Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الأحد 11 ابريل 2010

الفساد والاستعمار وخيانة الوطن.. ما الفرق؟ *

رمضان جربوع

أوجه التشابه

 

o       الاستعمار المباشر والناتج عن الاحتلال العسكري يستهدف استلاب الأرض وما عليها من بشر وموارد، لصالحه فقط لا غير، حتى وإن شيّد المنشآت وبنية تحتية وبعض تعليم، فالمقصد يظل إحكام السيطرة واستتباب حلوله، موارد الوطن لا تظل ملكا له بل لمن احتل واغتصب والفتات يلقى لساكنيه.

o       الفساد، نهب لموارد الوطن وماله العام مع التخلي الكامل عن أي إحساس بمصلحة الوطن وساكنيه، فمصلحة المفسد تأتي بالنسبة له في المقام الأول، يظل المفسدون يغرفون من المال العام ويحرمون بذلك المواطن الفقير من خيرات بلاده ولا يتحصل على تعليم أو عناية صحية أو سكن أو حتى حاجته من الطعام الذي يستحق الاسم.

o       استمرار الفساد ورسوخه يؤدي إلى ثقافة فساد تسود الإدارة التي تُسيّر الوطن ومصالحه، فتهدر المليارات على مشاريع، الوطن في حاجة إليها واخرى تُفتعل لغرض ما، والكل سرعان ما يفشل ويتهاوى لإن المُنفذ أوالمسيّر لها شارك في الفساد بقبوله دفع الرشى واستلامها ولأن الإدارة انهارت وعجزت، ويرمى الفتات للذين لا حول لهم ولا قوة.

o       عندما يستقر المحتل المستعمر، يحتاج إلى عملاء، ويجدهم، فهنالك دائما في كل مكان من يقدم مصلحته على مصلحة الوطن، ويتعامل معه ويقوم بالوشاية عن من يقاوم ويساعد على ترسيخ الاحتلال والدعوة للقبول به والدعاية له بل وحتى التماثل معه في ثقافته وسلوكه واخلاقياته وقيمه والحث على عدم مقاومته وكل ذلك نظير مال ومزايا، عند عامة الناس؛ هؤلاء ينعتون بالخونة وكلما تتاح فرصة تتم محاسبتهم على هذا الأساس.

o       الفساد عندما يشتد عضده ويعمّ، يهدد الدولة والمؤسسة الحكومية ويصبح هو المنال لكل طامح، واستمراره بدون كابح أو مقاومة يؤدي مع مرور السنين إلى انتشار الفقر والحاجة، ورويدا رويدا تتغير أخلاقيات الناس وقيمهم ونهجهم في الحياة فهم يشاهدون الذي أثروا عن طريق الفساد ولا حسيب عليهم أو محاسب، فيحدث قبول تدريجي بالنهج الجديد ولا يصبح كما كان: عورة يستنكف المرء من مجالسة أو مصاهرة من يقوم بها، ويصبح الفساد مدمرا مرتين، الأولى لموارد الوطن والثانية للمجتمع وقيمه خصوصا بين الجيل الصاعد الذي باشر تولي المهام العامة فيشاهد الرؤساء يفعلون ولا يتورعون فكيف نستطيع أن نطالبهم بأن يرعووا هم؟.. لا ندري كيف ننعت الفساد في هذه الحالة؟ أولم يتسبب الفسدة في تدمير المجتمع وأخلاقياته وسلوكياته؟ هل نستطيع القول بأن الفساد خيانة أيضا؟ أي خيانة للوطن والمجتمع - ألا يحق لهذا الوطن والمجتمع أن يحاسبهم على هذا الأساس؟

o       الاستعمار، في معظم الأحوال، عندما يجلو عن الوطن يترك عملاء له يقومون مقامه ويحرصون على مصالحه وخصوصا عندما يكون فيه سلع ذات قيمة استراتيجية أو موقع استراتيجي، بل في بعض الدول نجد هؤلاء الأعوان يديرون دفة الوطن على الهوى الذي تم إملاؤه من قبل المستعمر بل وينشرون ثقافته وقيمه وسلوكياته.

