Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الخميس 14 يناير 2010

مسعودة.. والأمن القومي*

رمضان جربوع

قصة المدفع المهرّب

البروج المشيدة والفلقة المشددة وأسوار الحديد وضعاف الإدراك لا يحمون أحداً، بل سيزعزون أي نظام

يحكى أنه في إحدى بلدان العرب ذات المؤسسات الأمنية الرهيبة عددا وعدة، والعدد كما هو معروف يفيد الاحتمال بضعف إدراك وجلافة التناول من قبل البعض، يقولون أن "إحداهن" أتت بتقرير عن جلسة مؤانسة وكؤوس راح، دار فيها حديث عن مخطط اتصال بأعداء نظام البلد مع صحب لهم في دولة مجاورة، يبعثون لهم بأموال ويرسل هؤلاء لهم سلاح! والغاية؟ زعزعة أمن البلاد والوطن وبالطبع الاستيلاء على السلطة. 

البائس المضحك!

القصة تشبه النكتة الكئيبة من التراجيكوميدي، ولكن دعونا لا نستبق الخاتمة، الضابط المناوب عند استلام التقرير، كان عليه حسب ما جرى عليه العرف في مفهوم الأمن القومي المسؤول، الذي يفترض أنه يعمل ضمن القانون متقيا طائلة المساءلة، أن يقوم بالتقصي والتحري وربما التصنت والمتابعة وتجميع المعلومات (بعد إذن القاضي المختص حسب الأصول) وكل ذلك للتأكد من جدّية البلاغ وانتفاء الكيدية أو الانتقام من عدم تسديد الأتعاب وما شابه. إلا أن صاحبنا – لضعف إدراكه أو عدم تمتعه بالعقلانية- بمجرد أن رأى كلمة "سلاح" واسم الدولة المجاورة، ركبه ستة وستون عفريتاً وأصدر الأمر باعتقال كل من ورد اسمه في التقرير وباشر فور إحضارهم عملية "الفلقة" الشهيرة في بلاد بني يعرب، أي الطرح أرضا ورفع الأقدام بعد تقييدها ثم الانهيال عليها ضربا بالعصا حتى تتقرح وتدمي، وبعد بضع ضربات وسط الصراخ من الألم، يسأل المضروب إن قرر الاعتراف باستيراد السلاح وأين هو. بالطبع، وكما يقال، أصحابنا هؤلاء لا يعرفون شيئا عما يتحدث عنه رجل الأمن ولكنهم على أمل التوقف عن الضرب وتهشيم الأقدام كانوا على استعداد للاعتراف بأي شيء، ومن ثمة توالت "الاعترافات" نعم كانوا يستوردون الــ"سلاح"  بغرض قلب نظام الحكم! ... وعن طريق من؟ حسنا، هنا تكمن ظاهرة معروفة لدى ضحايا التعذيب المفرط مفادها توريط أكبر عدد من الأسماء التي عادة لا علاقة لها بموضوع التحقيق، والذي لا علاقة لهم به هم أيضا، ولكن الأمل ينبع من فكرة توسيع الدائرة لعل "الإخوة" يقتنعون ببلاهة الموضوع إياه، فما كان من أحدهم إلا أن قال بأن وكالة سفريات برّية هي التي تتولى الأمر واسم صاحبها فلان الفلاني.

استدعى ضابطنا المسؤول فلان الفلاني ومرّره على نفس "البروتوكول الفلقاوي" والرجل الذي لا يدري شيئا، قال أن الوحيد الذي يتعامل في مسائل توصيل الأمانات هو سائق سيارة نقل روميس يعمل على الخط وهو مواطن البلد المجاور. تم القبض على "العنصر" الأجنبي الداخل على القضية ولا نعرف إن قبض على ركاب رحلته في حينه، وبعد التعرض لمثل ما تعرض له أصحابنا الأوائل، أقر واعترف بأنه فعلا أدخل "سلاحا" ... انكشفت المؤامرة أخيرا، وما هو هذا السلاح؟ .. قال السائق عاثر الحظ الذي يظهر بأنه لا يعلم شيئا عن الأسلحة، مدفع يا حضرة الضابط مدفع على عجلتين .. 

مدفع؟ .. يا للهول!

