Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الأحد 9 نوفمبر 2008

قبل توزيع الثروة قولوا لنا أين هي؟ (*)

رمضان جربوع

قيل لنا ما كنا نعرفه من أمد طويل، نحن عامة الناس؛ الحكومات المتعاقبة على تسيير دفة الأمور في ليبيا، وكذلك في مختلف دول العرب الأشاوس، أخفقت في تنمية المجتمعات والقضاء على الفقر. وكان السبب الرئيسي، إلى جانب عدم الكفاءة، فساد الذمة، فيما يتعلق بنا في ليبيا فقد صرح بذلك قائد البلاد نفسه السيد معمر القذافي بل ودعا لتفكيك مؤسسات الدولة المعهودة أصلا فيما عدا بعض الوزارات السيادية، وتوزيع الثروة مباشرة على الناس في محاولة لتحسين أحوالهم، هذه خطوة جريئة دون شك، لها وعليها، ولكن قبل تناولها، نود أن نعطف على بيت القصيد، أي هذه الثروة

ما هي الثروة؟

في البدء ان ثروة بلد ما، إلى جانب كونها ضمن إمكانيات وموارد البلد الطبيعية والبشرية، هي مجموع الناتج المحلي المتأتي من أنشطة صناعية أو زراعية أو خدمية شريطة أن تحقق فائضا، يكفل الربح والدخل لأصحابها ومن يعمل فيها، وما تؤديه من ضرائب ومكوس، تصب في خزينة الشعب العامة عن طريق المؤسسة الحكومية وهي بمجملها ثروة المجتمع الذي ستنفق عليه، والضرائب هنا تشكل المقابل المالي لتمكين الإدارة من توفير الخدمات والدفاع والأمن والتعليم والصحية، هذا في حالة اقتصاد السوق الحر. أما في حالة الاقتصاد الاشتراكي حيث تكون أدوات الإنتاج كلها ضمن الملكية العامة، فكل شيء للحكومة، كونها تمثل الشعب عموما، تخطيطا وتنفيذا وتشغيلا وجباية وتتولى هي أيضا إنفاقها على المجمتع لسد حاجاته أولا ثم تنميته ثانيا، أو هكذا هو المفروض.

ثروة ما قبل الثورة

تجربتنا الأولى قبل الثورة كانت اقتصاد سوق مع احتكار لكل مصادر الثروة تحت الأرض بموجب القانون، واحتكارات أخرى قليلة كالتبغ والملح، نشاط القطاع الخاص كان في الزراعة قليلة المردود لقلة المياه وقدم وسائلها والتجارة المحلية والعابرة بشكل أساسي، وبالطبع نشأ وترعرع قطاع الخدمات على استحياء، التواجد الأجنبي كان واضحا في جميع الأنشطة خصوصا الإيطالي. الدولة كانت في منتهى الفقر ولولا المساعدات الخارجية مقابل الانضواء تحت ارعايةب أحد قطبي العالم في ذلك الوقت، لما تطورت البلاد أبدا. وتغيرت الأمور باكتشاف النفط وتولدت فرص عمل عديدة ونشطت البلاد، إلا أن التنمية البشرية لم تواكب التطور في الدخل بنفس الوتيرة، وكانت المهمة الرئيسية هي تشييد البنية التحتية ونشر التعليم بأقصى حد ممكن لإيجاد كوادر بشرية مؤهلة قادرة على إدارة دولة بالمعنى الحديث، وفعلا تكونت الكثير من الأطر الفعّالة وأخذت أحوال الناس في التحسن نسبيا، إلا أن النفط كما هو نعمة يحمل في براميله االنقمةب أيضا، بمعنى آخر صار لدينا عدد مهول من االموظفينب في كوادر الدولة، لم يكن لهم من عمل ولا حاجة ولكنها كانت الوسيلة الوحيدة لتوزيع الثروة، بمعنى آخر صرنا دولة ريعية أو اريعونفطيةب بمعنى الكلمة.

