Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

السبت 14 مارس 2009

بنغازي العصيّة "افتراضا".. المدينة وثقافتها (*)

رمضان جربوع

استنباط المفاهيم والقيم وبواعث السلوك
ليس من السهل التحدث عن مدينتي، فأنا بها الشغوف العاشق، وممارسة النقد الذاتي أو التقييم المجرد قد لا يقع على هوى من يحبها أو حتى من يبغضها، ومع ذلك "ثقافة المدينة" قائمة وحية كمجموعة مفاهيم، تحكم وتتحكم في سلوكيات أهلها، التي تنبني على قيم معينة في هذه المفاهيم أو المعايير، منها السلبي المستنكف حتى من بعض أهلها، ومنها الإيجابي المحبب حتى لغير أهلها.

ونستعرض ...
عوضا عن سرد "خصوصيات" أهل المدينة أو تاريخها مطولا، سأحاول التنقل ما بين سمة وأخرى من سماتها، ثم إيراد ما أراه تفسيرا لها، وقد يتفق معي أو يختلف الكثير في ذلك، ولما كنت غير محتكر للحقيقة، والتي لا أحد يستطيع الإدعاء بامتلاكها، فالقضية مطروحة لمن يريد التطرق إليها.

بنغازي العصية والنافرة
هذه سمة لصقت بالمدينة من أواسط القرن السادس عشر، أي بعد قرن ونيف من تأسيسها، أو إعادة تأسيسها من قبل جماعة من تجار مصراته وزليطن ولاحقا تاجوراء وطرابلس، تآلفوا وتوافقوا مع سكان المنطقة السبخة شبه الصحراوية التي تقع بها بنغازي [1] وازدهرت بنشاطها التجاري، وصارت مركزا حضريا يجمع بين ثقافة الحضر وثقافة البادية، ما شكل توليفة فريدة، ربما لا تشاركها فيها إلا مدينة عمّان بالأردن، وقد نستطيع تسميتها "الحضربدوية".. لم يكن هنالك حكومة وخدمات ولا ضرائب، ولم تكن المدينة في حاجة لأحد، فقد نبتت بنفسها، وأخذت في الازدهار بتوافد المهاجرين إليها من كافة أصقاع ليبيا من دون استثناء وإلى يومنا هذا، ثم اندماج هؤلاء في لٌحمة واحدة .

مجيء آل عثمان
العثمانيون وصلوا المدينة بعد تأسيسها بقرابة 130 سنة، شيدوا بها قصرا للحاكم، وثكنة عسكرية، وأخذوا في جباية العشر لصالح بيت المال، ومن هنا تولد "النفور" وعدم الاستجابة مع "السلطة" القادمة، وهي السمة التي استمرت ربما حتى يومنا هذا. قد يكون رد الفعل هذا دفع بباشا طرابلس العثماني إلى إخضاع المدينة بقسوة في المعاملة، إلى جانب عدم الاهتمام والإهمال بسبب هذا النفور الذي أصبح متبادلا.
ولقد عانت المدينة كثيراً من حملات جباية العشر المتكررة، بلغت حدها الأقصى في سنة 1816 حين دبّر يوسف باشا القرمللي مذبحة "الجوازي" الشهيرة، التي قتل فيها أكثر من عشرة آلاف من قبيلة واحدة وكافة شيوخها، بسبب تمنعها عن سداد الضرائب. ولم يكن لسكانها حيلة في مقاومة الحاكم سوى أن يتخذوا تجاهه موقفاً سلبياً مشوباً بالكثير من الازدراء، فيما عدا القلة القليلة التي كانت تعمل ضمن كوادره.

