Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الثلاثاء 16 سبتمبر 2008

هل نحن مستقلون؟.. وما العـمل إن لم نكن؟ (*)

رمضان جربوع

يقال لنا إننا كذلك! ... ليلا نهارا، لدينا ممالك وإمارات وسلطنات وجمهوريات، أي دول على سن ورمح، بأعلام وأناشيد قومية وجيوش، ولدينا روايات تاريخية عن نضال الأسلاف في سبيل "الاستقلال"، ولدينا وزارات وقوانين ودساتير وسفارات، بل وحتى مقاعد في الأمم المتحدة!
ما نحن فيه الآن ليس سوى تقسيمات، كتقسيمات أراضي العمران، من إفرازات الحرب الكونية، من تطبيقات اتفاقية سايكس بيكو .. إلى إفرازات الحرب العالمية الثانية، ناهيك عن نتائج حروب أشعلت بعدها، وغيرها قادم – أقل كونية – رسخت أوضاعاً، صيغت لنا وخطط لها من قبل غيرنا، ونحن مستغرقون في الوهم الكبير: نحن مستقلون! وبنظرة عابرة قد يتبين لأي ذي لب بأننا لسنا كذلك!
أيا كان الأمر، فلنرجئ الحكم ، ولنرَ ما يعني الاستقلال أولا، ثم نحاول تلمس كينونتنا التي قد تتشوق، ولو إلى وهم الاستقلال أو تسعى إليه.

قواعد اللعبة والاستقلال في حرية القرار

من البديهي أن الاستقلال يعني حرية اتخاذ القرار والمواقف والحراك، وفقاً لقواعد اللعبة، التي تسمح لك، بقَدَر، أن تعمل ما تشاء، شريطة عدم المساس بمصالح واضعي قواعد اللعبة، ولكن ما هي قواعد اللعبة، ومن الذي وضعها؟
قواعد اللعبة تتخلص في مجموعة من الضوابط والنواهي عليك توخيها في كل سلوكيات دولتك. وللمساعدة في الفهم وضعوا لك "القانون الدولي" و"الشرعية الدولية" وأردفوها بمجموعة من المؤسسات الدولية، لبعضها سلطة تفوق سلطتك في داخل دولتك، وقد يجعلونك توقع على اتفاقات وتفاهمات ذات صبغة خاصة بك، لن تجد منها مفراً. ولإحكام القواعد أروك وجعلوك تشاهد عواقب التمرد بفعل الحسام والنار، ولن تستطيع الاستنجاد بالقانون الدولي أو الشرعية الدولية، فالذين وضعوها أعفوا أنفسهم منها.

من الذي وضع القواعد؟

لأول وهلة، سيخطر على بالك أنها الدول الكبرى، بدءً بالتي انتصرت في الحرب العالمية الثانية، ولكن الحقيقة أن من وضع هذه القواعد هم مديرو "المصالح العليا" أو مركبات الصناعة والمال والتجارة في العالم، من ذوي الوزن فائق الحجم والقوة، وهؤلاء يسيّرون شؤون وقرارات الدول العظمى، من خلف الستار، غير آبهين بمن يحكم، ولا معنيين بلون وفكر الساسة الذين يتولون إدارة دفة هذه الدول أو نتائج تداول السلطة فيها.
"المصالح" الكبرى موجودة ومترابطة في تحالفات عابرة للحدود والثقافات، وتعمل وفقاً لمنظومة قواعد، روحها المال والقدرة على تداوله، سواء أكان نقدا أم على صورة أوراق مالية أم سلعا مصنعة أم سلعا رئيسة تنتجها الزراعة، أو تلك التي تقع في باطن الأرض. وبالنسبة لها هذه "الأرض" هي لها سلفا وحذقا وجبرا، وإن كان لك أن تزهو بتملكها عبر وريقات يعطونك إياها، تصرف منها بمقدار يضعونه هم وعند اقتضاء حاجة ما (لهم طبعا) لن تستطيع حتى أن تفعل ذلك!

القانون الدولي والشرعية

قد تقول لي: ولكن القوانين الدولية واحترام سيادة الدول وحقوق الإنسان وحق تقرير المصير وضمانات المؤسسات الدولية والأًصول والأعراف، أليس كل هذا إنجازا حضارياً راقياً يحكم العلاقات ما بين الدول؟
أقول نعم، ما بين الدول، ولكن عندما يكون بعض "الدول" – والتعبير هنا مجازي، حيث إن أصحاب المصالح يصبحون هم الدول – أكثر سلطانا من أية نصوص مكتوبة وأعراف وقانون، ففي هذه الحالة ما عساك أن تفعل؟ هم، سيفعلون ما يريدون .. وسيسوغون ما فعلوا، فيما بعد، بنصوص قرارات أخرى "تشرعن" ما قاموا به ... وكأن شيئا لم يكن، بل وكأن إنسان الغاب وشريعته لا تزال سارية، ولكن قدرات التجميل وتنميق النصوص والتعبيرات البلاغية سيتم تمريرها و"تبليعها" بكل يسر ... وستتوالى الأمور كما جرت عادتها منذ قدم!

