Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الخميس 29 ابريل 2010

قلة الحيلة وتأثيرها.. اللجان مثالا *

رمضان جربوع

قلة الحيلة أو "الدبارة" في تراثنا الشعبي تعني العجز عن التدبر واتخاذ القرار الصحيح في إشكاليات الحياة والصعوبة في الوعي الصحيح بالموقف الآني وخلفياته وما يمكن أن يحدث،  وهو كثير الحدوث عندما يناط بغير المؤهل تسيير دفة الإدارات القائمة بشؤون الدولة التي ترعى شؤون الوطن وساكنيه. ويحدث هذا عند التعيين أو الانتخاب أوالتصعيد بموجبات الولاء أو بتأثيرات التعصب القبلي المقيت البغيض المتخلف أو التكتل الحزبي والذي لا يختلف هنا عن التكتل السياسي الأمني الميهمن على رأس مؤسسة ما أو وزارة!

دوائر القصور

هذه الفئات التي تتحكم في الدائرة، عندما تضع معيارها الرئيسي مسألة الولاء فستكون خياراتها محدودة حتما، وتنحصر في الصحب والرفاق الذين لن يزعجوا البنية الهيكلية المترسخة التي أتت بهم، وهؤلاء يدركون تماما أنهم اختيروا لأنهم من "الشلة"، وسيعملون كل ما يجب لكي تزدهر الشلة وتقوى وتسبغ عليهم المنح والعطايا، عينية كانت أم غير ذلك، هذا سيكون همهم الأول وليس خدمة مصالح المؤسسة المكرسة أصلا لأداء خدماتها لأجل الشعب المتكفل –عن طريق بيت ماله– بتسديد التكاليف والفواتير. سيكون لهم هاجس آخر، ألا وهو إثبات الجدارة في ملاحقة "الأعداء"، وعدم تمكينهم من المساس بالشلة التي صارت مركز قوة تكاد تعلن استقلالها الذاتي عن الدولة الوطن، بل عن الشعب أيضا، الذي يصبح الضحية الأولى في انتظار خدمات ينتظرها، ولكنها لا تأتي، وإن أتت فهي هزيلة بائسة. أما أن يقوم هؤلاء السادة بالواجب على الوجه الصحيح، دون توخي مصلحة خاصة أو مصلحة قبيلة أو مركز قوة أو هاجس أمني غير مبرر ولا مقبول به عقلانيا، فهذا سيعتبر ضربا من الخيال، لأنه حتما سيصطدم بالذين يربضون فوقًا! ولأن ذلك يتطلب صفات ومواصفات قلما يحملون منها نزرا ولو كان يسيرا، والمواصفات التي نتحدث عنها هي باختصار:

الصفات والمواصفات المطلوبة

الولاء المطلق للوطن وساكنيه، وتقديم مصلحته على غيره، ثم الكفاءة والخبرة.  الكفاءة لا تعني بالضرورة الشهادات .. فهذه أصحبت في أيامنا "مضروبة"، وأحيانا لا تساوي الورق المطبوعة عليه. الكفاءة هي في تملك الأدوات اللازمة لتسيير دفة إدارة ما، فإلى جانب المقدرة العلمية لابد من حسن التدبر والقدرة على الوعي والتبصر وسماع الغير، أي الرأي الآخر وحسن الإدراك وحسن السلوك والتعامل مع الغير، أيا كان هذا "الغير".

 أما الخبرة فهي لا تأتي بجرعة أو بقرار، بل تأتي من تراكم السنين على محك العمل، وهي تترافق اضطرادا بحسن الأداء، فسيئ الأداء لن تجدي معه السنون شيئا، إن لم يتعلم ويعلم الناس ظهارا وتشهد بأنه كذلك. سنوات الخدمة لوحدها لا تكفي، بل يجب البحث في كيف انقضت، سلبا وإيجابا.

يعني كل ذلك أن الشخصية القيادية، لكي تصبح كذلك فعلا لا قولا، لا بد أن تحمل الحد الأدنى من هذه الصفات القابلة للإثبات بشهادات المخدومين والأقران. ولن نستطيع أبدا أن نخلق شخصية قيادية بمجرد قرار يتخذ.

