Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الإربعاء 16 ديسمبر 2009

مصدرو الفساد‮ : ‬الشركات المفسدة مثالا*

رمضان جربوع

ظهر الفساد في‮ ‬البر والبحر وكان لابد أن‮ ‬يلج بلاد العرب،‮ ‬دخل إلينا،‮ ‬ونبتته أصلا عندنا،‮ ‬ترعرعت في‮ ‬ظل‮ ‬غياب دولة المؤسسات وارتوت تحت تسلط أولي‮ ‬الأمر الوجلين أبدا،‮ ‬وأينعت بغياب المحاسبة والمساءلة،‮ ‬الفساد كان استثناءّ،‮ ‬وبفضل العولمة وروائح نفطنا‮ (‬أو زفتنا‮) ‬صار القاعدة‮.‬

عن العولمة والتنمية‮ ‬يحدثونك

العولمة والتعاون الدولي‮ ‬عنوان مثير لا‮ ‬غبار عليه كمحرر لقيود التجارة والاستثمار والازدهار المشترك،‮ ‬إلا أن ما نالت منه دول النفط في‮ ‬معظمها ليس سوى صور باهتة تحاكي‮ ‬الحداثة في‮ ‬بناء الأبراج والفنادق بل وحتى في‮ ‬المأكل والملبس والطرب،‮ ‬كل ذلك‮ ‬يتم بمسمّى‮ "‬التنمية‮" ‬وكأنها صرح‮ ‬يمكن تلزيمه لشركات‮ "‬عولمة‮" ‬تقوم به عوضا عن أبناء البلد،‮ ‬الذين لم‮ "‬ينموا‮" ‬بعد،‮ ‬بل إن كل ما تم إنجازه قبل حقبة النفط،‮ ‬على قلّته،‮ ‬انهار وحلّت محله مشاريع إعمار وبنية تحتية مهولة الأرقام ركيكة البنيان،‮ ‬وتناسى الكل أن التنمية لا تنطلق إلا من تنمية الإنسان‮... ‬ليس بمنظور العلم والإدارة ولكن بتربية وطنية تعرفه بحقوقه وواجباته وتعلمه كيف‮ ‬يطالب بها ويقوم بما عليه في‮ ‬ظل حريات مكفولة ومحاسبة ومساءلة تنطلق من القاع وصولا للقمة لا‮ ‬يخشى فيه الفرد شيئا على نفسه أو ماله بمساواة مطلقة ولا تميّز بعلاقة أو قرابة‮. .. ‬هذا لم‮ ‬يحدث،‮ ‬خشية تغير الأحوال أو زوال السلطان،‮ ‬فكان الحكم في‮ ‬هذه البلدان واقعا ضمن‮ "‬الدائرة‮" ‬الخاصة وما‮ ‬يتبعها من أقارب وأصدقاء و"عمال‮" ‬أمن وسياسة،‮ ‬والباعث لذلك الاطمئنان والاستقرار والدوام‮.‬

الشركات المفسدة

ولما كان المال كثيرا،‮ ‬تغيرت مواصفات الإنشاءات المطلوبة وأصبحت تجاري‮ ‬وتتفوق على نظيرتها في‮ ‬الغرب،‮ ‬هذا صار عرفا،‮ ‬فالأموال الطائلة التي‮ ‬يدفعها الغرب لنفطه لابد لها أن ترجع من حيث أتت أصلا عن طريق الشركات،‮ ‬التي‮ ‬تنفذ على طريقة‮ "‬تسليم مفتاح‮"! ‬أو التي‮ ‬تورد التجهيزات والعدد والسلاح،‮ ‬الذي‮ ‬غالبا ما‮ ‬يصدأ في‮ ‬انتظار من‮ ‬يتدرب عليه ويصونه ليستعمله عند الحاجة‮. ‬

والمال كالسكر للذباب،‮ ‬يجذبه من كل حد وصوب،‮ ‬تتكالب الشركات الأجنبية على العطاءات للمشاريع‮ "‬الطنانة‮" ‬ولما كانت دولة المؤسسات والشفافية مفهوم لم‮ ‬يصدّروه لنا بعد،‮ ‬ونبتة الفساد الصغيرة ترعرت في‮ ‬غياب المساءلة والمحاسبة،‮ ‬فلابد لراغب الفوز بقصب،‮ ‬من‮ "‬وكلاء‮" ‬يعينه على تسويق بضاعته،‮ ‬وترسيم العطاء صار رهنا لمكالمات هاتفية أو أوامر خفية،‮ ‬أصبحت مهنة‮ "‬الوكالة‮" ‬حكرا على المتنفذين وذوي‮ ‬السلطان،‮ ‬والدائرة التي‮ ‬تحدثنا معها،‮ ‬صارت متشعبة ومتعددة الأجنحة،‮ ‬ارتفعت قيمة‮ "‬العمولة‮" ‬لتصل أحيانا في‮ ‬بعض البلدان إلى ما‮ ‬يتجاوز النصف حتى تستطيع سد الحاجات للمسهلين من ذوي‮ ‬الجشع والشهية بينما المعتاد حسب أصول المهنة في‮ ‬عقود الملايين،‮ ‬لا تتجاوز العمولة النصف في‮ ‬واحد بالمائة‮.‬

