Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

السبت 14 فبراير 2009

الحراك السياسي في ليبيا قديما، التيارات والمؤثرات (*)

رمضان جربوع

في بلادنا هذه الأيام نوع من الحراك السياسي انطلق منذ فتح الأبواب أمام كتابات الرأي بصحافة ما صار يعرف بصحف الغد، إضافة إلى إعلام مرئي جديد شكلا ومضمونا تمثله قناة الليبية وبعض محطات الإذاعة المحلية، يحدث ذلك بعد انقطاع لعدة عقود لإسهامات من قديكون له رأي مختلف، وهي بدون شك مؤشر على نضج وثقة ونية عازمة على التطور في كل المجالات، وأهمها طرح رؤى أخرى لتناول الأحداث، السابقة والحاضرة، وتحليل لمشاكل تعاني منها البلاد، ككل بلدان العالم، ومن ثمن تقديم أفكار وآراء بحلول وهو دون شك قفزة نوعية وانفتاح مستحب.

من هواجس الذاكرة
خطر لي أن أتحدث عن فترة ماضية عاشها جيلي، مفعمة بجدل دائم وحراك سياسي اتخذ عدة أوجه، من تظاهرات وتنظيمات سرية إلى جلسات حوار في الثقافة والسياسة، كان يحلو للبعض منا إطلاق مصطلح "النضال". اليوم عندما أنظر خلفا إلى تلك الحقبة أراها تفاعل عفوي وسط خضم تيارات فكرية متعددة واهتمام منقطع النظير بشؤون الوطن والموقف حيال "الآخر" الذي هو الغرب المتواجد عندنا سياسيا وعسكريا (القواعد العسكرية والتماثل مع سياساته مقابل العون الاقتصادي) من ناحية، ومن أخرى الغرب الحاضر في الذاكرة من خلال الاطلاع والقراءة في نصوص الأدب والفكر الغربي المترجم. وبين هذا وذاك، كان المؤثر الأساس ما يرد إلينا من كتب وصحف من الشرق (مصر ولبنان بالدرجة الأولى)، في حسباني عند المراجعة؛ كنا بكل بساطة نعيش فترة البحث عن الذات أو الهوية، بمعنى من نحن وماذا نريد؟ قبل استعراض الحراك في تلك الحقبة لا بد لنا من المرور على أهم عناصره من الناحية التاريخية بإيجاز.

الحقبة الأولى من انقضاء الاحتلال إلى الإستقلال
عند اندحار قوات المحور على أيدي الحلفاء، وخروج الألمان والإيطاليين في سنة 1943 (العسكري والسياسي) من ليبيا آلت البلاد بفعل الحرب إلى وصاية بريطانيا في الشمال وفرنسا في الجنوب، وحاولت بريطانيا لبرهة إنشاء إمارة برقة وفصلها عن بقية البلاد تحت لواء السيد ادريس السنوسي، وقبل البعض من السكان بالمبدأ على أساس الدعوة لوحدة الوطن فيما بعد، إلا أن التيار الجارف في ذلك العهد خصوصا لدى شباب تلك الحقبة كان يعارض ذلك بشدة وتواصل وتوافق مع حركيين في طرابلس وفزان، وأخذت فكرة الاستقلال كدولة موحدة تترسخ وتحظى بتأييد شعبي جارف، وبعد محاولات غربية لتقسيم البلاد تحت وصايات (بريطانية في الشرق وإيطالية في طرابلس وفرنسية في الجنوب) خلص الرأي في الأمم المتحدة (الجمعية العمومية كان لها شأن أقوى مما هو الآن) إلى إيفاد بعثة لدراسة الوضع ميدانيا، وقامت اللجنة بالتواصل مع كل طوائف المجتمع والشخصيات البارزة في كافة أنحاء البلاد، انتهى الأمر باعتماد مبدأ الاستقلال وصياغة دستور يتوافق مع ظروف البلاد المحلية، وهكذا كان