مدفع؟ وكيف أدخلته، هنا وقع "المعترف" في شر معلوماته التي يبدو أنه استقاها من أحد الأفلام على الأرجح فأجاب، لقد ربطته في ذيل سيارتي وقطرته وسلمته إلى فلان هكذا بكل بساطة عبر الحدود والجمارك، وصدق صاحبنا رجل الأمن وأمر باستدعاء "فلان" من مقر سكنه الذي "اعترف" هو الآخر بعد التوظيب المناسب، باستلام المدفع وقال إنه أودعه منزل عمه في إحدى القرى النائية بالصحراء. تم إعداد حملة عتيدة على عجل توجهت إلى الصحراء إلى حيث بيت العم بحثا عن المدفع المهرّب، عمّنا هذا لم ير مدفعا في حياته ناهيك عن استلامه وتخزينه، فقال أنه لا يعرف شيئا، ولكن ضابطنا الهمام هدده بأنه سوف يحضر "مسعودة" ومسعودة هو الاسم "الحركي" للفلقة في لغة أهل الأمن والأمان، وتصادف أن اسم زوجة العم كان اسمها أيضا "مسعودة" فما كان من الرجل إلا أن قال "عطيك دعوة يا مسعودة ماذا عملت لي؟"  هنا أفاق الضابط من أوهامه وأدرك أن القصة مفتعلة بفعل "مسعودة" إياها فأقفل الملف وقفل راجعا ولبث المشتبه فيهم بضع سنين .... إلى أن وصل الأمر إلى رئيس الضابط الذي كان له بعض من الإدراك والوعي والمنطق، فأفرج عن ما بقي منهم فخرجوا وبهم الإعاقات التي سببتها مسعودة ولكم أن تتصورا ما أحدثته هذه الواقعة في صورة رجال الأمن القومي الذائدين دوما على سلامة تراب الوطن وحياضه!

لا ندري صحة تفاصيل الواقعة، ولكن لعلكم تذكرون ذلك "المجاهد" الذي اعتقله الأمريكيون وبعد تعريضه إلى "مسعودة" الأمريكية في غوانتانامو اعترف هو الآخر بأن صدام حسين كان يتعاون مع "القاعدة" ... ربما سيعترف أهل غزة يوما بأنهم كانوا يريديون شرا بأمن إحدى بلدان العرب! 

نظرية مسعودة باطلة ومخلة بالأمن

نظرية "مسعودة" في مفهوم الأمن تؤدي إلى عكس المرجو منها، فهي في الغالب تنتج الكوارث وتحدث القلاقل وتولّد الكراهية ما بين الحاكم والمحكوم وتٌفقد الثقة في غد أفضل أو إصلاح ذات بين أو حتى إصلاح ما عطب في وطن!

لو كان ضابطنا العربي وأمثاله من الأمريكيين على إدراك ووعي وعقلانية، لكانوا تيقنوا بأن كلام التقارير التي تؤدي إلى استعمال "مسعودة" لن تؤدي سوى إلى "اعترافات" قد تناسب ظنهم الأول الذي انطلقوا منه، إلا أنها في غالب الأحوال لا يعتد بها ولا تمت إلى الحقيقة بصلة، هذا إن كان هنالك "حقيقة" فعلا ..فقليلو الوعي والإدراك والكفاءة عندما يتولون مناصب فاعلة في أجهزة الأمن، في كافة أرجاء العالم، لا يحفظون الأمن ولا النظام بل يتسببون في قلاقل ومشاكل لا حصر لها للنظام والوطن

ممارسات الأمن يجب أن تكون خاضعة للقانون، يجب أن تكون تحت رقابة القضاء، وإذا أبعد القضاء عن السياق فسيختلط الحابل بالنابل ويداس على القانون شرعة المجتمع، ويستولي رجال الأمن-  في غياب الرقابة على سلوكياتهم-  زمام الأمور وستتولد حالة أخرى من انعدام الأمن المرجو أو ذلك المناط بهم الحفاظ عليه.. أي منظومة تعتمد "مسعودة" في تسيير دفة تحقيقاتها، سواء المتعلقة بمكافحة الجريمة أو بملاحقة المعارضة السياسية 

الضمان الوحيد

القانون والقضاء المستقل هما الضمان الوحيد على استقرار الأمن، وإن كان هنالك خشية من تولّد معارضة سياسية قد تتجه إلى العنف، فالأجدى قبل "مسعودة" السماح لمن له رأي آخر بالتعبير عنه فهو ليس بالضروة من المطالبين بانقلاب، إذا كان هنالك حرية تعبير واعتماد رأي مغاير فما الذي سيدفع الناس إلى اللجوء إلى العنف أو التآمر

"مسعودة" لن تحل مشكلة أبدا ...

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة "أويا" ـ طرابلس ، وصحيفة "القدس العربي" ـ لندن، الخميس 7/1/2010


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home