Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الأثنين 9 مارس 2009

اقتصاد الربع والثلاث أرباع(*)

مقاربة لاقتصادنا من غير اقتصاد
تبحث في الدينار والغلاء النار وتوزيع الأرباع

رمضان جربوع

هذه المقالة ليست بحثا اقتصاديا بل مجرد نظرة متفحصة فى واقع وحال الوطن والمواطنين وكيف تأثروا بفعل السياسات المطبقة من قبل فئة لا تتميز في معظمها إلا بقلة الكفاءة والفساد، وهذه النعوت ليست من عندي بل هي على كل لسان من قائد البلاد إلى أي سيد مواطن، ويكاد ينطق به جيب المواطن المعوز الذي لم يعد يحتوي إلا على ما يسد الرمق بالكاد.
ننظر إلى الأرقام، مداخيل النفط، ومعدلات النمو وحركة البناء والتجارة (خصوصا في المواد الفاخرة) والمشاريع العملاقة والحدائق الضخمة (ذات السبعمائة مليون) التي يفترض انها ستكون غنّاء ثم ننظر إلى المشاريع الاستثمارية عبر صناديق وصناديق لاعد لها ولا حصر، لا تسقط غيثها إلا في خارج ليبيا، يخالجك الشك في أن هذه الأرقام تتحدث عن بلد آخر.
ثم نعطف على الواقع حيث نرى الانتعاش الحقيقي والملموس يتمثل في وحش الغلاء الذي يزداد ويزداد، ثم البطالة (رسميا أعلن عنها بواقع 20.6%) وأزمة سكن طاحنة من حيث العدد والملائمة، ومصانع تكلفت المليارات لم تعد تعمل أو أوشكت على الإقفال (مصنع اسمنت بنغازي الذي صار يدار أجنبيا بحكاية الخصخصة فتحول إلى آلة بشعة تعمل ليل نهار تنتج بأكبر طاقة ممكنة، دون أدنى مراعاة، لعواصف الأغبرة المضرة بالصحة أو مصنع الحديد والصلب في مصراته الذي "سيخصخص" وشيكا ولم يسأل أحد عما سيحدث لعماله) ثم عملة ليبية تفقد من قوتها الشرائية كل يوم المزيد، وعشرات الآلاف من الموظفين يحالون إلى "التقليص".
لم تكن المشكلة أبدا في الموارد أو في النوايا، ولكنها بكل بساطة مشكلتنا تتمثل بحكومة تقع خارج نطاق التغطية بمعلومات الواقع، وكل علمها ينحصر فيما يدبج في مكاتبها من تقارير طنّانة رنّانة، أما التقارير التي يحررها ذوو النزاهة الذين يحملون هم الوطن وساكنيه فهي غالبا ما تقبع في أدراج الوزراء حتى تصفرّ وتتلاشى، لم يعد لهم وقت لقراءة البيانات الصحيحة، ولم نشاهد يوما رئيسا للوزراء أو وزيرا أو مسؤولا كبيرا يتجول في الأحياء الفقيرة بمدننا يتفقد أحوال سكانها ولا قام أحدهم بزيارة القرى والواحات للتأكد من طيب المقام فيها على سبيل المثال، ولكن عندما يتعلق الأمر بزيارات "العمل" في الخارج تراهم جد منشغلين لا يرجع الواحد منهم من رحلة إلا وأخذ في الاستعداد للتالية.

ماهي المشكلة؟
لا أدري ما هي المشكلة؟ عددنا قليل، مواردنا ضخمة، بلادنا شاسعة غنية بالإمكانيات الاستثمارية والكفاءات الراقية ولكنها مغمورة معزولة عن ساحة القرار، ونحن لا زلنا نراوح في منزلتنا الباهرة في مواقع قوائم الفساد وعدم الكفاءة.
الاقتصاد، في الأصل ما يقتصده المرء لساعة الضيق، ولعله اليوم يعني مجازا نفس الشيء، بمعنى السياسة العامة لدولة في إدارة شؤون الاقتصاد والحرص على إنفاق الموارد المتاحة بما يجدي.
قيل لنا أن السياسة العامة تغيرت، وأن القطاع العام صار مفسدة كبرى أو "مفشلة" عظمى، ولا مناص من القطاع الخاص، كلام جميل، القطاع الخاص إلى منتصف سبعينات القرن الماضي كان يأتي في الترتيب الثاني بجهات توظيف وخدمات، تغيرت السياسة ليس بسبب عيب أوقصور في الخيار الاشتراكي ولكنه وكما يبدو، العيب كان فيمن طبقه من مسؤولين لا زالوا حيث هم، لم يتبدلوا، في أفضل الأحوال يستبدلون مواقعهم مع بعضهم البعض! كلعبة الكراسي الموسيقية