الطبيعة الخاصة
سكان المدينة لم يستطيعوا تفهّم منطق الجباية من دون مقابل، فهم يعتبرون المدينة ملكا لهم، لأنهم هم الذين بنوها، وصارت عاصمة للإقليم المحيط بها (برقة) كله، ولم يكونوا في حاجة لأحد. لم تلن عريكة المدينة أبدا لأي سلطة تأتي إليها مهيمنة، وتملي عليها شروطها بدون تحاور أو مقابل حق. وتكررت سمة "العصيّة"، أو هكذا يقال، مقابل كل من آلت إليه المدينة من أتراك (بحملاتهم العسكرية المتكررة) وقرملية (بقمعهم الدموي) وطليان (بجبروتهم وحملات الإبادة والاعتقال) وإنجليز (بدهائهم ومحاولتهم فصل بنغازي وإقليمها برقة عن بقية ليبيا)، بل وحتى سنوسية (عندما غضب عليها الملك بعد مقتل ياوره المقرب إليه)، وفي عهد الثورة بشكل أو آخر بفعل بعض المجتهدين الذين جعلوا حاجزا بينها وبين سكان بنغازي بتسلطهم وعدم قدرتهم على فهم "طبيعة المدينة الخاصة) بل وحتى تصويرهم لها كمنطقة غير آمنة! [2]

الحيرة في فهم التوارث
تختفي السمة تارة وتعود للظهور، ويحار المرء في إمكانية اعتماد مبدأ توارث السمات السلوكية عبر الأجيال، فما يتوارثه الأبناء عادة يتمثل في ما تنتجه الجينات، ولكن ظهر مؤخرا مدرسة في علم الاجتماع باستراليا تقول بإمكانية ذلك، أي أن التوارث العضوي قد يحمل معه وراثة سمات السلوك السالف للأجداد أيضا. على العموم نكتفي بالقول بأن ما يتعلمه الطفل في بيته من سلوكيات ومفاهيم أو تناولات سياسية يترسخ في ذاكرته، وينحو منحاه ويورثّه بدوره لذريته، مع الإشارة إلى الطبيعة الحضرية الخاصة بمدينة بنغازي من حيث إنها مزيج ما بين طبائع البادية والحضر، فلا هم بادية ولا هم حضر، أو أنهم يجمعون بين جسارة البادية واعتزازهم بالذات وأنفتهم، وحنكة الحضر المفترض انضباطه بالسلوك المتطلب مدنيا، طبقا لمقتضيات الحياة الحضرية وقوانينها نوعا ما.

"العصيّة" سمة رد فعل
سمة "العصيّة" كما أسلفنا هي رد فعل ذاتي لوضع غير مستحب أو معاملة قاصرة، ويتمثل عادة بعدم الاكتراث بالسلطة وممثليها أو حتى السخرية منهم، ومن حين لآخر ينفجر بدون مقدمات، عندما يحدث حدث يخرج الغيظ الدفين أو ارتفاع حدة الشعور بالغبن، ففي عهد الملكية خرج الناس يحتجون على عدم كفاية الخدمات في حالة جنازة شهيرة انتهت بمظاهرة عارمة وعنيفة، وتكررت في ستينيات القرن الماضي عندما خرج السكان مرة أخرى (الطلبة بداية) متظاهرين ضد الحكومة لتقصيرها في مناصرة القضايا العربية وفلسطين في أول القائمة، وقتل فيها لأول مرة طلبة برصاص الحكومة، وحدثت اضطرابات تطورت إلى عمليات سلب ونهب وحرق إبّان حرب 1967، تعرضت فيها ممتلكات يهود المدينة للدمار (خرجوا أو أٌخرجوا بعدها ولم يعودوا) وقتل فيها جنود بريطانيون في مدرعتهم وسط المدينة، وفي عهد الثورة كانت المظاهرة العنيفة الأولى منددة بإسقاط الطائرة الليبية فوق صحراء سيناء، وحدث فيها شغب كبير قاده غوغاء ضد المصالح المصرية، وتلا ذلك مظاهرات احتجاج الطلبة على نمط الخدمة العسكرية التي رأوها مجحفة بهم، إلى جانب مطالبتهم باتحاد مستقل للطلبة، وآخر الانفجارات كانت أحداث 17 فبراير 2006 التي تحولت من تظاهرة سلمية بمباركة الحكومة المحلية للتنديد والتعبير عن السخط في قضية رسومات الكاريكاتير الشهيرة أمام القنصلية الإيطالية، إلا أن القصور العقلي وبعض من خبث النوايا ربما لدى البعض من الأجهزة الأمنية حول المسيرة إلى مظاهرات عارمة، استعملت قوات الأمن فيها العنف المفرط، ما أدى إلى مقتل وجرح العشرات ودمرت فيها ممتلكات عامة وقاسينا فيها أياما عصيبة.