عند الثورة

في بداية عهد الثورة تم تحقيق طفرات في مشاريع التنمية والبنية التحتية والإعمار وانتعش القطاع الخاص والخدمي وتخلصت البلاد من تواجد الأجنبي الموروث (الإيطالي الاستيطاني والأمريكي / البريطاني العسكري السياسي) واستلمت الكوادر الليبية الخالصة الحديثة النشأة المهام الإدارية الكبرى وتعددت فرص العمل وكان كل يوم يعد بغد أفضل. كل ذلك كان ضمن اقتصاد سوق مع حضور لقطاع عام أخذ ينمو تدريجيا إلى أن بلغ أوجّه بتأميم قطاع العقارات والتجارة وشمل كافة نواحي الاقتصاد، وصار بمنظور الواقع اقتصادا اشتراكيا شموليا، ونتيجة لذلك اضطرت الدولة مرة أخرى (بعد موجة التوظيفات في الستينيات) إلى أن تستوعب في كوادرها بمختلف مسمياتها الآلاف المؤلفة من العاملين في القطاع الخاص حتى أصحاب الحوانيت (المؤممة!) ولم يكن هناك من بد، فلابد من توزيع الثروة بشكل أو بآخر وحتى الذين كانوا يعتاشون على إيجار عقارات لم يعد لهم من دخل واضطر الجميع للعمل في الدولة امنتجينب حسب التوصيف المتداول فيما عدا بعض صغار الحرفيين.

الاقتصاد الموجه

الاقتصاد الموجه سار قدما كيفما تيسّر إلى حين، ولكن بفعل تذبذب أسعار النفط والأزمات السياسية مع الغرب والمقاطعات، وأيضا، وربما الأهم، عدم كفاءة من أنيط بهم قيادة التحول المزمع، أخذت الأمور تتدهور وتعثرت معظم المشاريع االاشتراكيةب التنموية، صناعية كانت أم زراعية وأخذت الأعباء المالية عليها تزداد بدون مردود يغطي تكاليف المرتبات والتشغيل، وتعطلت فكرة تنويع مصادر الدخل عموما، وصرنا تقريبا مرة أخرى دولة اريعونفطيةب ولم نفلح في تخليق المجتمع المنتج للثروة!
ليس لنا كراهلة مطلقة للاشتراكية بمفهومها الإنساني الراعي للمواطن من المهد إلى اللحد، ولا نصبوا لرأسمالية مطلقة قد تتوحش، بل نفضل أن يكون لدينا نظام يأخذ المزايا من الطرحين وترك المساوئ بكل منهما، وبتوازن غير مخل بمصلحة الوطن والمواطن، وهذا ليس موضوعنا الآن، بل ما سردناه ليس إلا مدخلا رئيسيا لطرح السؤال المحير الآن، ألا وهو:

أي ثروة يراد توزيعها

لن نحير كثيرا في التعرف عليها، إنها مداخيل النفط، ونقول المداخيل من تاريخ أول شحنة غادرت البلاد في سنة 1962، وهنا يقتضي الأمر أن نعرف كم هو مجموع قراءات عدادات آبار الإنتاج من البداية حتى يومنا هذا. وربما الأهم، نريد أن نعرف مجموع قراءات عدادات شحن ناقلات النفط بغرض التصدير، ونريد أن نعرف االريعب منذ ذلك الحين محسوبا بالدولار (الذي يجب أن يُخرج بقوته الشرائية اليوم) ونريد أن نعرف الفارق؟ هل هو للاستهلاك المحلي؟ أم هو موضوع في صناديق الأجيال القادمة ولا نعلم عنها شيئا بعد؟ هل هو موضوع لحماية وتأمين البلاد في حالة غزو ما؟ نريد أن نعرف تحديدا، المبالغ التي أنفقت على المشاريع العملاقة وما حدث لها؟ نريد أن نعرف من كان مسؤولا عن تدمير معظمها، ليس بغاية المحاسبة فقط، ولكن وهذا هو المهم الأهم، لكي لا نولّي لادارة المهام الجديدة لنفس اولئك الذين تبين إخفاقهم في مهامهم السابقة، ولكي نستفيد من التجربة ونتعلم من الخسارة ولكي نحاول أن نقضي على االثقافةب التي كانت سائدة، أي ثقافة الفساد والإهمال وعدم المسؤولية والجشع وخدمة الصالح الخاص بدل العام وثقافة النفاق والإدلاء ببيانات لا تمت للحقيقة والواقع بصلة.

هل هنالك فروقات حقيقة؟

تتردد الكثير من الأقاويل في الصحافة الخارجية عن فروقات ضخمة ما بين المنتج والمعلن عنه مصدّرا، ونحن لا نستطيع بل ونستنكف أن نصدق الأرقام التي تتردد فمن قائل بمائة مليار إلى آخر بثلاثمائة مليار ونيف، وقد تكون المعلومات مستقاة من عدادات مبرمجة؟ تم التلاعب فيها؟ أو تعرضت لخلل ما ولم يصلح؟، ولكن ما يهمنا أكثر هو معرفة الرقم الحقيقي لاستثماراتنا في الخارج فأحيانا يقال لنا أنها مائة مليار وأخرى ثلاثمائة وأخيرا قال أحدهم أنها تريليون أي ألف مليار دولار.
نريد أن نعرف أين هي؟ وما حدث لها في الأزمة المالية الكونية الجارية، ومن هو القائم عليها؟ ومن يحاسبه؟ وكيف تتم إدارتها؟ وهل الذين يديرونها لهم كفاءة وخبرة؟
المعرفة ترشدنا في الكيفية التي سنتعامل بها ومن ضمن ذلك توزيع هذه الثورة والحصة منها التي ستعود لكل مواطن.