هل الوضع ميؤوس منه؟

الأمر ليس كذلك، على الدولة التي تريد ممارسة "استقلالها" بدون المجازفة في ابتغاء الحد الأقصى، أن تساير العالم وفق قواعد اللعبة، ففي هذه القواعد الكثير مما يتيح الحراك والفعل، ولكن للتمكن من ذلك، وهو في نهاية الأمر ليس سوى ممارسة "الاستقلال" في الحدود المرسومة من قبل غيرنا، يتطلب الأمر ثلاثة مناهج، أرى لزومها وهي:

حمل تاريخ الأمس والاتعاظ به

وأقول متعمدا "حمل التاريخ" بمعنى أن تاريخ العالم على رحبه يجب أن يكون نصب أعيننا، التاريخ يعيد نفسه، وما حدث سلفا سيحدث لاحقا، وفي التاريخ مؤشرات ومنارات مسير، التاريخ يا سادة ليس سوى أفعال بشر. والبشر هم هم، لم يتغيروا ولا أراههم بمتغيرين قريبا، أفعال بشر تعقبها ردود أفعال، ونجاعة فاعلين في فعلهم، تتحدد بمدى قدرتهم على استباق ردود الفعل وإحباطها أو التكيف معها وتقويمها لتتواءم مع نوايا الفعل أصلاً، دراسة التاريخ، كل يوم، ترشدنا إلى صلاح رأي أو خلله، وإن اختلف المصطلح أو السياق، وتدلنا على إمكانية تحقيق أمر مستهدف من عدمه. التاريخ هو أيضا علم نفس، وهو دليل واضح على النفس البشرية وما قد تفعله وما قد لا تفعله. والتاريخ زاخر بالعبر، كما كان يقول أسلافنا، وهو ليس مادة ميتة، بل حية ترزق طالما بقي إنسان في الكون، كل يوم تحدث أحداث بموجبات ودواع، يكون منها نتائج تغير الخارطة سياسياً أو اقتصادياً أو جغرافياً، وهو مرتبط بكل ما تجود به العلوم من اختراعات و وأفكار وطرق حياة جديدة، بل ويدخل التاريخ في السياسة الآنية عندما يتناول الفكر والتدبير. والتفكير والتدبر هما مدخل المنهج الثاني الذي أرى لزومه:

استشراف الغد لاتخاذ قرار اليوم

الاستشراف، أو توقع ما قد يحدث في العالم، وما سيستجد من معطيات، منهاج لا مفر منه هو الآخر إذا أردنا السباحة مع التيار وليس ضده. العالم اليوم تجري أموره وفقا لمتغيرات ومستجدات تكاد تكون يومية وبوتيرة متسارعة. والاستشراف لا يتم بضرب "الودع" أو سؤال الفلك أو أوراق اللعب، بل باستيعاب واقع اليوم، وكيف صار إلى ما صار إليه، بعد التملي في واقع الأمس. هناك متلازمة تربط بين الاثنين، فأمسنا تفاعل وتطور، فصار يومنا. ويومنا سيصير غدنا. المتغيرات والمستحدثات بينة ظاهرة عندما تستشرف بالمتلازمتين. وما يطرأ عليها في الغالب هو في الكم وفي التسارع، وليس في النوع. المعطيات الدالة على الغد متوفرة اليوم. وقد لا نعلم علم يقين ما سيحدث على وجه التفصيل، ولكن الدلائل على ما سيحدث في متناول اليد، تحتاج فقط إلى إمعان فكر وتركيز ذهن، ينتج عنهما احتمالات وترجيحات، وهو بالضبط ما نحن في حاجة إليه لتحديد سقوفنا في قرارات اليوم، لاستباق ما قد سيحدث، وهذا بدوره يستدعي المنهاج الثالث وهو:

التحليل .. التحليل

التحليل باختصار هو النظر فيما لديك من علم ومعلومات صحيحة، مرجحة أو ممكنة، ومحاولة ترتيبها في معادلات متفرقة، والبحث في دواعي حدوثها وصحتها، ثم النظر في إمكانيات تطورها، ومضاهاتها بأحداث سابقة في تاريخ الأمس، واستنباط خلفياتها، وهو أيضا قراءة ما توصلت إليه، بل على الأصح قراءة تحمل وجه الاحتمال فيما خلصت إليه، ومن ثم الوصول إلى إضفاء القيمة الحقيقية للمعلومة أو الحادثة أمامك، لدرء التفسير الجزافي الفوري أو العشوائي أو العاطفي. التحليل يتعامل مع معطيات معينة، تخص نطاقا ما، في محاولة لفهمها وإدراك نتائجها، وهو أيضا إعمال فكر. قد يقول البعض أن هذه فلسفة. فليكن، أو ليست الفلسفة إعمال عقل وفكر وطرح تصورات؟ الفلسفة، التي لم نفهم جدواها حتى الآن، عنصر أساسي عند تناول موجبات القرار أو السياسة المزمع عليها.