السمة بين الطمس والخروج
في تحليلي، ظاهرة "العصيّة" هذه موجودة، ولا يمكن نكرانها، ولكنها تظل دفينة ولا تخرج للسطح إلا لماما، عندما تحدث مواجهة مع ممثلي السلطة، وفي حسباني أن ما جعل المدينة في حالة عدم اكتراث أو فلنقل "عزوف" عن المشاركة الفعلية والانسجام مع المطروح من سياسات، يرجع في أصله إلى انعدام كفاءة من يمثل السلطة في المدينة [3]، وتكبّر البعض منهم على سكانها وإصرارهم على الإملاء، بل وأحيانا تدبيج التقارير التي توحي بفساد حال المدينة وكراهتها للنظام، وهذا غير صحيح إطلاقا، فمن المعروف أن بنغازي كانت تنتظر الثورة وخرجت بنفسها بدون نداء مناصرة لها، لأنها رأت فيها ما يتوافق مع طموحات الأغلبية وتوجهاتها القومية والإسلامية ورغبتها في طرد بريطانيا وأمريكا من على ترابها، إلا أن تطور الظروف وتولية أناس عليها من خارجها (وليس هذا وحده السبب) وهؤلاء لم يتفهموا الطبيعة الخاصة للمدينة التي لا تستكين بمجرد إصدار الأوامر، ثم الاستعمال المفرط للقوة كلما ظهرت بادرة استهجان أو اعتراض أو حتى مجرد "سلبية" في الموقف العام.
لقد كان من الأولى تفهم هذه الطبيعة الخاصة وسؤال أهلها مباشرة، وليس الاكتفاء بتقارير أمنية صادرة من جهات يقال إن بعض قادتها لا يكنون ودا للمدينة، ربما لعدم اهتمامها بهم وتعظيمهم وتبجيلهم، أو لمجرد سخريتها منهم.
والسخرية، وإن كانت أحيانا تحسب في سلبيات السمات، إلا أنها تظل ثقافة مزاج، هنالك من يتقبلها ويتعامل معها، وهناك من لا يفهمها ولا يستسيغها، وهي في نهاية الأمر وسيلة من وسائل التعبير عند الإنسان، وليست بالضرورة ذات منشأ عدواني!
هذه السمة العاصية صارت وبالا على المدينة وأهلها، فصنفت بمعاداة السلطة، وتكونت صورة جد سلبية عنها لدى رجالات الدولة (بفعل المشار إليهم أعلاه من أمنيين ومنافقين ووصوليين). ولا ندري إن كان ذلك توافقا بمحض الصدفة أو بتدبير ونية معقودة، فتقلصت أهمية المدينة، ولم يعد تقام فيها المشاريع الكبرى (نقص في الرعاية الصحية والبنية التحتية والمشاريع التي تنتج فرص العمل وتردي مستوى التعليم وتجهيزات النقل مثل المطار والميناء..الخ).
مستوى المدينة في منتصف سبعينيات القرن الماضي كان أفضل بكثير مما هي عليه الآن، ويشترك في المسؤولية، الأجهزة الأمنية وما شابهها، وضحالة مستوى من ولّي عليها، وكذلك نتائج سمة عدم الاكتراث، وهي:

عدم الاكتراث
من السمات الملاحظة بقوة في المدينة، سكانها؛ وأحيانا بدون وعي أو بمجرد الإحساس بغبن أو ظلم، يتولد لديهم نفور وعدم اكتراث كامل تجاه الدولة وما تفعله، فيعزفون عن المشاركة الفعالة التي كان يمكن أن تكون ذات نتائج إيجابية عليها، ويلجأون إلى تسفيه وتكذيب كل ما يصدر عنها. وهذا في حسباني رد فعل طبيعي يحدث عموما، ويتضح أكثر في مدينة بنغازي، ربما لما يشوبها من طبيعة خاصة، فهي عادة تكره الاستعلاء والاستعداء والإدعاء والتكبّر والتسلط والرياء، ومن يتخذ لنفسه منهجا كهذا من ممثلي السلطة لن يلاقي سوى الازدراء، وإن كان في الغالب لا يظهر على السطح، ولكن المرء يراه ظاهرا في أحاديث الناس وقفشات "السفترة" تجاه ممثلي السلطة أو من اقتنصوها لأنفسهم.