عادة إذا كانت‮ "‬الشركة‮" ‬محترمة،‮ ‬فهي‮ ‬لن تقبل لأن لديها سمعة محترمة على مستوى العالم بل وصارت تخشى من تهمة‮ "‬غسيل الأموال‮" ‬والتحويلات المشبوهة،‮ ‬وبالتالي‮ ‬حل محل الشركات‮ "‬المحترمة‮" ‬شركات أخرى‮ ‬غير محترمة،‮ ‬التي‮ ‬يملكها في‮ ‬الغالب أفراد مغامرون لا‮ ‬يزعهم وازع ولا تهمهم سمعة أو صيت‮. ‬بلدانهم الأصلية لن‮ ‬يهمها كثيرا أمرهم وما‮ ‬يفعلون،‮ ‬فأرباحهم سترجع للبلاد وسيوفرون وظائف وينعشون اقتصادها‮.‬

أما البلد الذي‮ ‬تنفق أمواله بهذا الأسلوب،‮ ‬عبر الشركات‮ "‬المفسدة‮" ‬فسيتحمل شعبه،‮ ‬المالك لثروته الشرعي،‮ ‬عبء الخسارة الناجمة عن مضاعفة الأسعار ورداءة نوعية العمل المنفذ والتعطيل،‮ ‬ولن‮ ‬يجرؤ أحد على مساءلة تلك الشركات،‮ ‬لأن الذي‮ ‬لديه الصلاحية بذلك قد قبض مقدما،‮ ‬بل وسيلزم لذات الشركة أشغال أخرى .

هكذا تتكون لدينا طبقة متسلقة جديدة تقضي‮ ‬على الطبقة المتوسطة،‮ ‬أس التقدم والنمو،‮ ‬ويستمر الحال في‮ ‬إدارة دفة شؤون الدولة عن طريق الإملاء من عل،‮ ‬وينتعش الفساد ويزدهر،‮ ‬ونكون في‮ ‬وضعية الذي‮ "‬استورد‮" ‬الفساد على أصول العولمة،‮ ‬هؤلاء‮ "‬الوكلاء‮" ‬من ذوي‮ ‬النفوذ والقربي‮ ‬والشراكة،‮ ‬يسهل التعرف عليهم،‮ ‬يكفي‮ ‬زيارة الفنادق الفاخرة في‮ ‬عاصمة عربية لتراهم‮!‬

ودول الحراسة

الدول التي‮ ‬لا نفط لها،‮ ‬أصبحت تعتمد على القادمين من وراء البحار،‮ ‬أكلا وشربا وملبسا وإنشاءات وغيرها،‮ ‬بل لقد صاروا مرتهنين للسائح الأجنبي‮ ‬وإعانة الأجنبي‮ ‬واستثماراته،‮ ‬التي‮ ‬تنفذ وفق ما‮ ‬يملي‮ ‬وما‮ ‬يوافقه فكان لابد‮ ‬– لاستمرار الدعم‮- ‬أن تتقلص مساحة‮ "‬الاستقلال‮" ‬فتحولت إلى رقم من الأرقام،‮ ‬ولما كان الأجنبي‮ ‬وصديقه‮ "‬المحلي‮" ‬مصدر الرزق الجديد،‮ ‬فكان من الطبيعي‮ ‬أن‮ ‬يلتف حوله‮ "‬دائرة‮" ‬أخرى شبيهة بالأولى في‮ ‬بلدان النفط،‮ ‬وتتكرر المأساة ويعم الفساد،‮ ‬إلا أن الفساد في‮ ‬هذه الدول له نتيجة مباشرة ألا وهي‮ ‬الاستغراق في‮ ‬الفقر والتخلف ناهيك عن ضياع القيم ومفهوم الوطن‮ .. ‬الذي‮ ‬تحول في‮ ‬بعض البلدان إلى‮ "‬ماخور‮" ‬ملذات أو مصرف‮ ‬غسيل أموال،‮ ‬في‮ ‬بعض البدان صار‮ ‬غسيل الأموال مخصصا لساسة ومتنفذي‮ ‬الغرب الذين‮ ‬يقدمون العون ويعرضون الصداقة والعون،‮ ‬حتى وإن كان هو المستعمر السابق‮. ‬ساسة الغرب هؤلاء أصاب بعضهم‮ "‬فيروس‮" ‬الفساد المعرب،‮ ‬فلقد شاهدنا مارغريت ثاتشر وزوجها وابنها وطوني‮ ‬بلير وساركوزي‮ ‬وجيسكار ديستان وغيرهم كثر،‮ ‬يجوبون الآفاق لتسويق شركات بلادهم ومصالحها،‮ ‬حسب واجبات وظائفهم،‮ ‬إلا أنهم في‮ ‬بعض‮ ‬الأحوال لا‮ ‬يستنكفون من تناول‮ "‬الغطيسة‮"!‬