بمن يختص المقال؟

من نافلة القول أن ما سلف يتعلق بكافة بلداننا، وهو يخص أكثر ما يخص ولاة الأمور، مهما كانت الطريقة التي صاروا بها كذلك، فإذا كانوا ذوي سلطان وقرار، فالأجدر بهم أن يخرجوا من عقدة "توهم" الاستقلال المطلق، وكذلك عليهم أن يدركوا أن هنالك مجالا رحبا واسعا يستطيعون فيه ممارسة الاستقلال الممكن والمتاح، بدون التماهي المباشر مع مصالح "الدول" الكبرى، تارة خشية إغضابها، وأخرى اعتقاداً خاطئا بأنها تتيح لهم الديمومة على الكراسي!
وفي انتظار أن تدور عجلة التغيير بوتيرة أسرع، وهي وشيكة على كل حال، وقرب سريان قواعد لعبة شاملة تحدد لكل دولة، بل لكل فرد، دوراً معيناً ونطاقاً لا يتجاوزه، هذه اللعبة الجديدة تسمى الآن "العولمة"، وهي بخلاف ما قد يعتقد البعض، أنها تتعلق بالاقتصاد وترتيب أمور التجارة والتبادل السلعي، فهي، في تصورها الظاهر والمضمر والمضمن، تعميم أنماط أنظمة حكم، وتغييرات إجبارية في مقومات الدول، بل وحتى إعادة ترتيبها من جديد، وشرعنة قواعد وقوانين سوف تمس كافة أوجه الحياة، ولن يستطيع أي من دولنا الإفلات منها، فهي حادثة واقعة بإملاء من عل. ومن لا يسير وفق المنظومة الجديدة سيؤول مصيره إلى خبر كان، سواء أكان ملكا جبارا ذا مال، أو وطنياً مخلصاً يدعو للحكم الرشيد. ولنا في التاريخ ما يكفي من العبر. ولما كانت الأمور على ما هي عليه، فقد يكون من المجدي لفت النظر لما يمكن عمله:

ما العمل؟

(1) لا يجب أبدا التخلي عن المطالبة بكامل الحق الذي تراه لنفسك بصفة إعتبارك إياها مستقلة، ولا يجب أبدا الخنوع لمسألة "الحل النهائي" أو "الحل الشامل" ... فقواعد اللعبة تتيح لك ذلك، أي المطالبة، ومن ثم التوثيق وإثارة قضاياك في كل مناسبة وأوان. تستطيع أن تتعامل مع بعض حلول انتقالية بما تسمح لك به "المصالح" الكبرى، ولكن من الممكن نيل الأكثر عن طريق الاستمرار في المطالبة. وإذا سألتم كيف؟ فالجواب يكمن فيما ذكرت أعلاه من دراسة التاريخ والاستشراف والتحليل، فالمصالح "الكبرى" متغيرة بذاتها ومتحولة، فهي الأخرى مادة حية تتفاعل مع الواقع المستجد، وتؤثر حتما ولزاما على قرارات ومواقف "الدول الكبرى".. أكرر وجوب التفريق ما بين المصالح الكبرى والدول الكبرى .. فالأخيرة مرتهنة بالأولى، ولو بعد حين. ومن تغير المصالح الكبرى وتنوع فاعليها سيكون هنالك طريق سالك! .. فهم أيضا يتنازعون ويتصارعون أحيانا!

(2) لا مفر من التواصل مع الرعية، وعلى وجه الخصوص عند الإخفاق في تحقيق المبتغى، فالزعم بالطبل والزمر بأن الأمور رائعة، وأن ليس هناك أبدع مما كان، لم يعد ينطلي على أحد. الاعتراف بالخطأ قد يكون له وقع لدى الرعية أفضل بكثير.. بل وأكثر إيجابية نحو الحاكم من تكرار أغاني التمجيد والتزييف للواقع.

(3) يجب اعتبار الاستقلال، وقبل كل شيء، موقفا مبدئيا أخلاقيا، فقد تكون مجبرا على اتباع سياسات معينة بإملاء واقع من أصحاب المصالح الكبرى، ولكنك إن خنعت واتخذت الخنوع "ثقافة" تملي عليك كيف تفكر وكيف تتصرف، فإنك تكون قد بعت نفسك في سوق النخاسة بثمن بخس!

(4) لا هيبة لولي أمر لدى "الآخر"، بل الهيبة تأتى من رضا الرعية عنك، وتعاملك معها على أنها من جنس البشر، لا فرق بينك وبينها سوى أنك وصلت لسدة السلطة، بينما هناك آخرون يتربصون بك! ورضا الرعية عنك يحدث عندما تمنحها حقها في الحرية والرأي والتعبير، وتحدث حتما عندما تمارس الحكم بالعدل والشفافية.

(5) لا أجد ما أختتم به سوى التذكير بأن الكمال لله وحده، ولا يوجد مخلوق يستطيع الادعاء بأن لديه القول الفصل في كل شيء عن جدارة وحق، القول. الفصل باستحقاق الفضل، يكون عندما لا يكون لدينا عار أو جائع أو جاهل أو سقيم لا يجد دواء.

ramadanjarbou@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة القدس العربي ، 12/9/2008


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home