تلاحم نخب الشيب والشباب
كان للنخبة المثقفة ومشايخ القبائل والزعامات الاجتماعية والسياسية، تأثير باهر على ما آلت إليه البلاد في ذلك الحين، هذه النخبة، التي تسبقنا سناً، وتتفوق علينا اليوم حكمة، كانت محلية النشأة في معظمها، تتمتع بوعي وإدراك متقدم، خريجي الجامعات كان عددهم جد محدود (ربما في حدود الثلاثين في كامل البلاد)، إيطاليا المستعمرة لم تكن تعني بتأهيل كوادر محلية عليا، ومن استطاع التعلم كان بمجهود خاص في مصر أو بلاد الشام وتركيا وقلة قليلة جدا في إيطاليا. ومن لم يتح له في حينه التعلم والتثقف المنهجي، كان في إمكانه التعلم والتثقف لدى شيوخ العلم التقليدي الذي قاموا فينه بدور جليل عظيم الأثر، ونذكر منهم على سبيل المثال الشيخ الصفراني في بنغازي، لقد كان الرجل "جامعة" بذاته تخرج على يديه، وهو الأعمى البصير، جل نخبة المدينة ومن ثم البلاد، استقوا منه أساسا متينا في علوم الدين اللغة – وهي إطار الوعي ووسيلة التلقي والتصور- والأدب ومناهج التعلم والبحث والحوار والخطابة، بل إن معظم من برز من الحراكيين السياسيين في البلاد كان قد تعلم منه شيئا. نذكر أيضا فضل المدرسين المصريين الذين تطوعت مصر أيام الملك فاروق، وبعده محمد نجيب وجمال عبد الناصر، بإيفادهم ضمن بعثة تلعيمية على نفقتها، لم تكن الدولة تستطيع أن تفعل أكثر من توفير سكن لهم، وهؤلاء كانوا من أعظم الرجال تأهيلا ومهنية وتركوا في جيلنا أثرا لن يمحى ولن يستهان، كانوا يؤدون رسالتهم بقدسية بل ويتطوعون للتعليم الليلي مجانا، في تلك الفترة كان التعلم عشقا لا يشفى غليله، الكل كان يريد أن يمتلك ما فاته بعد غياب المستعمر البغيض، يضاف إلى ذلك ما كان يرد إلينا من صحافة وكتب مصرية (منذ العهد الإيطالي) وكذلك بعض شباب ذلك العصر الذين استطاعوا مواصلة التعليم الإيطالي حتى مرحلة الثانوية الصناعية (الحد الأقصى المسموح به لأقل عدد ممكن) وهؤلاء كانوا يتقنون الإيطالية وبالتالي أتيح لهم الاحتكاك بالفكر الغربي وتياراته الأدبية والفكرية (من أبرز المؤسسات الأهلية التي قامت بدور فعال كانت جمعية "عمر المختار" في المنطقة الشرقية من ليبيا انطلاقا من بنغازي)

ثقافة الحقبة
هذا الزخم كان يشكل ثقافة تلك الفترة لنخبة البلاد، والفاعلين سياسيا فيها، شكلوا إلى جانب حكماء ومشايخ القبائل قوة مؤثرة أدت إلى ترجيح استقلال البلاد لدى منظمة الأمم المتحدة على غير ما تريد بريطانيا وإيطاليا، ثم وضعوا أسس الدولة الليبية في حينه واستطاعوا متكاتفين بناء أطر لها وتشريعات وأجهزة فعالة بقدر ما أتيح لهم من موارد محلية وبعض العون الخارجي، وعلى الرغم من الفقر المدقع وأميّة الغالبية وظروف البيئة القاسية التي كانت تعيش فيها البلاد، والتي أحيانا عند تفاقم الجفاف تؤدي إلى مجاعة تستدعي الإغاثة الدولية مع ظروف عناية طبية وصحية متدنية لم تكن تستطع مجابهة انتشار الأمراض والأوبئة إلا بقليل من عتاد.