اقتصاد سوق؟ أم غول سوق؟
والآن، نحن نتحول إلى اقتصاد السوق، أو الرأسمالية "الشعبية"، وبنفس الأدوات والعقليات وثقافات الإعاقة القائمة و الطامة الكبرى ... بنفس الشخصيات التي ما أجدت فتيلا أصلا!
قرارات ولوائح تنهمر من مصنع "رئاسة الوزراء" لا ينال منها المواطن سوى المزيد من الأعباء والتعقيد ورفع للأسعار، المواد الغذاية وأسعارها لمست الطبقة الفقير أو عامة الناس، الطبقات الأخرى لم تشعر بشيء، سعر كيلو الأرز كان بخمسة قروش اليوم صار بخمسين، الوقود زاد سعره قرابة العشر أضعاف، في البلدان الأخرى الفقيرة "رسميا" تخفض من أسعار السلع والوقود والضرائب تخفيفا على المواطنين من توابع الأزمة العالمية ونحن "بالعند" نرفعها كلها وإن أسمينا الضرائب رسوم استهلاك، الدينار الليبي كان يستبدل بثلاثة دولارت وثلت واليوم لا يأتيك إلا بتسع أعشار الدولار، المرتبات ظلت على حالها ولم تتم زيادتها إلا بعد ثلاثين سنة والزيادة كانت طفيفة للغاية ولم تراعي التضخم ولا الهبوط في سعر الصرف، والكائنة الكبرى تكمن في سعر الصرف لآن المواطن في ليبيا، لا يزال يأكل ويلبس بل ويستورد مستلزات المعيشة كلها تقريبا من وراء البحر ولم يعوض المواطن عن هبوط عملته بأي شكل من الأشكال، كان المسكين يستحمل الأمر بدواع الحصار والعقوبات، بل إنه فقد "كسور" عملته، فلم يعد الدينار يساوي ألف درهم، بل أصبح يساوي أربع أرباع دينار فقط، العملة المعدنية التي كانت تمثل هذه الكسور وتنضبط بها عملية التسعير والبيع، تكاد تنقرض بل انقرضت واقعيا .. تحولت إلى "مفاتيح" خام أو دسّت في أقبية مصرف ليبيا المركزي .
لعل الحالة الاقتصادية (للمواطن الليبي العادي) المزرية وأسبابها المتمثلة في الفساد وقلة الكفاءة لدى المسؤولين، هي التي دفعت القائد معمر القذافي للمطالبة بتوزيع الثروة مباشرة على الناس عسى حالهم ينصلح بعيدا عن "شرور" الحكومات المتعاقبة، والمسألة قيد النظر والتطبيق، ولكن فلنعرج قليلا على قرائن أخرى تفيد في تحليل ما قدمنا من استعراض.

توزيع الثروة
توزيع الثروة، وهي في خاتمة المطاف طموح أي دولة بحكومة رشيدة تهتم بمواطنيها، إلا أن الأجهزة الرئيسية في دولتنا من مجلس الوزراء إلى كبار المسوؤلين هم ذواتهم الذين لم يفلحوا في اتخاذ القرارات الصحيحة المبنية على حقائق الواقع، وإن اتخذوا بعضا منها؛ لم يفلحوا في تطبيقها بل زادوا الطين بلّة، بمعنى أهدروا أموالا إضافية.
وإلى حين إجراء المراجعة والتحقيق فيما حدث بالضبط من قبل أجهزة أخرى تشكل من غير "نوعهم" لا يجب أن يترك الحبل على الغارب لهم، ولابد من الحد من سلطاتهم وتدخلاتهم، ومواطننا اليوم في أمس الحاجة إلى نجدة عاجلة تؤمن له الحد الأدنى الملائم لسد حاجاته من سكن ومأكل وعلاج وتعليم، وإلى أن يتم ذلك، أي إلى أن يتم فرز الكفؤ من غير الكفؤ المعيق والنزيه من قليل النزاهة، وهو ما سيحدث حتما لا مراء في ذلك وإن تطلّب وقتا،

