Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الأثنين 11 مايو 2009

حسّ المواطنة والديمقراطية تلازم لا بد منه (*)

رمضان جربوع

التربية الوطنية والتمهيد للممارسة الديمقراطية شرطان لازمان لنجاح أي تجربة ديمقراطية بمعناها الواسع، وما يجري من حديث في أوطان العرب عن 'تجارب' لا تزال متعثرة وغير فاعلة لأسباب عدة، وقد يختلف الرأي في تقييمها وأدائها، والقصور لا يكمن فقط في أنظمة الحكم القائمة بل أيضا في قطاعات المواطنين بتعددها من حيث شبه غياب لحس وطني يصحبه قبول بمبدأ المواطنة وميثاقها الافتراضي، أو بتعبير آخر عقدها الاجتماعي وتوافق الناس على العيش معا ضمن حقوق وواجبات وحريات لا تتوقف إلا عند المساس بحريات وحقوق الآخرين وواجباتهم، وسياسة مكونات المجتمع تتحدد وفقا لما يعرف 'بقواعد اللعبة' وهذه في أبسط تجلياتها:
الاستعداد والقبول بالغريم في حالة فوزه وترجيح رأيه أو موقفه في حالة يكون ذلك ناتجا عن اقتراع أو تنافس عادل في سبيل التحصل على 'وضعية' ما، في نطاق المراكز السياسية والاجتماعية والإدارية وكافة الأنشطة التي يمارسها المواطنون بما فيها الرياضية.
نعتقد، من خلال متابعة مختلف التجارب الديمقراطية في أوطان العرب، أن تعثرها يرجع بالدرجة الأولى (وليس الوحيدة) لغياب الحسّ الوطني الذي نعزوه للتقصير في تدريس 'التربية الوطنية' الذي كان له أن يسهم في تنمية الحس بالوطن وبالقبول بالشركاء فيه ومن ثمة اعتماد 'قواعد اللعبة'، ولن يكتب النجاح لأي تجربة ديمقراطية ـ المحكومة بهذه القواعد- ما لم يترسخ شعور الانتماء للوطن والقبول بالشركاء فيه والتعامل معهم على أساس قواعد يسنها المجتمع بحيث تصبح من القيم المعتمدة عقائديا وسلوكيا، نبحث في هاتين القضيتين، فنقول:

التربية الوطنية غرس لحب الوطن
جيلنا من مواليد الأربعينات حظي بمناهج دراسية جيدة كان من بينها؛ مادة التربية الوطنية، لقد خرجنا من بيوتنا لا ندرك إلا أسرنا وجيراننا ولكن في المدرسة كان التعرف على الآخرين وعلى الوطن ونشأنا على حب الوطن فلقد كان حاضرا لدينا كل يوم بتاريخه وجغرافيته وأهله. وتشربنا مفاهيم المساواة، فلم يكن يتميز إلا من يبذل جهدا وتعلمنا المنافسة الشريفة أو إن شئتم الروح الرياضية في المساجلات والمسابقات ومباريات ألعاب الرياضة والفكر والأدب بأنواعها وأصبحنا ننظر لبعضنا البعض بأننا أبناء وطن واحد.