والنتيحة؟

ولما كان معظم القياديين في بلدان بني يعرب يتم تعيينهم بالكيفية التي ذكرنا، فماذا كان الأداء؟ نترك للقراء في بلداننا الإجابة! فنظرة متفحصة في سيرهم وما أنجزوا، ثم عطفة على تقارير التصنيف العالمية من حيث الأداء ومعدلات الفساد والحكم الرشيد؛ تكفي وزيادة.

بالطبع لا نعمم، فالكثير الكثير من كبار القياديين في مؤسساتنا يحمل الصفات المطلوبة، ويحسن الأداء، ولكن الإشكالية تكمن في أنهم أولاً قلة، وثانيا لا يسمح لهم بالنجاح والبروز، لأن ذلك سيتسبب في حرج شديد للسادة المتنطعين، فيقلبون لهم ظهر المجن، وتتم عرقلتهم، فإما أن يستكينوا ويعزفوا عن الإبداع والعطاء، أو يستقيلوا ويقبعوا في بيوتهم أو يهاجروا.

قد يقول قائل أن هذا الوضع سائد لدينا منذ قرون، فلا يمكن الوصول إلى مراتب بطانات الدولة إلا بالزلفى والطاعة، وأن التنمية البشرية والإدارية والاقتصادية لم تنجح عندنا بعد. هذا غير صحيح، فحتى في عصورنا السابقة كانت لدينا حقبات مزدهرة، ولم يكن إيلاء المهام إلا للجدير. وحتى في عصرنا هذا الكثير من دولنا استطاعت الإنطلاق بعد الاستقلال، وأسست إدارة جيدة، وقطعت أشواطا في التنمية، فماذا حدث؟

المزيج الجديد!

ربما المزيج الجديد، ما بين الهاجس الأمني ومراكز القوة الجديدة، تمكنت من إحكام القبضة على مجتمعاتنا، ودخل على المزيج بهار جديد، اسمه الدولار، أو المال والاقتصاد ورجالات الأعمال الجدد، فنشأت تركيبة عويصة على الفهم. وقد يعجز المرء عن إدراك النكهة الأقوى ما بين الثلاث، ولكن الأكيد اليقين هو تردي الإدارة وإنتاجها، ومن ثم الدولة، وبالتالي معاناة أشد وأقسى تلحق بأفراد الشعب الذي سلبت موراده وصار فقيرا!

كل ذلك قابل للعلاج، إن خلصت النية في الإصلاح، الذي صار ملحّا في هذه الأيام لتردي الحالة من جهة، ولمتطلبات "العولمة" ورغبات الدول الكبرى صاحبة المصلحة في مواردنا التي نصدر والتي على رأسها النفط. قد يستغرق ذلك وقتا، ولكن هناك حالات لم تعد تستطيع الانتظار لابد من علاجها الآن وليس غدا!، ولنأخذ الحالة الليبية وتحديدا في قطاع التعليم والصحة، عسانا نستدرك بعض ما فقدنا.

التعليم والصحة في ليبيا

لدينا مثال صارخ يدلل على ما يحدث عندما تهيمن فئة ما، وتحديداً اللجان الثورية، على مقدرات وقيادات قطاعين مهمين حيويين للوطن، الاستيلاء على مقاليد قطاع التعليم في نهاية سبعينيات القرن الماضي في ليبيا من قبل اللجان، كان مؤذنا بابتداء انهياره، التعليم في بلادنا ابتدأ من الصفر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، عندما كانت ليبيا تعيش الفقر المدقع، وبمعونة من مصر والأمم المتحدة وبعض دول الغرب ذات المصلحة، وكذلك، وهذا هو الأهم، بمجهودات الوطنيين في المجتمع المدني انطلق التعليم وحقق نتائج مبهرة. وعندما أتى النفط استمر التطوير والازدهار وصار لدينا كوادر عالية التأهيل والكفاءة والجدارة، قامت بشؤون الدولة على خير ما يرام. واستمر ذلك إلى نهاية العقد الثامن من القرن السالف، حيث أخذ القادة الجدد غير المؤهلين وغير الأكفاء في إدارة دفته. وهؤلاء ووفقا لما ذكرنا في صدر المقال كان الهاجس الأمني هو الأول، والذي اقتضى بموجب عقليات معينة، البحث عن أعداء وإن لم يوجدوا، يختلقون، وأخذوا في التصنيف والإقصاء، وبالطبع تدهور القطاع، خصوصا بعد أن شاخ الكبار الأوائل، ولم يحل محلهم من يوازيهم حبا للوطن وساكنيه، بل جاء قوم يقتاتون على الصراخ والتطبيل والاستعراض، بل وأحيانا في اتخاذ قرارات حمقاء لم تورث البلاد إلا الجهالة (نشير إلى القرار بالغاء تعليم اللغة الإنجليزية بدواع واهية تستند على الاعتزاز باللغة العربية، فماذا كانت النتيجة؟ ضعف مستوى الخريجين وضعف اللغة العربية، لضعف مستوى التعليم بصفة عامة، فتجد اليوم خريج جامعة بالكاد يستطيع فك الخط ناهيك عن الكتابة به، ولا تسأل عن اللغات الأجنبية!