الفساد طريق الهلاك

من نتائج الفساد‮ ‬غير المباشرة هو تحول معظم الحكومات إلى أدوات لكبح جماح المواطنين ولجم تطلعهم لحقوق إنسان لم تعد في‮ ‬بلداننا سوى أنشودة نتغنى بها جميعا،‮ ‬بما في‮ ‬ذلك الذين‮ ‬ينتهكونها‮. ‬باختصار صارت النخبة الحاكمة في‮ ‬عدد من بلداننا‮ ‬عبارة عن حراس محليين للمنطقة ومواردها،‮ ‬وهؤلاء في‮ ‬جميع الأحوال أقل كلفة من الاستعمار المباشر .

ويحق لنا أن نتساءل‮: ‬هل نحن مستقلون فعلا؟

الفساد معيق للتنمية،‮ ‬لأنه وكما قلنا؛ التنمية التي‮ ‬لا ترتكز على الإنسان الفرد،‮ ‬لن تؤتي‮ ‬ثمرا،‮ ‬فإنسان لا‮ ‬يعي‮ ‬ما‮ ‬يدور في‮ ‬بلده وحوله ولا‮ ‬يكاد‮ ‬يجد الوقت لسد رمقه،‮ ‬هو إنسان معطب،‮ ‬وبلده‮ ‬يسكنه معطبون،‮ ‬سيزداد عطبا لا محالة،‮ ‬وعندما‮ ‬يعم العطب ستنهار الدولة،‮ ‬وسيضيع الاطمئان والاستقرار ولو بعد حين،‮ ‬ولن تجد‮ "‬دوائر‮" ‬السلطان والأمير من سبيل سوى الاستزادة من نفوذ الأجنبي‮ ‬وتدخله المباشر حفاظا على‮ "‬السلام‮" ‬ربما خشية من عملية‮ "‬استبدال‮" ‬كما حدث في‮ ‬العراق،‮ ‬ولعلنا نجد في‮ ‬مطالبة رئيس وزراء الصومال الأخيرة بتدخل أجنبي‮ ‬مسلح لضبط الأمور في‮ ‬بلاده نذيرا بما قد‮ ‬يحدث في‮ ‬بقية بلداننا التي‮ ‬في‮ ‬مجملها معرضة للغزو والاحتلال،‮ ‬ولن‮ ‬يهم المحتل أو الغازي‮ ‬إدارة شؤونها،‮ ‬فيكفيه تأمين المنطقة من الناحية الجيوسياسية والنفطية فقط،‮ ‬أما زعزعة الوطن ونشوب نزاعات وحروب أهلية،‮ ‬فقد‮ ‬يقول‮ .. ‬يا مرحى‮!‬

هل من حل؟

الصورة ليست كاملة القتامة،‮ ‬ما‮ ‬يزال لدينا فرص القضاء على الفساد،‮ ‬والقيام بإصلاح اداري‮ ‬وسياسي،‮ ‬من حيث آليات اتخاذ القرار،‮ ‬كل القرارات والسياسية والإدارية وصولا للاقتصادي،‮ ‬والفرصة متاحة في‮ ‬اعتماد مبدأ الشفافية والمساءلة والمحاسبة بفتح الأبواب مشرعة لحرية إعلام ومؤسسات مجتمع مدني‮ ‬وفق المعايير الدولية،‮ ‬تتكون مؤسساته بمجرد إبداء الرغبة ولا ترتهن بموافقة‮ "‬وزارة‮"‬،‮ ‬مؤسسات المجتمع المدني‮ ‬يجب أن‮ ‬يتاح لها العمل في‮ ‬أي‮ ‬مجال تختاره،‮ ‬بما في‮ ‬ذلك السياسة،‮ ‬التي‮ ‬هي‮ ‬خلف كل شيء،‮ ‬وتختلف مؤسسة المجتمع المدني،‮ ‬حتى وإن عملت في‮ ‬السياسة،‮ ‬عن الحزب السياسي‮ ‬بكونها وبطبيعتها لا تسعى للسلطة‮. ‬هذه مطالب طبيعية نعتقد بعدم جدوى أي‮ ‬إصلاح ما لم‮ ‬يطلق العنان‮ ‬غير المقيد لمجتمع مدني‮ ‬ولإعلام حر وإعمال للقانون ومساءلة ومحاسبة،‮ ‬ليس فقط فيما سيأتي‮ ‬بل وأيضا،‮ ‬لكي‮ ‬يصدق الناس،‮ ‬فيما مضى‮!‬

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة أويا ، وصحيفة القدس العربي، الخميس 10/12/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home