لا ينفع فيها لا مال ولا جاه
من قديم الزمان، وكما كنا نشاهده في شبابنا، أن يملك المرء مالا وفيرا أو منصبا كبيرا في مدينة بنغازي، فذلك لن يضمن له "احترام" المدينة، ففيها تلك الغريزة النافرة التي لا تحترم إلا من يحترم نفسه، ويحترم المدينة وسكانها. ومن يفعل ذلك، المدينة لا تحترمه فقط، بل تحبه وتحتويه وتذود عنه، ويصبح هو جزءاً لا يتجزأ منها وبل ويحب كامل الوطن ليبيا اعتبارا لكون بنغازي هي ليبيا المصغرة، ومن لا يفعل يعاني من العزلة عن نسيج المدينة [4]
لم أرَ مدينة يتساوى فيها المتعلم وغير المتعلم والثري والفقير في منزلة واحدة عندما يكونوا من طائفة المحترمين. ولقد عانى من هذه الظاهرة الكثير في جميع العهود، وأحب الكثير المدينة لهذه السمة.
صحيح أن لكل قاعدة شواذ، فشأننا شأن بني البشر، ففينا الغوغائي، والمتسلق والمنافق والمتسلط وفاسد الذمة الشرير والذي يعاني من أزمات نفسية، وقد تخرج سلوكيات نستهجنها، ولكن الرشد يكمن في معالجة مثل هذا السلوك بالتفهم أو محاولة الفهم والبحث عن السبب، وليس بمجرد استعمال القوة المفرطة والتصنيف السلبي.

عيوب أخرى
عدم الاكتراث، يحمل عيوبا أخرى، فالصفة الغالبة لسكان المدينة هي الكرم المفرط تجاه كل من يستسيغونه أو يفد عليهم، وأحيانا بما لا يقدرون عليها ماديا، وهنا هم يتصرفون في مداخيلهم "التي أصبحت محدودة" بدون أي تفكير في الغد، ولا يعيرون شأنا للتوفير أو التخطيط، يعيشون يومهم ويتبعون مقولة "رزق بكرة على بكرة" و"اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب".
أيضا، يظل في بعض الإدارات أناس من أهل المدينة، كان في استطاعتهم ببعض جهد واهتمام وتحمل وعثاء السفر إلى العاصمة والمطالبة لصالح المدينة، أن يحققوا بعض النتائج، ولكن للأسف استنكفوا بسبب "عزة النفس" و"الأنفة"، غير المجدية، وإن كانت مستحبة لدى البعض، ولكن حس المسؤولية له حدود بسبب الإعاقة الذاتية التي تولدت من حالة "العصيّة" وتلك "الطبيعة الخاصة" للمدينة، وأيضا عدم الاكتراث وكأن الناس ارتضوا ما هم فيه، وعزفوا ...