الحقبة الثانية من الاستقلال إلى منتصف الستينات
نشأت الدولة كيمفا كان، ولم تكن تستطع التخلص من النفوذ الأجنبي بصفة كاملة المتمثل منذ البداية بتواجد القواعد العسكرية البريطانية والأمريكية الذي واصل بشكل أو آخر استمرار بقاء قوات "الحلفاء" بعد الحرب العالمية وإن كان هذه المرة بمبرر التصدي للاتحاد السوفييتي والموقع الاستراتيجي للدولة حديثة النشأة حيث تقف على البوابة المؤدية لقناة السويس شرقا وضفاف البحر الأبيض شمالا، و يفهم هنا، ضمنا، محدودية خيارات السياسة الخارجية الليبية والمبرر المقدم الحالة الاقتصادية الضعيفة والحاجة للدعم، المحصلة كان انحياز ليبيا كدولة لمعسكر الولايات المتحدة وبريطانيا، حتى وإن كان مضمرا لا معلنا، ولم يمنع ذلك من تواصل الدولة مع بقية الدول العربية وخصوصا مصر الجارة.
تغيرت المعطيات الاقتصادية قليلا من جراء توافد شركات النفط الغربية على البلاد وإنفاقها لمبالغ طائلة في سبيل التنقيب والبحث عن النفط والتي كللت بالنجاح بمطلع الستينات، إلا أن مجرد دخولها للبلاد أتاح فرص عمل عديدة لكافة القطاعات وصاحب ذلك نشاط القطاع الخاص في مجال الخدمات المتطلبة مما وفر نوعا ما السيولة المالية لدى مختلف فئات المجتمع كذلك أدى لابتداء هجرة سكان الدواخل على مدن الحضر قليلة العدد والكثافة أصلا، بحثا عن فرص عمل وخدمات لم تعد متوفرة حيث كانوا، فتضخمت المدن على حساب الداخل.
سياسيا لم ينقطع التأثير الأجنبي على الدولة، بل بعد ابتداء تصدير النفط أرتأت المصالح الأجنبية ضرورة توحيد البلاد تحت حكومة مركزية لتسهيل التعامل معها والغي النظام الاتحادي الفدرالي بسنة 1963 وصدر بذلك دستور جديد ورفعت صلاحيات الملك خصوصا فيما يتعلق بمجلس الشيوخ، والتعديل الجديد كان يحمل أيضا بندا لم يثر كثيرا من الاهتمام في حينه، ففي إحدى مواد دستور سنة 1951ـ لم يكن يشرع صراحة بحرية تشكيل الأحزاب ولكن كان هنالك نص يجيز الحق بتشكيل مؤسسات المجتمع المدني بأنشطة مختلفة وكان يمكن للنشاط السياسي أن يدخل ضمن ذلك، إلا أنه لم يتم العمل به إطلاقا لأن ذات النص يشترط موافقة الجهات الرسمية ، ولم يتم تفعيل هذه المادة أبدا ولم يسمح بتأسيس الأحزاب السياسية على وجه التعميم، في نص دستور 1963 تم إسقاط هذه الإمكانية من أساسها وبقيت المادة الواردة بخصوصها كما هي ما عدا الحق المذكور، وقد نستنتج من ذلك التدخل الأمريكي تحديدا.
السبب في ذلك، إلى جانب إحكام السيطرة، يرجع غالبا إلى محاولة تقليص تأثير المد القومي والداعي للتحرر الكامل من الأجنبي والوارد على ليبيا من مصر عن طريق وسائل الإعلام وخطب جمال عبد الناصر.