o       الفساد عندما يعم ويشتد لا ينتهي بانقضاء حيوات المفسدين، ولكنه يترك ثقافته ويؤثر في مجتمع الوطن وقيمه فيستسيغه البعض وينهجون نهج من سبقهم ويصبح لا عيب فيه، ويتولد مفسدون جدد، فتتعطل التنمية وينهار التعليم ومعهما الأخلاق والسلوك وينتهي الأمر بأن تصبح الدولة فاشلة قد تستدعي احتلالا جديدا إذا كانت ذات ثروة أو نفط أو موقع استراتيجي، وقد لا يكون الاحتلال مباشرا، وقد لا يحتاجون لجند وعدة حرب، فالفسدة قاعدون ينتظرون وهم دوما على استعداد لمد يد العون، فما الذي سيردعهم؟ أو لم يخونوا الوطن أول مرة بفسادهم؟ ما الذي سيمنعهم من خيانته مرة أخرى؟

سبل المحاسبة

ألا يحق لنا عامة الناس الذين لم يفسدوا أن نطالب بمحاسبة؟ قبل أن يقضي على ما بقي من أخضر ويابس؟

نعم ودون أدنى شك، يجب كشفهم ومحاسبتهم ولكن ليس بالحملات العشوائية والتحقيقات القاسية والتعذيب من قبل من لا كفاءة له ولا قدرة ولا دراية، فالفساد في هذه الأيام بلغ مبلغا من التـــعقيد يصعب كشفه بسهولة، ونجد على الشبكة يوميا تقارير وأخبار عن صفقات مشبوهة واتهامات لأشخاص قد يكونوا أبرياء وبعضها قد كتب لأسباب كيدية.

يجب أن يتم الأمر بنهج علمي من قبل مختصين ذوي دراية وحنكة ومن قبل أقران للمشتبه فيهم ممن لم يتلوثوا بجرثومة الخيانة (عفوا القصد جرثومة الفساد!) مع ضمان كافة الحقوق القانونية وعلى أن توضع المسوغات للاتهام بالأدلة والقرائن أمام قضاء نزيه ومستقل من هيئات متخصصة لا تشوبها شائبة.

عن وسائل المكافحة بالمبادرة الذاتية

هنالك العديد من الطرق والوسائل تمت تجربتها بنجاح في العديد من بلدان العالم بما في ذلك الغرب، نستطيع الاستفادة منها، في الغرب يستصدرون التشريعات التي تكشف الفساد وتعيقه وتجرّمه وتعاقب عليه، في بلداننا لدينا أطنان من التشريعات ولكن المناط بهم تنفيذها لم يتم تدريبهم على وسائل التحقق وطرقه وكيفية الكشف والمحاسبة، وأيضا لا يوجد في بلادنا الحماية اللازمة لمن يقوم بهذه المهمة، فبعض من يتولى المناصب الرئيسية (أو منابع الفساد) يتمتع بشبه حصانة، فأقران هؤلاء يشتركون في المنفعة وهم بطبيعتهم يقومون بحماية بعضهم البعض ومن ثمة يصعب الأمر وتوضع العراقيل التي تؤدي إلى الإحباط ثم إلى استمرار الفساد.

لهذه الطرق والوسائل، الهادفة لتصعيب الفساد ومقاومته حديث آخر، ولكن ما يهمنا في هذه المقالة التركيز على مسألة التصنيف والمقاومة بالمبادرة الذاتية... كيف؟

الأمر ليس مستحيلا ولا صعبا، قامت العديد من بلداننا بتشريع الإلزام بتقديم إقرار الذمة المالية للمسؤولين في إدارة الدولة ومؤسساتها، ومنها على سبيل المثال إقرار الشفافية والغرض واضح، أي تبرئة من لم يفسد، ومحاسبة من فسد.