أما قطاع الصحة، فلن نتجنى على أحد، ولن ندخل في التفاصيل، فقط انظروا إلى الطائرات اليومية المتجهة لبلدان الجوار تحمل المرضى الذين يبيع معظمهم الغالي والرخيص ليذهب خارجا يبحث عن علاج من أسقام لم يعد لدينا من يعتني بها، وإن وجد، ففظاظتهم وغطرستهم وسلوكهم وسوء تأهيل بعضهم مع الناس تجعل المريض يزداد مرضا، ويفقد الثقة في كل ما هو طب أو تحليل أو إيواء في ليبيا.

لا نتجنى على أحد، الشواهد الظاهرة للعيان تكفي، ونحن لا نقول إلا بما نرى عيانا، ويراه الناس، اللهم إلا إذا كنا نحن والناس من ذوي البصر الكفيف أو من فاقدي البصيرة، لا تعليم لدينا يستحق الاسم، ولا طب ولا طبابة كذلك. ولا تسأل يا سيدي  المواطن عن عشرات إن لم تكن المئات من مليارات الدنانير التي رصدت من قبل الدولة لهذين القطاعين، إن أخبرناك بذلك فقد تصاب بسقم أو تزداد وطأة ما أنت به سقيم!

الذين تولوا إدارة القطاعين بالدرجة الأولى هم، من "شلة" اللجان الثورية (فهي قد صارت شلة بعد أن حادت عن مهمتها الرئيسية في تحريض الشعب على ممارسة سلطته وعدم تولي المناصب في الدولة! وفقدوا أو ضاعت منهم شروط  ومؤهلات الالتحاق التي حررت كأنها متطلبات دخول الجنة).

وعلى الرغم من كل ذلك، ما زلنا نكن الاحترام لبعض أعضاء اللجان الثورية من ذوي الصيت الحسن، خصوصا في الجيل الجديد اليافع الذي لم يتلوث بعد.

وباختصار شديد

محصلة الكلام، إذا أريد لهذا الوطن ليبيا، أن ينصلح حاله، ففي رأينا الخاص المبني على ما نراه:  فيجب فورا أن يترجل أعضاء اللجان الثورية عن جميع مهامهم التنفيذية في الدولة، من الوزير إلى أدنى المراتب.. وليس في التعليم والصحة فقط، بل في كل القطاعات. كفانا تخلفاً، لقد اكتفينا وشبعنا خطب الإنجازات التي لا هم صانوها ولا استفاد منها من أنشئت من أجله، أي السيد المواطن!

لن يمكن أبدا إصلاح البلاد أو ينجح أي من مشاريع الإصلاح طالما بقي هؤلاء في متاريسهم. لقد كانت لديهم المقاليد والأعنة، ووضعت تحت أيديهم المليارات، ولاجدوى رأينا ...

كأننا لا حفرنا ولا جربوعا نتق!

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) سبق لي نشر هذه المقالة بصحيفة القدس العربي ، الخميس 13/5/2010.
       المقالة لم تنشر في صحيفة أويا ، ربما لأسباب فنية.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home