ربـّاية الذايح
هذه سمة فريدة للمدينة أيضا، فكما أسلفنا، يستطيع المرء أن يعيش فيها ويستقر إن توفر لديه حس الاحترام، والمعنى أنها تحتضن كل "ذائح" أو تائه عن "ربعه"، ويستشف زائرها الشعور بطيب المقام والراحة، فكم من طالب جاء للدراسة فيها، استقر ولم يغادرها، وحتى وإن غادرها لا تزال بنغازي تخطر عليه بسرور وحنان، وهذا ينطبق على الأجانب من كافة البلدان أيضا. ولتفسير هذه الظاهرة لم أجد سوى طبيعة نشأة المدينة من أخلاط قوم، ففيها سكان تنحدر أصولهم من جميع أرجاء ليبيا كافة وبدون استثناء، ومن ثم لم يكن بها حس الإقصاء والاستبعاد للمقيم العابر فيها، بل أذهب إلى القول بأن هنالك عصبية ما تولدت في المدينة متجاوزة كل العصبيات القبيلية والشللية، تتلخص في الانتماء لها، وهي في ذلك تعبر عن الانتماء إلى "ليبيا" الوطن، فالوطن لدينا واضح جلي، وبنغازي هي بوتقته المصغرة التي يحلو للبعض القول بأنها هي التي صهرته، أي الوطن، بالمفهوم الحديث لليبيا كوطن [5]
وهي عروبية قومية حتى الثمالة، وهي إسلامية، تقليدية خفيفة وأحيانا مغالية، وتطورت مع المد والجزر في العالم الإسلامي فصار فيها الإسلامي المعتدل والمتطرف والمتساهل. وأهلها يعشقون السياسة والتحليل السياسي منذ أزل، بل يكاد يكون هو الوسيلة الوحيدة لقضاء الأمسيات، قضية فلسطين لديهم مقدسة، وقبلها كانت الجزائر، وحارب شبابها فيهما، (ولا زال بعضهم بدواع مختلفة) بل حاربوا أيضا في البوسنة والشيشان وأفغانستان والعراق، ولا أدري أين بعد ذلك!

أهل بنغازي وتحاليلهم
من صاحب أصغر حانوت إلى الثري المكين، ومن طالب شاب إلى الأستاذ المخضرم، الكل يحلل شؤون السياسة العالمية والعربية والإسلامية، وخرج من بينهم العديد من ألمع الكتاب والشعراء، ولكن في المدة الأخيرة قل عدد القراء، ربما لارتفاع أسعار المقروءات أو لضحالة المعروض منها، ولكن قراء طرابلس لا زالوا يقرؤون، ويحبون ما تكتب بنغازي .

لا أحد يريدها عاصمة
لم ألتق ساكن واحد من أهلها يحبذ مدينته "عاصمة"، طبعا تدغدغ مشاعرهم عندما تقول لهم بأن بنغازي هي "العاصمة الثقافية"، وإن سألت لماذا، يقولون بلسان واحد "فكّنا من الهرجة"! هم يحبون أن يتركوا وشأنهم، على شرط طبعا أن ينالوا حصتهم من الثروة ومشاريع البنية التحتية، فالمدينة مثلها مثل العديد من مدن ليبيا تعاني أشد معاناة من جور بعض المتنفذين في العاصمة، عندما يتعلق الأمر بتوزيع الحصص!

وحالها اليوم
المدينة اليوم من الناحية المادية شبه ميتة، فقيرة مدقعة متهالكة البنيان، نتيجة الإهمال والعقاب شبه الجماعي لأهلها (الذي يعتقد به البعض منهم) نتيجة تطرف بعض أبنائها ممن استغرقوا في سمات المدينة، أو بالأحرى نتيجة للعسف والإفراط من قبل من تولوا شأنها ووضعوا جدارا عازلا بينها وبين سدّة القرار، وكأنها معادية وكارهة، وهي ليست كذلك، ما يحدث في المدينة رد فعل، وليس فعلاً أصلياً، والناس لم يعودوا مكترثين بما سيحدث، يخرج البعض منهم أحيانا فينضم إلى تنظيمات العنف أو يبحث عن هجرة بعيدة، أو ينزوي في صمته في الشارع، ولا يتنفس إلا عندما يلتقي في جلسات الصحب. الحالة ليس ميؤوساً منها، فهنالك تباشير قد تكون مفرحة، والتغلب على هذه الذهنية، سواء عند سكانها أو السلطة، ليس بصعب، المدينة تعطيك انطباعاً مفاده:
إذا أتيتها باعا، ستأتيك ذراعاً!