الحراك السياسي والمؤثرات
كان هنالك معارضة بصفة دائمة لدى فئات المثقفين لتواجد القواعد الأجنبية في البلاد، بل إن لفظ المعارضة كان يطلق عموما على هذه الطبقة، فهي تتفاعل مع الأحداث بمنظور معتقدات سياسية، ولما كانت الأحزاب محظورة والصحافة لا تتمتع بالحرية الكاملة المنشودة، إلا أن الشارع الثقافي كان واقعا تحت عدة مؤثرات نذكر منها:
التأثير على المستوى الشعبي عموما كان لوسائل الإعلام المصرية (إذاعة صوت العرب على وجه الخصوص) وترسخت في الوعي فكرة القومية العربية التي لم تكن تلاق أي صعوبة في ذلك حيث أن "العروبية" كانت سمة واضحة لمعظم الناس، ويتبع ذلك الاشتراكية التي كانت إلى حد ما جديدة وإن كان تفهم في معظم الأحوال لدى عامة الناس بمعنى تأييد المعسكر السوفييتي ضد الغرب ووراء ذلك الغضب من دعم الأخير لدولة إسرائيل، قضية فلسطين وتحريرها متواجدة في الذاكرة الجماعية الليبية منذ زمن بعيد ولا تزال، مثلها مثل قضية الجزائر التي شدت قلوب الليبيين بجيمع فئاته.
إنشاء الجامعة الليبية في بنغازي (العلوم الإنسانية عموما) كان له تأثير آخر، فالجامعة منذ نشأتها كانت معمل اختزال ففيها كان يدرس نخبة من أعظم العقول العربية من مصر وبلاد الشام والعراق، وهم في الغالب من المبعدين عن بلدانهم، ولاقوا في المدينة تجاوبا وتعطشا للاستماع إليهم مباشرة أومن خلال طلبتهم، العامل المؤثر الآخر في هذه الجامعة أن عددا كبيرا من طلبتها كانوا من غرب ليبيا، وكانت إقامتهم بالمدينة متميزة حيث قبلوا لدى زملائهم والمجتمع عموما والتحموا سويا وكانت تجربة فريدة تحت مفهوم وشعار الوطن الذي صار مقبولا كما رسم وفاض من الجميع حس وطني مفعم.
النشاط الثقافي الأهلي كان عاملا فاعلا في نشر الأفكار والرؤى، ومن ذلك الأنشطة الثقافية في النوادي الرياضية وفي المقاهي واللقاءات والندوات كانت حافلة وتجمع عددا كبير من المتابعين، وكذلك المراكز الثقافية العامة (المصرية والبريطانية والأمريكية) وتداول الكتب بين القراء أصبح سنة معتادة لدى الشباب، كان هنالك عطش وشهية مفتوحة للتلقي والتعرف.
في فترة ما، بداية الستينات على ما أحسب، وفدت على البلاد الصحف والكتب من لبنان وكان لذلك تأثيرا نوعيا، فلبنان كانت تتمتع بحرية نشر غير معتادة في الدول العربية وتوفرت للجميع الكتب المرجعية الفكرية سواء من الغرب أو من أدبيات الحركات القومية الأخرى (البعث والقوميين العرب) والحركات التي تتخذ الإسلام مرجعية لها (مثل الإخوان المسملين وحزب التحرير) وختاما الفكر الماركسي واليساري بأنواعه، وللفئة الأكثر تعمقا، المطارحات الفلسلفية من الوجودية إلى الوضعية الواقعية ومن نيتشه إلى كيركغارد إلى سبينوزا . الخ آخر السلسلة، كانت هذه النوعية من الكتب تجد إقبالا تتفاوت درجاته بتفاوت مستويات القراءة، ولقضاء الوقت في ذلك الحين لم يكن هناك غير القراءة وقليل من السينما، إن كان لنا أن ندعو هذا بالحراك الثقافي، فلقد كان زاخرا مزدهرا دون شك.
نضيف إلى ذلك مؤثر آخر، ألا وهو رجوع الأفواج الأولى المتبعثة للدراسة في الخارج وتوليهم لمناصب هامة في الدولة ومن ثم تأثيرهم على قرنائهم ورؤسائهم ومرؤوسيهم.

الانعكاسات على الواقع
الانعكاس الأول على ساحة الواقع السياسي، هو تواجد وانتشار يكاد يكون عاما "لمعارضة" سياسية للنظام القائم تنبني على أساس المطالبة بجلاء القوات الأجنبية حيث لم يعد لها مبرر اقتصادي ثم التماهي مع القضايا العربية وعلى رأسها قضية فلسطين وإحكام الرقابة على شركات النفط الغربية والضغط عليها لتحسين ظروف العمل ومزاياه.
الانعكاس الثاني كان التأثير، نوعا ما، في الحركة النقابية التي أصبحت ظاهرة فعالة بتداخلات من فئة المثقفين وتواصلهم مع العمال وعلى وجه الخصوص في قطاع النفط
ثم وبدرجة عالية الأهمية، تأثير فئات المثقفين في صناعة الرأي العام ونشر رؤية أخرى غير تلك التي تسعى إليها الحكومات المتعاقبة وبالذات فيما يتعلق بارتباطاتها مع الغرب، وكان ذلك عن طريق الصحافة في نطاق المتاح.
نمو الشعور الوطني والتحام مواطنيه في لُحمة واحدة، وكما أسلفنا كان للجامعة الليبية دور مهم في ذلك.
إلى حد ما، نستطيع أن نذكر تأثير بعض المثقفين ممن وصلوا إلى البرلمان وقاموا بتنشيط العديد من جلساته بطرح قضايا عامة تهم المواطن، مثل محاربة الفساد (قضية شركة ساسكو على الخصوص) بل في بعض الأحيان كان البرلمان، أو مجلس الأمة كما كان يدعى آنذاك، ساحة سجال ما بين الحكومة و "المعارضة" نذكر هنا بالتنديد بمعاهدات القواعد الأجنبية والمطالبة بإلغائها.