أي وطن؟
الوطن الواحد، كيفما تشكل وكما هو، سواء بفعل مقاسمات الدول الكبرى في حملات الاستعمار والاحتلال (معاهدة سايكس بيكو وما شابه) أو بفعل مؤسسين هيمنوا على أجزاء من مواطن العرب والمسلمين، أصبح حقيقة واقعة وذا كينونة سياسية، تتقوى بحس الانتماء إليه وتاريخ جهاد أهله في سبيل استقلاله، والانتماء بدءاً للوطن الأقرب حيث نعيش، ثم ووفقا لوعي وقناعة؛ الوطن العربي الأكبر أو وطن أمة المسملين. إلا أنه ونتيجة لتعاقب الزمن صار الوطن الجغرافي المعلن هو المنطلق، ويهمنا في السياق كمحدد لمفاهيم الولاء له والتعايش بين ساكنيه بمختلف طبائعهم و'قبلياتهم' وتنوع 'ثقافات' نواحيه، وهو أيضا عين العقد الاجتماعي الذي يحدث تلقائيا مشترطا واجبات وحقوقا نحوه ويفترض فيمن يسوس أمره كفالة حقوق سكانه وتساويها، ومن ثم ما يشكل مصالح للوطن يجب أن تكون هي 'المصلحة' في أي نشاط عام، أهليا كان أم حكوميا، والمنافسة على مناصب قيادة أو إدارة لا يجب أن يكون وازعها المصلحة الخاصة أو القبلية أو الفئوية أو الجهوية بل مصلحة الوطن أولا واخرا، والسلعة المعروضة من قبل المتنافسين على المقترعين هي الكيفية والرؤية التي تتم بها تحقيق هذه المصلحة. والشرط الأساس لتحقيق 'صفقة' مربحة، هي القبول المسبق من قبل المتنافسين على خدمة الوطن بنتيجة الاقتراع العادل، ولا مانع في أن تكون آراء ورؤى بعض المترشحين أكثر إقناعا لجماهير المقترعين وبالتالي تحوز غالبية أصوات أكثر من غيرهم، وهؤلاء لا يغمط حقهم بفعل مواطنتهم، فسيظلوا أصحاب رؤى وآراء، تطرح من جديد عند اقتراع جديد يدخل في حكمه هذه المرة أداء من سبقهم. والضابط لكل ذلك مصلحة الوطن وحبه، وإن لم يكن هنالك حب لهذا الوطن وحسّ بالانتماء إليه ككل واحد بكل خيوط نسيجه، فلن يكون هنالك وطن أصلا، ستكون هنالك مراكز قوة وتأثير متناثرة تحمي مصالحها الخاصة وقد تتحالف فيما بينها لضمان استمرار وضعية 'اللاوطن'!

عن النهج الديمقراطي سلوكا
العقد الاجتماعي، أو التوافق على العيش سواسية في موطن ما، يفترض الشورى في الأمور، وتخويل من يتم اختياره بإدارة الدفة، وهذه الشورى أو الديمقراطية حسب مصطلحات اليوم، تعتبر لازمة لضمان سلامة المجتمع المتوافق على المعايشة. كان الأمر في البداية سهلا، فهنا نجع وقبيلة وشيخ لها وتواصل مع قبائل أخرى ضمن توافقية معينة تتحقق بها مصالح مشتركة، إلا أن مفهوم الوطن والدولة الحديثة تجاوز رقعة القبيلة جغرافيا وأصبحت مقتضيات الحياة الجديدة مثل توزيع الثروة التي تعود للوطن على كافة مواطنيه بما في ذلك فرص العمل والترقي بالعدل، وتوفير الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة ثم القيام بأسباب الدفاع والعلاقات مع الدول الأخرى، هذه المقتضيات تتطلب وضعية أكثر تعقيدا وهي الإدارة العامة أو الحكومة، فلا القبيلة ولا شيخها بقادران عليها ومن هنا نستطيع القول بأن التوافق الاجتماعي الأصلي عليه الانحسار ليفسح المجال لتوافق وطني شامل، وهو باختصار الميثاق أو الدستور الذي يقول نصا وصراحة، بتكافؤ الجميع حقوقا وواجبات، وبأن لا ولاء إلا لرقعة الوطن الشامل، ولكي يتخلص الفرد منا من ولاءات لم تعد مجدية على الصعيد الأشمل، عليه التدرب على القبول بالآخر من غير قبيلته أو جهته أو ثقافته إن حاز تأييدا معززا بأصوات، وهذا لم يحدث حتى الآن في بلدان العرب، والسبب واضح في حسباننا: ضعف فكرة الوطن والمواطنة، وكما أسلفنا لغياب التركيز على التربية الوطنية التي تغرس في عقول وقلوب المواطنين، الوضع العالمي يتطلب ذلك، ظروف المعيشة الحديثة تمليها ومصلحتنا كأفراد أو جماعات لا تتحقق إلا بها.
وفي سبيل نجاح ذلك لا مفر من إدارة الدولة بآليات محددة في 'التوافق الاجتماعي' الذي صار الآن أو سيصير، نصا مكتوبا، ولن يتأتّى المتطلب منه إلا بالنهج الشوري/الديمقراطي، والنهج لن يحدث بمجرد الإعلان عنه وطلب السلوك وفقا له، لأننا لا زلنا مترسخين في ذهنية القبلية والجهوية ولا يزال مفهوم الوطن غائبا عن معظمنا، وللأسف لم يعد هذا المفهوم واضحا حتى لدى قطاعات كبيرة من شبابنا اليوم، نحن لا نحوز تجربة الممارسة الديمقراطية فلقد خرجنا لتونا من الرقاد ولم نلج الباب بعد.