وبعد ....
هذه بنغازي وهذه سماتها وطبيعتها بإيجاز، إذ لو أطلقت العنان لحبرت صفحات وصفحات، وهي ليست حالة شاذة، ولكنها هي هي، ذات ثقافة، بمعنى مجموعة قيم وسلوكيات ومعايير، تتكون بفعل المعايشة عبر قرون وتترسخ، وهي ليست نشازا، فمثلها كثير، وليست فريدة بالثقافة، فلكل مدينة ثقافة ونمط سلوك وآليات تعيير وقياس، وهي ليست أفضل من غيرها، ولكنها جد غيورة على نفسها إلى حد الحمق أحيانا، وهي تتطور مثلما تتطور كافة المدن والثقافات، وهي لا تكره، ولكنه تعزف وتبتعد، وهي لا تنسى، فذاكرتها فريدة البنيان، وهي تغضب، ولكنها تصالح، ولا أشكال في ذلك إن توفرت شروط، والأهم أنها لا تبحث عن ثأر ولم تفعل، الاستعداد متوافر دائما للتواصل وإعادة المياه لمجاريها بحبر ضرر وكلمات طيبة عن نوايا طيبة.

(1) سموها الإغريق الذين أسسوها في سنة 600 قبل الميلاد تقريبا، هيسبيريديس أي حدائق التفاح الذهبي، ثم أعادوا تسميتها بيرنيكي على اسم ابنة ملك قورينا، وعٌرّب الاسم بعد الفتح الإسلامي إلى "برنيق" التي اندثرت في بداية القرن الثاني عشر، وأطلق اسم الولي الصالح "سيدي غازي" على مرساها حيث عرف بمرسى "ابن غازي" واستقر اسم المدينة أخيرا على بنغازي.
(2) للدلالة على ذلك نذكر أنه في السنوات الأولى كان القائد يتجول في المدينة منفردا بلا حراسات ويتحدث مع سكانها الذين يعرفهم خلال إقامته بها، ولكن التقارير الأمنية أخذت ترسم صورة جد بشعة عن حالة الأمن بها وعن "عداء" مستحكم للثورة، وهذا غير صحيح، فإن كان من عداء فلا يرجع إلا إلى عسف وإفراط بعض المسؤولين عن المدينة.
(3) عن عدم الكفاءة، نذكر على سبيل المثال، وعلى الرغم من تخصيص الأموال الطائلة، نرى مستشفى الهواري الذي أقفل منذ حوالي 17 سنة لإجراء صيانة له، وإلى الآن لم تتم وحرمت مدينة بنغازي من أربعمائة سرير ولم تعوض، ناهيك عن مستشفى الألف ومائتي سرير الذي لم ينجز إلى الساعة وقد قارب العمل فيه قرابة 36 عام، وأيضا قصة "عميد البلدية" الذي أرجع مبلغ 18 مليون بدعوى أنها زائدة عن الحاجة، وعندما وصل الخبر لرئيس وزراء البلاد في ذلك الحين، وفي عهد الثورة، قال صادقا: إن هذا العميد إما أنه لا يسكن في مدينة بنغازي أو أنه كذاب، لقد زرت المدينة بنفسي ورأيت أحوالها ولم أستطع السير في شوارعها مما تعانيه من حفر وإهمال واضح، كان ذلك منذ ثلاثين سنة مضت ولا زال الحال على ما هو عليه إن لم يكن أسوأ.
(4) تروى طرفة حقيقية عن أحد سكان البلاد ممن كان يملك المال والجاه، كان يعمل وزيرا في طرابلس ويلاقي هناك المعاملة المستوجبة في مدينة حضرية قديمة خالصة، عندما يرجع إلى بنغازي يذهب للجلوس على دكانة في شارع عمر المختار فيأتي أحدهم من عامة الناس من خلفه، و"يفقرع" على رأسه الخالي من الشعر (خبّاوة) بكفيه قائلا: أنت جيت يا لصلع؟ ... الوزير كان سعيدا بذلك ولا يستنكف.
(5) عن كون بنغازي "ليبيا مصغرة" ومتواصلة مع بقية البلاد، شهد بعض المسؤولين الكبار في العهد الملكي خلال مداولات محكمة الشعب بأنهم كانوا يعتبرون بنغازي "ترمومتر" ليبيا، فإن كانت مرتاحة فليبيا مرتاحة.

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة القدس العربي / لندن ، 12/3/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home