ارجعوا لنا دينارنا القديم
نستطيع أن نقتطع جزءَ من الثروة المراد توزيعها لإعادة قيمة الدينار الليبي لسابق عهده أي دينار مقابل ثلاثة دولارات وستة وثلاثون سنتا، وسيكون لذلك نتيجة فورية حيث ستهبط أسعار ما نستورده للطعام واللباس والعلاج أو مواد البناء للمساكن ومعدات المشاريع الصغرى التي ستتيح فرص عمل جديدة، وقد يقول قائل من "خبراء" الاقتصاد بأن ذلك يتعارض مع توصيات البنك الدولي ووصفاته الباهرة (خصوصا في تحديد سعر الصرف وحقوق السحب الخاصة)والرد على ذلك: دعونا نسترجع أنفاسنا أولا ونسد حاجاتنا الملحة ثم نبحث مع البنك إياه مسائل عملتنا وأسعار صرفها بعد أن نقرر كيف نصرفها!
الغريب في الأمر أن انهيار الدينار وقع دون صدور قرارات واضحة بخصوصه، ففي تسعينات القرن الماضي، توقف القطاع العام عن توفير العديد من السلع لنقص في السيولة فكان أن "عامَ" وسبح الدينار ذاتيا ولوحده وأصبح الدولار يستبدل جهارا نهارا بدنانير أخذت تزداد عددا يوما بعد يوم، وحكوماتنا الرشيدة تغض الطرف بحياء أو بدونه.
ومن جهة أخرى حافظ الدينار على سعره أو تعدد أسعاره في بعض الأنشطة مثل التحويلات المعتمدة أو تلك الخاصة ببعض من "الناس" أو تذاكر الطيران (في هذه الحكومة كانت غافلة ربما) التي أصبحت تشترى في ليبيا وتباع خارجها بأرباح طائلة (في مصر كانت نفس التذاكر تكلف عشر أمثالها في ليبيا، ومن نتائج كل ذلك أخذ مستوى المعيشة يتردّى في البلاد والسلع المستوردة لم تعد من فئة الدرجة الأولى المعتادة بل كانت من رخيص البضائع وأقلها أمانا، هذا كان في سنوات الحصار والمقاطعة وسيطرة الذين استفادوا منها في ذلك الحين يعني "أغنياء حصار" بدل "أغنياء حرب"!
اليوم لم يعد هنالك مقاطعة ولا حصار، فلماذا لا يعود الدينار لسابق عهده؟ لقد زالت الأسباب، أفلا نزيل الآثار؟ ألا يكفنيا مشاهدة نتائج "مجهودات" السادة المناط بهم إدارة دفة شؤون البلاد العادية؟
في العام الماضي ذهب مليون ونصف مواطن ليبي للعلاج في تونس فقط، رقم مخيف قد يدفع بنا (أو يوسوس لنا الشيطان) إلى تخيل "مؤامرة" ما ... حاكتها "جماعات" تونس لتدمير بنية الرعاية الصحية عندنا لتنتعش مصحات تونس! ... وإذا كان هذا لا يكفي، فانظرا إلى ما صارت إليه جامعاتنا، أقدمها (جامعة قاريونس بنغازي) أصبحت تصنف بالمرتبة فوق السبعة آلاف على المستوى العالمي، وجامعة مقدديشيو في الصومال صنفت بألف ومائتي نقطة أفضل منا، يعني في خانة الستة آلاف وكذا!

