Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

السبت 13 فبراير 2010

أين ذهبت يا وطن؟*

رمضان جربوع

يصف أولي الأمر في بلدان العربان أنفسهم؛ بالوطنية، تُرى أين هو الوطن فيما يقولون ويفعلون؟ يختزلون مفهوم الوطن في أنفسهم، يتصرفون في أموال أبنائه وأمنهم وكرم عيشهم، المناط بهم إدارتها وضمانها بحكم عقد الولاية المفترض، وكأنه مصلحة تتوافق تماما مع مصالح أهل الوطن، يتحججون أحيانا بحكم السياسة والأوضاع الراهنة التي تحد من قدراتهم، ولم يسألوا أنفسهم أو يدعوا غيرهم يسألهم عن رجاحة ما يفعلون وإذا ما حاولوا، فقط حاولوا، تغيير هذه الأوضاع، طبعا لن يسألوا ولن يدع غيرهم يسألهم عن استمرار صحة انعقاد الولاية وعن مدى كفائتهم وجدارتهم، هل هرب الوطن منهم، وصاروا هم الوطن عوضا عنه؟

أولو الأمر قد يكونون ملوكا أو أمراء أو رؤساء أو سلاطين، ولكن من الطائفة؛ من هم أقل درجة؛ أي الذين يشغلون مقاعد الإدارة الأقل شأنا كالوزراء ورؤساء المؤسسات الحيوية ومدراء القطاع العام والخاص (الذين صارت شراكة بينهم وبين رجال أعمال 'الهدّة')، هؤلاء افتراضا؛ ملزمون بالحرص على 'المواطن' والتصرف بما يحقق له العيش الكريم واستغلال كافة الوسائل في سبيل ذلك، إلا أنهم صاروا في معظم بلدان العرب عبارة عن عاملين لحساب أنفسهم، يتوخون السلطة الفعلية العليا بعدم دس أنوفهم فيما لا يعنيهم، ويديرون الدفة كيفما اتفق شريطة أن ينالوا وصحبهم و"ملاعقهم" حصة الأسد فيما صار بالنسبة لهم: غنيمة!

ويا ليتهم اكتفوا بالقليل وأنتجوا وأثمروا، ولكنهم أهدروا المال عن عقم فكر، ومسبق عزم على البقاء حيث هم حتى لا تضيع الغنيمة من التحوصل في خزائنهم كلما حانت الفرصة. هؤلاء أكثر شرّا من سادتهم، لأنهم كانوا يستطيعون تخفيف عبء الحياة على المواطن والإسهام في تنميته، والنتيجة أن صار على ظهر المواطن سلطان أكبر وسلاطين صغار!

الكبار .. والصغار الأكثر شرّا

والسلاطين الصغار أتقنوا أشياء وفشلوا في أخرى، أتقنوا فن التزلف والتدليس و والتعليل والكذب والتبخير والتعطير لكبارهم، وفشلوا في فعل شيء ينفع الشعب حتى بموجب 'الزلفى' بل وحرموه من ممارسة السلطة والمساءلة.

من العار على هؤلاء في بلدان العربان، أن تصير هذه البلدان في ذيول قوائم التقييم العالمية من حيث النجاعة والحريات والكفاءة وحسن الإدارة، بل لقد صنفت في المقدمة في مجالات مثل الفساد والقمع وانعدام الكفاءة وإهدار الأموال وسوء الإدارة وتغييب الحرية المحاسبة. هؤلاء لم يختزلوا الوطن في أنفسهم، لقد هرب الوطن منهم، ولم يعترفوا بذلك وكذبوا على رؤوس الأشهاد بأن الوطن يقف من خلفهم ويدفعهم، حقيقة الأمر أن الوطن رحل عنهم وغادر .

يتناسى الكبار والصغار أن الوطن ومفهومه هو حبل السرّة الذي يمنح لهم الصفة، فلولاه لما استطاعوا التبجح بشرعية، وعندما يرحل عنهم الوطن؛ لن يكونوا سوى 'وكلاء' لمصالح الأغيار! الذين لا يكنّون ودّا لنا ولا لهم!

الوطن قد يكون رقعة جغرافية محدودة باسم وعلم ونشيد ومقعد في مجلس الأمم، ولكن ساكنيه لم يختاروه، لقد فرض عليهم من قبل الأغيار إياهم، الذين قرروا ومنذ قرن من الزمن على أن يصيروا هكذا، وساكني هذه الأوطان ما زالوا يحنّون بشكل أو آخر إلى وحدة ما وتآصر لدواعي الدين واللغة والثقافة والتاريخ المشترك، ترتبط فيه هذه الأوطان وتختصر ذاتها في الوطن الصغير الذي يضم كل من يسكن فيه ويعرّف نفسه به أولا بحكم الوضع وبرضاه الذي ورثه، ويتشوق إلى وحدة صف ما، إلا أنّ ما نراه، عدم اكتراث كامل وإنكار جهري بغير ما يريده السلاطين الكبار، يواليهم الصغار ومحبّري الصحائف وضاربي الدفوف بكل نغمة يقول بها هؤلاء الكبار.

ثمة وحدة أخرى، تفرض نفسها على الجميع، ألا وهي الوحدة والتشابه المطلق في كل ما يجري بأقطار العربان، من فساد وطغيان واستلاب ونهب لبيوت الأموال العائدة لشعوبها في الأصل، تراهم كلهم، أي حكومات السلاطين، تتبارى في أيها أكثر فسادا وأكثر بياضا في غسيل الأموال، وأكثر انبطاحا لدى عتبة الغرب، يتحدثون عن التآزر والتعاضد قولا، ويعملون عكسه سرا ووفقا لما يقولونه لهم عبر المراسيل والأوامر، وهم لا طاقة لهم أصلا على المقاومة، لقد أنبطحوا أول مرة ولم يعودوا بقادرين على النهوض والتغيير، مصائرهم لم تعد في أيديهم، يستخدمهم الغرب كما يريد وكما تملي حاجته، وعند انعدام الحاجة يهوي بهم إلى أسفل السافلين، أو هوّة المشنقة بكل بساطة أو بطلقة نار من قبل عساكره!

إذا كان الوطن هو الذي يضفي الشرعية، فمن أين لهم الشرعية عندما يرحل الوطن عنهم؟

ونسأل، أين ذهب الوطن؟

هل سرقوه؟ أخفوه؟ باعوه؟ أنكروا معرفتهم به أصلا؟ لم يعرفوه؟

الوطن ذهب عن العابثين به، ولكنه ما يزال كامنا في صدور ساكنيه وما يزال عزيزا

يصمت البعض ويعتكف ويترك، ولكن هنالك دائما من يشب ويتعلم ويدرك ما يجري، ولن يرضى عما رضي به أسلافه.

الوطن عائد لا محالة، مفهومه باق، وسيجد يوما من ينهض ويلوح به .

قد يكون من الأجدى، لمن ذهب الوطن عنه أن يتوقف وينظر خلفه وأمامه ويحاول أن يفهم ماذا سيحدث له وماذا سيقول الناس عنه بعد أن يغادر هو الآخر، عليه البحث والتنقيب في كتب وعبر كتب التاريخ البعيد والقريب منه أيضا.

لا نحسب أن ذلك سيحدث قريبا، ولكنه حتما سيحدث.

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة  "القدس العربي" ـ لندن ،  الخميس  11/2/2010


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home