نشير أخيرا، لتكون منظمات حركات سياسية سرية، واللجوء إلى ذلك كان حظر تشكيلها علنا، ومنها:
• الإخوان المسلمين، وهي بتأثير مصري مباشر منذ أربعينات القرن الماضي وقدوم البعض منهم كلاجئين، ورجوع بعض الليبيين بعد الدراسة في مصر وكان العديد منهم يحمل أفكار هذه الحركة، ولم يكن للحركة نشاط سياسي بارز وإن أكثر مناشطها دعوي وخيري.
• حزب البعث العربي الاشتراكي، ومنشأه كان بفعل بعض أساتذة الجامعة من بلاد الشام والعراق.
• القوميين العرب، وهي الحركة القومية التي لاقت إقبال من قبل الذين لا يزالون يكنون الولاء والوفاء لجمال عبد الناصر ولا تختلف كثيرا عن حزب البعث إلا في هذه الخصوصية، ومنشأ الحركة في ليبيا كان أيضا بتأثير أساتذة وموظفون من الشرق العربي، وبالذات الفلسطينيين منهم.
• حزب التحرير الإسلامي الذي كان يدعو لإحياء الخلافة الإسلامية ويدعو للعمل المباشر.
• الحركات اليسارية أو الماركسية لم يكن لها تنظيم سياسي ملاحظ، في معظهم كانوا نخبة من المثقفين لهم رؤية خاصة بهم وعددهم محدود وأكثر نشاطهم كان ضمن الحركات النقابية ينافسون بذلك حركة القوميين العرب.

هذه الحركات لم يكن لأي منها حشد شعبي يذكر، هي مجرد محاولات تنظيمية محدود العدد لم يتجاوز المنتسبين إليها بضع مئات في مجملهم ولكن تأثيرها العام من خلال أعضائها الذين يتمتع معظمهم بسمعة طيبة وأريحية وثقافة عالية بطبيعة مراكزهم وسلوكهم، كان ذي شأن لا ينكر.

كانت جميعا بالطبع تحت مراقبة وملاحقة الأجهزة الأمنية، ويقال أن ذلك لم يكن بالجدية والصرامة أو الحزم المفترض، ربما قد يقول البعض أن الملاحقة كانت لمملائة الدول الغربية التي كانت حريصة على أن لا يمتد المد القومي أو اليساري داخل ليبيا. الجميع من دون استثناء مشهود لهم بالوطنية وحب الوطن والغيرة عليه، وهو المفصل الرئيسي في توجهاتهم وكانوا على اعتقاد، كل بتياره، أن عمله لا يصب إلا في مصلحة الوطن، علاقاتهم ببعضهم البعض كانت عموما جيدة ولم يحدث اشتباك يذكر بينهم وإن كان ذلك لا يمنع حدوث المنافسة في المؤسسات التعليمية.

الخلاصة
لم يحدث الحراك السياسي التأثير المتوخي من قبل ناشطيه، ولكنه دون شك أسهم في تكوين رأي عام ينزع لفكرة القومية والهوية الإسلامية (الأشد وضوحا عند عامة الناس) بقيمها ومنهجها السلوكي، وكذلك إلى حد ما القبول بنوع من الاشتراكية تضمن عدالة اجتماعية، ولم يتيسر لها المضي في هذا لتعذر العمل المباشر عن طريق مؤسسات معترف بها، اللهم إلا بعض الجميعات التعاونية الإسكانية وما شابه من أنشطة خيرية وتعليمية، ولكن تظل مؤثرا موجودا في الذاكرة العامة للعديد من فئات الشعب وأسهمت في ترسيخ فكرة الوطن بين الناشطين من كل الألوان.

ramadanjarbou@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة القدس العربي / لندن ، وصحيفة قورينا / بنغازي ، 12/2/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home