Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الأربعاء 17 يونيو 2009

إنهم لمتخلفون(*)

رمضان جربوع

توصيف التخلف
التخلف في أبسط مفاهيمه هو حالة الركود في الموضع، والركون لما تجري عليه الأمور، دون مشاركة في حراك نحو الإسهام فيها. هو حالة استجابة سلبية لفعل "الغير" المتفاعل، والرضا بما تحقق، والاكتفاء بالاستقبال؛ فهو نكوص عن أي فعل إرسال ومشاركة، الأمة التي تعزف عن تناول الجديد والتفاعل معه هي مشروع أمة متخلفة، وليس بالضرورة اعتناق كل ما يستجد، ماديا كان أم معنويا، ولكن الإحاطة به، والتفاعل معه، ومحاولة تدبر تأثيراته، والعمل على الاستفادة من إيجابيته، وتجنب سلبياته، ولكن الرسوخ في ثقافة الرفض المبدئي لكل مستجد، ليس إلا موقفاً ينبئ عن التشبت بالحال كما هو، على الرغم من أن التاريخ يخبرنا بأن المستجد يصبح مألوفا بعد حين، شاء البعض أم أبوا.

التخلف حالة مرضية، تنذر بتراجع وتدهور، وهي عكس التقدم والسعي إليه تماما. يقول لنا التاريخ بكل جلاء إن أي أمة مهما كان ما توصلت إليه من وسائل القوة والرخاء، إن لم تواكب حالة التقدم المضطرد، يصيبها الوهن والترهل، ومن ثم الانحطاط. التخلف حالة عقلية تصيب الأفراد، وإن كانوا هم من يتولى زمام الأمور في مجتمع ما، فسيجرّون معهم مجتمعهم إلى هاوية التخلف، حدث هذا وما زال يحدث.

العالم في حراك مستمر:
البشرية، منذ بدء الخليقة، تتعرض لحالة حراك مستمر، حراك نحو التقدم والتحسين والتوفير، ونحو مزيد من القوة والرفاهية وإشباع الحاجات، ونحو الابتكار والاختراع والعلاج، هذا الحراك ليس ساكنا ولا محدودا بأجل زمني، إنه مستمر، فهو بصيغة المضارع المستمر اللامتناهي.
إذا كان بعض الأفراد – أو المجتمعات- تملكت غريزة التقدم والسعي نحوه، فقد تصل إلى مستوى راقٍ مريح، ولكنها، إن سكنت عن المتابعة، فستفقد ما اكتسبت، التقدم في هذه الحالة كما القافلة تسير حثيثا، ومن يخرج عن سيرها، فقد تخلّف عن الركب. الركب هنا هو التقدم المستمر المضطرد، إما نحو الأفضل، وإما في سبيل الحفاظ على المستوى، بدرء الأخطار المحتملة، وتصحيح الأخطاء. الأمة المتخلفة، وهنا، كما يشير تصريف الصفة؛ كانت متقدمة، ثم سكنت، فتخلفت.

توصيف التقدم وشروطه
التقدم، بالدرجة الأولى هو تملك عزيمة الطموح نحو الأفضل، حتى لو كان الحاضر جيدا، هو المبادرة والمثابرة على العمل والبحث والتقصي وإعمال الفكر بصورة دائمة. ينطبق هذا على تاريخ الأمم وتاريخ المؤسسات التجارية والصناعية الكبرى في العالم، بل والأفراد أيضا. والتقدم يطلب شروطا، منها:

• الوعي بالتاريخ بعمومه، أو ما يخص النشاط الممارس، سواء في قطاع الأعمال أو الصناعة أو المال إو إدارة المؤسسات العامة، ومنها بالطبع مؤسسة الدولة ككل. التاريخ صار متاحا لمن يريد، بفعل وسائل "تقدم" أمم أخرى "لم تتخلف"، والإلمام به يفيد بدروس تستفاد، ودروس يبتعد عنها.
• القدرة على نقد الذات، سواء من قبل المؤسسة/ الدولة أو الفرد، ومن يتحرج من الأفراد عن فعل ذلك علنا، يستطيع القيام به منفردا، ولو أمام مرآة. الأمة أو الفرد، إذا ترسخ اليقين بالصواب عندهم، فقد اغتروا، والغرور والغطرسة إشارة الانطلاق لانهيار الفرد والأمة.
• الوعي وعدم التغافل عمّا يحدث ويطرأ في العالم، فمهما بدا أن الأمر غير ذي علاقة، إلا أن العلم به قد يفيد، عندما يصبح هذا الأمر مؤديا لأمور أخرى، قد تكون ذات أثر. بمعني آخر يتطلب التقدم استشراف المستقبل، وما سيكون فيه من معطيات ومتغيرات لم تحدث بعد. والاستشراف ليس بضرب ودع أو تنجيم، الدلالات متاحة أمام الجميع. كل ما يلزم هو إعمال الفكر المنهجي والتحليل متعدد الرؤى.
• مهما كانت حالة الفرد أو المجتمع أو الدولة جيدة، فدائما هناك وسائل تحسين وإمكانية سعي نحو الأفضل. وما هو جيد يمكن أن يصبح أجود. والمكابدة والمعاناة نحو ذلك قد تمنع التدهور لعوامل مستجدة لم تكن بينة من قبل.
• الوعي بأن العالم يتغير ويتحرك ويستجد بوتيرة أسرع مما كانت، في بعض الأحقاب الماضية كانت وتيرة التغير بطيئة، وتستغرق مئات وأحيانا آلاف السنين، ولكننا اليوم نرى التغير والجديد والحديث والأحدث كل يوم تقريبا، وما لم ندرك حتمية التغير (الآتي) من الخارج بفعل التقدم عالي الوتيرة فلن نستطيع؛ لا اللحاق بالركب، ولا الحفاظ على ما لدينا.
• التقدم والتفاعل مع المستجد لا يمس فقط الإنجازات المادية والابتكارات والتقنيات الحديثة، إنه أيضا يحدث في طرق التواصل والتعامل ما بين البشر، ويلحق باللغة ومفرداتها ومصطلحاتها والسلوك والقيم، الحضارة كل متكامل، مادي في الوسائل، وأخلاقي في التعامل والتفهم والتحاور.

عن الرجعية والتخلف
في أدبياتنا نصف التخلف والمتخلفين بأنهم "رجعيون"، والتوصيف سياسي أكثر منه واقعي، وحتى لو قبلنا به ونظرنا لهذه الفئة بهذا المنظور، أي أولئك الذين يدعون إلى العودة إلى سلوك ونمط حياة الماضي، فنسجد أنهم ربما كانوا يسعون للاستقرار ودوام الحال كما هو، لأن الأولين عاشوا هكذا سعداء، إلا أن معادلة التقدم تظل صالحة: ما كان يجعل الناس قديما أسعد حالا، لا ينطبق الآن، لأن هناك مستجدات واحتياجات طرأت، الحياة بعمومها لم تعد منحصرة في رقعة المجتمع الضيق (القرية أو القبيلة)، ولكن التقدم الحادث بسرعة مذهلة في سبل النقل والانتقال والتواصل والاتصال، صار حدثا يوميا، وما يزال لدينا من نستطيع نعته بالتخلف على أسس "الرجعية" إياها، ولكن أيضا- وهنا الكارثة- صار لدينا متخلفون متعلمون، كانوا لوهلة "تقدميين"... ونستعرض بعض النماذج مع محاولة للفهم والبحث عن الأسباب:

نماذج من المتخلفين الجدد
• بعض أساتذة الجامعات، وهم الفئة التي اجتهدت وتعلمت ونالت الدرجات، ومن ثم المنصب، توقف عندهم البحث والشغف بالعلم، واستكانوا وركنوا لما هم فيه، لم يعد يشغلهم ما يستجد في علمهم أو في طرق التدريس وتحسين الأداء، نجد أعدادا كبيرة منهم وصل بها الأمر إلى حد رفض كل وسيلة تقنية جديدة، مثل الانتيرنيت، بدعوى أن الكتب أفضل (الكتب التي توقفوا عن قراءتها عندما وصلوا لما هم فيه). وحقيقة الأمر أنه صار لديهم عزوف عن المعاناة في التعلم، وربما حتى الخشية و"الرهاب" من كل جديد. هؤلاء كانوا تقدميين، ولجوا باب العلم، وصاروا معلمين، إلا أنهم توقفوا واستراحوا، ولم يعد لنا من توصيف لهم إلا بالتخلف الرافض! – الطلبة المتابعون لدروس ومحاضرات صار بعضهم – وبفضل الانتيرنت – اكثر إلماما منهم، بعض هؤلاء ما زالوا يلقون نفس المحاضرات، بنفس الصيغة، منذ أكثر من ربع قرن! ومن مظاهر تخلف بعضهم تغيبهم بدون إنذار عن الحضور للمحاضرة ومعاملة الطالب على أنه مصدر إزعاج وضيق.
• بعض الأطباء لدينا، بمجرد أن يضع ورقة التخرج في "البرواز"، يقنع نفسه بأن صار طبيبا فذا لا يشق له غبار، وعدد كبير يرتكب الأخطاء الجسيمة، لأنه تخلف عن الركب المواكب لما يستجد، أو بكل بساطة احتفظ بطرق تعامله مع الزملاء أو المرضى كما لو كانوا مدينين له بحياتهم، يفعل بها ما يشاء، أو مجرد منافسين له لا يستحقون أن يحفل بهم، أما عن التعالي والاستهانة بضعيفي الحال ماديا أو تعليميا أو اجتماعيا؛ فحدث ولا حرج!
• القبليون الجدد، ومنهم الدكتور والطبيب والمهندس والمحامي والقاضي والضابط والإداري والمعلم، بل وحتى الوزير!، يعتنق التعصب القبلي، ويمارسه في حياته المهنية وأدائه اليومي، تجده يتفاخر ويمارس العنصرية العصبية المقيتة- سرا و جهرا- دون أن يدري أنه خرج من دائرة التقدم إلى حضن التخلف، ليس تخلفه هو، بل مجتمعه أيضا، وهنا التخلف الذي يعاني منه مرجعه أنانية محضة، وأحيانا عقد نقص و"فش خلق"، ففي واقع الأمر لا تهمه مصلحة القبيلة، بل مصلحته هو وصحبه، عندما يصير لدينا نظراء لهم في الجيل الصاعد! قل علينا السلام ..
• المتولون لمناصب كبرى ذات أساس سياسي أو عقائدي، يصل الحال ببعضهم حد الاكتفاء بترديد الشعارات والهتافات، والانغلاق على قوالب وروتين معد مسبقا، وجمل محددة لم تعد تعني شيئا من كثرة ترديدها، وفي الغالب تراهم من الفاشلين في تحقيق أي إنجاز "تقدمي" من المتفرض فيهم تحقيقه. قد يكون السبب العجز عن ذلك، وعدم المقدرة، أو كما في بعض الحالات تفضيل الواقع الذي يعيشه، الذي يوفر له الجاه والسلطان. وفي الغالب نجد أن معظمهم نال ما نال ووصل مبكرا، فلم يعد في حاجة إلى الاستزادة من العلم أو نقد الذات أو تحسين الأداء أو السلوك بالأخلاق الحميدة، فلقد وصل سيدنا!
• الكسالى، وهؤلاء متخلفون، وكسلهم ليس جسديا، بل فكري، فهم لا يعبؤون كثيرا بإعمال الفكر ومحاولة الفهم والتحليل، وتخلفهم نشأ من جنوحهم للاعتقاد بأنهم أيضا "وصلوا"، ولم يعد هناك من داع للتفكير، عليهم فقط التصرف والسلوك كما كانوا يفعلون، وكما كان يفعل أسلافهم. مسائل ومشاغل اليوم لم تعد كالأمس، فكما تتغير ظروف الحياة وتستجد معطياتها وحاجاتها، تتغير كذلك وسائل النظر والتحليل وطرق البحث عن حلول. ولما كان ذلك يتطلب التفكير، والتفكير متعب ومضنٍ، فقد عزفوا عن ذلك، ومن لا يفكر، يصبح بالضرورة متخلفا عن الركب. والمعادلة بسيطة، فمن لا يستوعب ما يجري (وهذا يتطلب إعمال فكر وتشاور) لن يستطيع الإتيان بجديد، ولن يكون في مقدوره استنباط حلول لأداء أفضل، ويستكين لما هو فيه، سواء على مستواه الفردي أو على مستوى المجتمع الذي يعيش فيه. في هذه الحالة التخلف الناتج عن الكسل الفكري لا يمكن اعبتاره سوى حالة مرضية، تجب العناية بها منذ الصغر.
• المتدينون الجدد، وهم فئة أطلت علينا مؤخرا، ولا عيب في ذلك ولا مثلبة، فكل من يتبع طريق الهدي نتأمل الخير منه، ولكن بعضاً من هذه الفئة يختزل الدين في "مظاهر" معينة، كتقصير السروال وإعفاء اللحية والحرص على طرق متشددة في أداء العبادات، متناسيا أن الدين بالدرجة الأولى هوالمعاملة، الدين هو السلوك الحسن، الفرد في المجتمع لا يهمه كيف يصلي ويصوم الآخر، بل يهمه كيف يتعامل معه، وهل يتسبب في إيذاء غيره؟ وهل يميط الأذي من الشارع؟ وهل يتبسم في وجهه عندما يلقاه؟ ما يفعله المرء في مسائل عبادته وفرائضه أمر يخصه هو فقط، وحسابه عند ربه، ولكن من حق المجتمع أن يسأله كيف يتعامل مع غيره. والرب تعالى سيسأله كيف كان يسلك مع بقية عباده، وإذا ما حاولنا فهم الظاهرة قد نرى أن هؤلاء اعتقدوا أنهم، بعثورهم على الطريقة الأسهل في الحياة، سوف يطمعون في الآخرة، دون الحاجة للوفاء بما يقع عليهم في الدنيا التي فيها يعيشون!