مقاربتان في التوزيع

اولاً: أن يأخذ كل ليبي حصته ويتصرف بها لسد حاجاته، والمبرر هي أن حالة الفقر التي نعيشها لم تفلح الحكومات المتعاقبة االشعبيةب في علاجها، وبالتالي يتم إعفاء السلطة التنفيذية من مهامها ومسؤوليتها ليتولاها المواطن بنفسه ويشمل ذلك التعليم والصحة وبقية الخدمات التي تخرج عن نطاق الوزارات السيادية التي ذكرت لنا مثل الخارجية والدفاع والأمن. ففي رأيي، وحسب ما توفر لنا من معلومات، قد لا تفلح هي الأخرى، فأن معظم سكان ليبيا، أي مليون أسرة تعاني من حالة الفقر كما قال، صادقا، السيد قائد البلاد، وإذا توفرت لهم مبالغ مالية نقدية فورية فالمرجح أن جزءاً كبيراً سيذهب في شراء سلع استهلاكية ومركبات آلية وتجهيزات للمنزل، أي ربما تبذير، وإن كان في ظننا أن نسبة كبيرة من المواطنين ستستخدمه في توفير سكن للأسرة أو لكل عازم على الزواج وتأسيس أسرة من أفرادها، أو للعلاج، ولكن ماذا سيحدث؟ ففيما يتعلق بالمشتريات، ضرورية كانت أم لمجرد تحسين الوسيلة، فلن يقع التضخم أو ارتفاع الأسعار لأن أغلب ما سيتم شراؤه سيكون مستوردا، والخوف من التضخم عندما يكون المنتج المطلوب منتجا محليا، وقد يحدث تضخم وارتفاع رهيب في أسعار سلعة أخرى، ألا وهي العقارات وأراضي البناء، وفي هذه الحالة سيستنزف السكن معظم الحصة من الثروة إن لم يكن كلها. هنالك أيضا حاجة أخرى قد تستنزف بدورها حصتها من الحصة، ألا وهي الرعاية الصحية، فلا زلنا نشاهد الطائرات تغادر البلاد يوميا حاملة مئات المرضى الليبيين في طريقهم للعلاج في البلدان المجاورة نظرا لتردي حالة المؤسسات الصحية العلاجية.
أما عن استعمال المبلغ المقدر في مشاريع تجارية أو إنتاجية أو غيرها، فذلك أيضا لن يحدث حسب ما نأمل، فأول ما يفكر فيه المواطن العادي هو إقامة مشروع مثل ما يراه الآن في السوق،مثل مطعم أو ورشة أو محل تجاري، وهذه المشاريع وإن كانت توفر بشكل أو آخر دخلا يعتاش منه شريطة العــــمل فيه بجـــــد وكد، إلا أن النطاق يظل محدودا لمحدودية الطلب فأسواقنا الآن شبه متشبعة، إذن ما العمل؟
ثانياً: نأتي هنا إلى ما كنا نخشاه، ألا وهو ضرورة وضع الخطط والبرامج التدريبية في إقامة المشاريع التي يجب أن تلقى بعض الدعم من جهاز ما، لكي لا تضيع الأموال هدرا، وكذلك يجب وضع مخططات تقسيم أراض متوفرة لدينا بكثرة وتزويدها بالبنية التحتية (ماء، كهرباء، مجاري .. الخ) فعندما تكون السلعة متوفرة لا يرتفع سعرها بين عشية وضحاها، وهذا يتطلب جهاز ما يقوم به، تبقى الرعاية الصحية، وهنا يصعب القول بأجل زمني وتخطيط برنامج للنهوض بمستوى الرعاية الصحية، فالمرض لا ينتظر وقد يتفاقم ويودي بالحياة، ولا نرى مناصا من استمرار العلاج بالخارج إلى حين تحسين نوعية ما لدينا، كذلك التعليم فعندما تتخلى الدولة عنه، يقع العبء على المواطن والقطاع الخاص لتوفيره، والخبرة والقدرة في هذا المجال لا تزال في بداياتها و قيد التجربة، وغير ذلك كثير من أوجه الصرف التي يحتاجها المواطن، من هنا نرى وجوب إعادة النظر في فكرة التوزيع أصلا باستشراف طرح آخر كما يلي: إذا صار اعتماد القرار، فلتكن أول حاجة يجب تلبيتها هي توفير ما يلزم لكي يذهب كل مواطن للعلاج عندما يصاب بسقم، ومن الممكن أن يتم ذلك من خلال صندوق صحي تودع فيه الحصة الافتراضية لكل مواطن لتغطية الأعباء الصحية، وللمواطن عندما يحتاج لذلك أن يستعمل حصته في الصندوق للصرف منها دون التقدم بطلب لجنة طبية أو ما شابه، وهذا يجب النظر إليه بكونه حاجة ملحة لا تنتظر، كذلك السكن، فإلى أن تتم عملية تخطيط الأراضي، ومن الأفضل تخطيط مدن جديدة بالكامل بدلا من تضخيم مدننا الحالية التي أصبحت تنمو بطريقة لا تتوافق مع قدرات ما لدينا من أجهزة فنية أو بشرية، ناهيك عن حقيقة أن المدينة االكبيرةب مكلفة ومرهقة، ومن الممكن طرح مشاريع لاستيراد بيوت جاهزة لحل مشكلة المواطنين الملحة ممن لا يملكون مساكن. وعلى أن يكون ذلك بشكل فوري. أما عن التعليم، فإلى أن يتم وضع تصور وضوابط مدروسة، فلا أرى داع للعجلة، فلا زال التعليم الخاص لا يلبي أكثر من 2% من حاجة البلاد، وتكليفه بالعبء كله لن يكون صائبا في الوقت الحاضر مع إقرارنا بتردي مستوى خدمات التعليم ونوعيته التي تخرج لنا غير المؤهلين وغير المطلوبين في مواقع العمل الجديدة.

