مكان وحيز، مفهوم أقل ما قد يقال فيه أحمق! لقد أضرت بنا أجهزة الأمن، عطلت التنمية وانتشر الفساد وحان الوقت للمراجعة، اللهم إلا إذا كنا محكومين؛ نحن وأولي الأمر من قبل "الأمن"...

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

__________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة "أويا" ـ طرابلس، وصحيفة "القدس العربي" ـ لندن ، الخميس 2010/7/15

     


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home