عن كارثة العملة المعدنية
وختاما لهذه الفقرة نعرج على مسألة أخرى لا تقل أهمية، السادة في مصرف ليبيا المركزي بفعل تصرفاتهم أسهموا في الغلاء وصعوبة المعيشة لإهمالهم مسألة العملة المعدنية وإليكم كيف:
العملة المعدنية المصنعة من مواد عالية المواصفات تسرب معظمها لدول مجاورة حيث يعاد تصنيعها لأشياء أخرى (مفاتيح مثلا) والسبب لهبوط قيمتها السوقية التي أصبحت أقل من قيمتها المعدنية الأصلية، وصرح أحدهم على التلفزيون مؤخرا قائلا أن مصرف ليبيا المركزي لديه الكميات الكافية (147 مليون دينار على قوله) ولكن الناس عزفوا عن استعمالها واقتنائها وهي محفوظة في الخزائن! ولا يزال مصرف ليبيا المركزي يتعاقد على تصنيع المزيد منها!
هذا الدفع باطل أصلا، فإذا كانت تكلفة تصنيعها عالية، فمن الممكن إصدار عملة معدنية أرخص كلفة كما تفعل كل دول العالم (من الألومينوم أو القصدير أو "الزينقو" مثلا) أما عن عزوف الناس على استعمالها فلإنها أولا غير متوفرة بكميات كافية وثانيا لأن تقلبات الأسعار ارتفاعا لم تعد تترجم بوحدات كسور الدينار بل بربع الدينار، فإذا زادت كلفة وحدة تباع بربع دينار بما قيمته عشر دينار، نجد أن السعر الجديد سيكون نصف دينار وليس 350 درهم، أما القول بعدم اهتمام المواطن باقتناء العملة المعدنية متعددة الفئات فهذا لا ينطبق إلا على الذين يحملون أوراق النقد الجديدة ذات الخمسين دينارا (وأبشروا بقرب إصدار فشة المائة دينار لتخفيف الحمل والعدّ على "البعض"، وحتى لو افترضنا جدلا عدم الاهتمام، ففي هذه الحالة يجب وضع أوعية تبرعات خيرية (تنظم حسب الحاجة للجمعيات الأهلية الخيرية) لجمع قطع النقد التي لن تشتري شيئا لوحدها ولكن إن جمعت فستتكون منها مبالغ تفيد المحتاجين.

لا بد من التسعيرة وليذهب البنك الدولي إلى حيث يريد
يجب أيضا فرض سلطة الدولة في عملية التسعير، ففي أيام الفقر في زمان قديم، كان يحدّ من جشع التجار عن طريق فرض تسعيرة معقولة تحسب على أساس الكلفة (بموجب مستندات) وهامش ربح مقبول وهذه الطريقة ستؤدي بدورها إلى إسترجاع استخدام العملة المعدنية، وقد يقول قائل بأن ذلك سيتعارض مع مباديء الاقتصاد الحر، ولكن إلى أن يصير لنا اقتصاد أصلا فلا بأس من تدخّل الدولة في تسعير السلع الغذائية والدوائية وكل ما قد يرفع ثقلا عن كاهل المواطن.
الاستمرار في عدم إعادة استخدام العملة المعدنية يعتبر إهدار لموارد الوطن وإثقال الأعباء على المواطن، اقتصاد الأربع أرباع لم يعد يجدي.

في خلاصة القول
اقتصادنا الآن يعادل ما قد نسميه اقتصاد الربع والثلاث أرباع، فمن جهة أصحبت الوحدة النقدية الأكثر رواجا عند عامة الناس هي ربع الدينار، من ناحية أخرى إذا ما اعتبرنا أن حصة المواطن من اقتصاد وطنه هي "الربع" من الدينار، فنسأل أين ذهبت الثلاثة أرباع؟ ... البعض يقول بأن من أدّى بنا إلى هذه الحالة هم من استولى على هذه الأرباع الثلاث ... أي بمعنى آخر ربما وصلت درجة الفساد وقلة الكفاءة ببعض من المسؤولين إلى "تسلطهم" على موارد البلاد وهؤلاء احتجزوا الثلاثة أرباع لهم والباقي لنا، أي الربع، والتمثيل بهذه القياسات ليس مصطنعا، التجول في الأحياء المزدحمة المكتظة بالسكان أو القرى والواحات ومراقبة الأحوال من الناحية المالية ثم التجول في الأحياء الراقية، قد يدفع المرء للاعتقاد أو يتولد لديه الانطباع بأنه فعلا ... نحن الربع وهم الثلاثة أرباع!
مع أننا، نحن عامة الناس، نشكل أكثر من ثلاث أرباع السكان للعلم فقط.
البعض من عامة الناس، يقول بأن المعادلة الصحيحة هي العشر والتسع أعشار، أي أن عشرة بالمائة من الشعب استولوا على تسعة أعشار الثروة والباقي للعشر، وهي قسمة ضيزى أخرى!
نترك للقاريء الخيار في النعت، الثلاث أرباع، أو التسع أعشار أو حتى التسع أعشار والنصف أي أن ما تبقى لنا من فتات هو خمسة بالمائة! ... خمسة وخميس يا خمس إن دمت!
حذاري حذاري أن يستولوا على ما تبقى إن تولّوا هم توزيع الثروة .. فقد نطالب في هذه الحالة بعقد مؤتمر دولي "مانحين" في شرم الشيخ!

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة القدس العربي / لندن ، وصحيفة قورينا / بنغازي ، 5/3/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home