وكما أسلفنا، الفساد صار ثقافة وله أنصار مستفيدين، يحمون بعضهم البعض، فتعرقلت مسألة إقرارات الشفافية والذمة المالية، وإن وجدت فلا تجد من يتحقق منها.

ولما كانت التهمة تطال مجموعات كبيرة تتولى المفاتيح التي تشرع الأبواب للفساد، فأحيانا تلامس النزيه الشريف وتخلطه مع من لا يمتلك الصفتين.. ويختلط، كما نقول: الحابل وبالنابل!

دون شك ما زال لدينا في مجتمعاتنا وأوطاننا من لم يتلوث، تكاد تعرفهم بسيماهم أو بضعف حالتهم المادية، وهؤلاء أغنياء دون ريب ولكن بعفتهم، فكيف نفرز الغث من السمين؟ وكيف نبرأ النزيه من الخائن؟ (عفوا المقصود هنا: الفاسد!).

الوسيلة الفردية

لما كان الغرض من إقرار الشفافية هو الكشف بعد التحقق، عمّن يمكن أن يكون للمال العام ناهبا، وإبراء ذمة الذي لم ينهب ويستغل، ولما كانت الوسيلة التي تم تشريعها لم تحقق المصبو إليه، ولما كنا نعيش في هذه الأيام في عصر الشبكة الدولية والمواقع والمدونات مما يوفر سهولة النشر والتواصل، فلماذا لا يقوم من يرى في نفسه أنه من ضمن طائفة الذين لم ينهبوا ولم يستغلوا نفوذهم وسلطاتهم المخولة لمصالحهم الخاصة؛ بالمبادرة الذاتية فيحرر إقرار شفافيته أو ذمته المالية منذ أول يوم تولى فيه منصبا عاما إلى يومنا هذا؟ الخطوة دون شك جريئة ولكنها مجدية للمجتمع ومفيدة، وهي بمثابة شهادة استبراء أولية من مقدمها.

صحيح أن البعض ممن نهبوا قد يقدمون على نشر إقرارهم تخوفا من فرزهم عن الذين سبقوهم، ولكن مجتمعاتنا وأحيائنا تعرف - في دائرة سكن أو عمل المعني - كل شيء عنه، فسيتم حتما التصحيح من قبل الآخرين، ولكن المعروف بالشرف والنزاهة والخلق الحسن، لن يلحقه ضير ولا ملاحقة، فهو بمبادرته الذاتية أعلن عن ما يملك ولا يخشى حسابا ومحاسبة فلن يلجأ لغش أو تدليس.

اذا لاقت الفكرة استحسانا، فقد نرى بعد حين سهولة في الفرز، فالذي قام بتحرير 'إقراره' يستطيع أن يرفع رأسه وينظر لغيره محدقا بكل الثقة والاعتزاز فالرجل أثبت أن لا خائنة في عينيه!

قد يقول قائل وكيف الإعلان والنشر؟

مرة أخرى التطور الهائل في عالم الاتصالات جعل ذلك في متناول اليد، فيستطيع أن ينشىء مدونته الخاصة أو من خلال بريده الإليكتروني وإن لم يمتلك المهارة بعد، فهنالك العديد من المتطوعين الذين سيقدمون يد العون بكل سرور وفرح.

هل هناك مساءلة قانونية؟ في علمنا المتواضع، لا يوجد نص في أي قانون في هذا الكون يمنع أي إنسان من الإفصاح علانية عن ما يملك، وبالذات عندما يكون 'ملكه' هذا حلالا مشروعا!

في الخلاصة، لكي نباشر الخروج من دائرة الفساد المحكمة التي تأكل في أوطاننا وأرزاقنا وحكوماتنا، علينا أولا بفرز النزيه عن السفيه بالمبادرة الذاتية، وهي خطوة أولى قد تحدث زخما وتطورا ومتابعة.

.. من يدري؟

 

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة   "القدس العربي" ـ لندن ،  الخميس  8/4/2010


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home