“النماذج المشابهة لما أوردنا كثيرة، ولكن العبرة أن المتخلفين لم يعودوا هم الرجعيين فقط، بل لحق بهم في ركب التخلف متعلمون أيضا”

وفي الخلاصة
:
• التخلف حالة تستوجب الاعتراف بها، والتخلف لا يعني إطلاقا أن المتخلف هو غير المتعلم أو من لا يحمل مؤهلات، إنها عقلية وموقف من المجتمع، التخلف يكاد يكون حالة نفسية تشير إلى نقص مفزع في الشخصية.
• التخلف في تعريفه الآخر مناقض للتقدم نحو الأفضل، لا يشمل وسائل الحياة المادية وأدواتها ووسائلها فقط، بل يمتد أيضا إلى السلوك والتدبير وإعمال الفكر والتحليل.
• من لا يعترف بتخلفه لن يستطيع الخروج منه أبدا
• المجتمع بمؤسساته عليه متابعة ظواهر التخلف وإطلاق اللفظ الصريح عليها، فما يهم المجتمع قبل الحالة المادية هو الحالة الأخلاقية في التعامل والتناول والتعاطي مع بقية الأفراد في نفس المجتمع.
• الإصلاح، إلى جانب مراجعة برامج التعليم والعمل، يتطلب أيضا بحثا وتقويما للسلوكيات المعوجة. والإصلاح من حيث أنه "تقدم" وبحث عن التقدم، يجب أن يعم كل الدوائر، فخطر التخلف الجديد جد رهيب، إنه يؤدي إلى انهيار التعليم والصحة والإدارة والاقتصاد، باختصار يؤدي إلى انيهار الدولة!

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة قورينا / بنغازي ، وصحيفة القدس العربي / لندن ، الخميس 11/06/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home