شروط لا بد منها

صرنا الآن نتحدث عن برامج ودراسات، وهذه تتطلب زمنا وتتطلب عناصر بشرية من غـــير تلك التي أوكل إليها تنفيذ المهام، ولا نتحدث عنهم بصفة الجمع ولكن فلنقل نسبة كبيرة جدا منهم، لذلك لا سبيل لنا سوى استــــعمال فكرة توزيع الثروة لحل مشاكل الصحة والسكن بصورة فورية وعاجلة على وجه الإغاثة، ولما كنا في صدد المراجعة والإصلاح، فلنضع مقارباتنا في نطاق الواقع والممكن، مع الاستفادة من خبرات من كانت له أوضاع مشابهة لنا، وليكن من يخطط وينفذ ويشرف ويحاسب ويراقب، من غير الذين أثبــتوا قصورا! وفي حسباني أن الاستعانة بمنظمــــات الأمم المتحدة التنمــوية والتدريبية سيكون مفيدا لنا في هـــذه الآونة.بقيت كلمة أخيرة عن التعاقدات

كيف التعاقد

دون شك، تنفيذ توزيع الثروة وحل المشاكل الملحة، سيتطلب تعاقدات من الدولة، وفي هذه الحالة، نرى أنه من اللازم أن تتغير الثقافة السائدة في إيكال تنفيذ العقود الباهضة التكاليف لطريقة لا تتمتع بأية شفافية، بما فيها مشاريع النفط، فيجب طرح كافة المشاريع في الصحافة (غير الحكومية في سبيل توخي استقبال الرأي الآخر في كل القضايا ولكي تتمكن الصحافة المستقلة من تمويل ذاتها، النشر يجب أن يكون مفصلاً مع مذكرات توضيحية عن موجبات المشروع، ثم الإعلان عن طريق الصحف عن القرار بالإرساء مع ذكر المبررات، وذكر مبالغ العطاءات الأخرى وبالتفصيل وأسباب رفضها. بهذه الطريقة نضمن أن تصل المعلومة قبل وقوع الواقعة، ويجب أن تكون المشاريع التي تتجاوز مبلغا معينا تحمل موافقة الجهة التشريعية في البلاد، الذي هو الآن 'مؤتمر الشعب العام' وليس اللجنة الشعبية لأمانة مؤتمر الشعب العام. وعلى سبيل المثال كيف لشعب يعاني من شظف العيش في معظمه أن يقبل بتنفيذ مشروع حديقة بالعاصمة تصل تكلفتها سبعمائة مليون دينار والحبل على الجرار؟. أنا لا أفهم... هل بينكم من يفهم؟

ramadanjarbou@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة القدس العربي / لندن ، 8/11/2008


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home