عن التدريب والتمرين
النهج الديمقراطي يتطلب تدريبا وتمرينا يبدأ من الصغر في البيوت ورياض الأطفال والمدارس والمنتديات الرياضية وكافة أوجه النشاط التي تتطلب تجمعات أفراد، والتدريب أو تلقين الشورى والديمقراطية مع استهداف ترسيخ الممارسة العملية في كافة أوجه الحياة، فأفكار التساوي في الأهمية والحق في ذات الفرص أمام الجميع، والتنازل عن نصيب من الحرية لإتاحتها للغير تعتبر شروطاً أساسية لمجتمع سويّ، ويتم اعتمادها سلوكيا من خلال المعايشة اليومية مع الآخرين، وهي التي تقنع بجدواها عندما تضمن حقوق الفرد إذا قام كل فرد باحترام حقوق الآخر، وهو ما يختزل كل ما ورد أعلاه، ولكي يسري ذلك على كافة أوجه الحياة في الوطن، لا مفر من تمكين فكرة الوطن والمواطُنة بمعنى أن الوطن يختزل الجميع.

التلازم الإلزامي
برامج التربية الوطنية والممارسة الديمقراطية متلازمتان، وتحتاج لفترة زمنية طويلة، ولكن من الممكن تطبيق العديد من المبادىء على النطاقات الصغرى من المدرسة إلى الحيّ إلى البلدية، ويتم التدرج حسب الأداء، وأهمها ترسيخ مبدأ مصلحة الجماعة عوضا عن القبيلة أو الفئة أو النادي الرياضي، واشتراط القبول بنتيجة الاقتراع مع ضمان استمرار حرية الاعتراض وفق الأطر المقننة. قد يقول البعض أن الديمقراطية شرط فوري لا مفر منه وإن كانت هنالك عوائق فستختفي بعد حين، أي بعد المرور بتجارب وإعمال آليات الإصلاح التي لا بد أن يحملها أي مشروع نصي لميثاق وطني، فنجادل:

عن البديل الفوري والمرحلة الانتقالية
قد يكون في هذا الرأي صوابا، ولكن إن تساءلنا عن هذه المدة قد نجد أنها قد تستغرق حقبا أو حقبتين من الزمن، وفي تصورنا أن المدة المتطلبة للتمرين والتدريب على الممارسة الديمقراطية المنهجية بالتدرج قد تستغرق ذات الأمد، إلا أن ما يجعلنا نرجح نجاعة الرأي القائل بمرحلة انتقال ما بين وضعين، يتم خلالها إعمال مفهوم التربية الوطنية والتدريب على الممارسة، هو
أولا: أننا لا ندري ماذا سيحدث غدا، فقلب الأوضاع على حين غرّة يمكن حدوثه سواء بفعل خارجي أو داخلي.
وثانيا: لأن بلداننا العربية في معظمها قائمة على أساس حاكم واحد، وفي معظم الأحوال 'مطلق' وإن اختلفت التسميات والأوضاع.
وثالثا: أن التخلف الذي نعاني منه، بما في ذلك عجزنا حتى الآن في ترسيخ مفهوم الوطن وممارسة التعايش الديمقراطي فيما بيننا، لا تعاني منه دولنا كأنظمة فقط، بل كمواطنين أفراد أيضا، فمناصر النادي الرياضي الذي يخسر مباراة تراه يشتط غضبا عند الخسارة، وسائق السيارة في شوارعنا ينظر لغيره على الطريق كدخلاء عليه في أملاكه الخاصة، والمتردد على مناطق الازدحام من إدارات أو مستشفيات يعتقد أنه هو الوحيد المهم بل حتى رب الأسرة يمارس ذهنية شيخ النجع المستبد في كل صغيرة أو كبيرة دون اعتداد بغيره.

في الخلاصة: الاعتراف!
الامر يتطلب الاعتراف بالتخلف الذي يلحق بنا، أفرادا أو جماعات، وكون البعض منا يحسن السلوك والمعاشرة، يجب أن لا يكون الاستثناء بل من واجبنا السعي على أن يكون الأصل، باختصار ولكي نكون واقعيين، بمعنى أننا نقبل بواقعنا ونعمل على تحسينه، لا مفر من الاعتراف والكف عن رمي كل اللوم على ولاة، فهؤلاء لم يأتوا إلا من بيننا، وإن كان لنا الحكم عليهم بالتخلف، فلننظر لأنفسنا في معايشتنا اليومية مع بعضنا البعض أولا!

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة قورينا / بنغازي ، وصحيفة القدس العربي / لندن ، الخميس 7/5/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home