Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الخميس 8 يوليو 2010

ليبيا : كارثة بوسليم، هل من حل؟

رمضان جربوع

نعم، هنالك حل، حل عقلاني وواقعي وفي نفس الوقت ملح والدولة تعرفه وسينتهي بها الأمر أن تختاره وتحسم، والحل، الذي لا حل سواه يتخلص في التالي:

ـ الاعتراف بفاجعة انتهاك الحقوق أو فلنقلها صراحة، مذبحة بوسليم! فليس لدينا تعريف آخر يقبله عقل أو ضمير

ـ الإعلان باستعداد الدولة لتحمل المسؤولية عن طريق أعلى سلطة بها، وهي هنا افتراضا "مؤتمر الشعب العام"

ـ الوعد المكرّس بقانون خاص بتشكيل لجنة تحقيق فيما حدث وإحالة من يتهم إلى محكمة الجنايات وليس لمحكمة خاصة، لجنة التحقيق يجب أن لا تتبع أية جهة تنفيذية أو أمنية بل تنشأ بالتشاور مع أهالي ضحايا الفاجعة ومحاميهم ونخبة من الحقوقيين المشهود لهم وبدعم وتعاون وإسناد إجباري بموجب "قانون" من كل الجهات في الدولة الليبية التي يتطلبها مسار التحقيق

ـ اعتماد  مبدأ الشفافية في أعمال لجنة التحقيق مع إقرار الحق لمندوبي أهالي الضحايا بحضور جلسات الاستماع وتعلن النتائج على الملأ

ـ الكشف عن مدافن القتلى والتحقق من هويتاهم عن طريق تحليل الصِبغة الوراثية (دي. إن. أي) وتسليم الجثامين لذويهم لدفنهم من جديد أو تخييرهم في الدفن بمقبرة خاصة حتى يظلوا شهودا للأجيال القادمة، وحتى لا يتكرر البلاء

ـ جبر الضرر بالتعويض العادل الذي يرضي أهالي الضحايا، وفي اعتقادنا هذا التعويض يجب أن لا يقل بحال من الأحوال عن تعويض ضحايا "الأيدز" أي مليون دولار أمريكي لكل ضحية ، ضحايا الفاجعتين قضوا أو أصيبوا وهم في عهدة مؤسسات الدولة
. 

هل يقبل أهالي الضحايا؟ هل تقبل الدولة؟ هل نقبل نحن سكان هذا الوطن؟

نعتقد بنعم! وإليكم لماذا :

بالنسبة لأهالي الضحايا؛ لا نحسب أن غرضهم الانتقام أو التشفي، بل يريدون معرفة حقيقة ما حدث، وهذا من حقهم فأبناؤهم كانوا في المعتقل في عهدة الدولة وقضوا، ثم حرمت عائلاتهم لعدة سنوات من معرفة ما حدث، وهؤلاء حتى لو كانوا متهمين بجرائم ينص عليها القانون إلا أنهم ما زالوا أبرياء لأنهم لم يحاكموا ولم يدانوا عندما رحلوا عن عالمنا. 

الدولة حتما ستقبل، لأن لا مخرج للقضية غير ذلك، وليس في الحل المطروح ما يعارها، الدولة مؤسسة "اعتبارية" يعمل بها عاملون، أي "عمّال السلطة" وهؤلاء من طائفة البشر، مكونها الأساسي، الإنسان، والإنسان خطّاء، أنت لا تستطيع أن تعتقل الدولة ولكنك تستطيع أن تحاسب من أخطأ من عمّالها، ولا يتم ذلك إلا من قبل مفعّل الدولة وصانعها؛ أي الشعب، والشعب يحكم من خلال مؤتمر الشعب العام، عندما يقبل بالمبدأ ستسمو الدولة وتعلو بل ستصبح بلا نظير بين دول العرب وستكتسب مؤسساتها مصداقية واستجابة، هذه المرة؛ بالرضى وليس بالعسف أو معسول الكلم.

الدولة ستقبل لأن الوطن، الذي هي خادمته، في حاجة إلى قفل الملفات الداخلية العالقة بعدما تم إقفال الملفات الخارحية وكذلك انفراج أزماتنا مع الولايات المتحدة والغرب عموما. الأولى بالإقفال وإحقاق الحق هو الوطن وساكنيه ومن ظلم فيه، ولو نتيجة خطأ أو إفراط في استعمال قوة أو إساءة فهم.

الدولة ستقبل لأن علاقاتنا مع الغرب وإن كانت اليوم في خير حال، إلا أنها، شأنها شأن كل العلاقات بين الدول تحكمها المصالح، وإذا حدث يوما أن تبدلت المصالح أو تعارضت فسيبحثون عن وسيلة ضغط علينا لابتنزازنا في سبيل مصالحهم، والقضية إن بقيت كما هي دون حلحلة، فسيستخدمونها ضدنا وقد يصل بهم الأمر إلى استصدار قرار من مجلس الأمن بإحالتها لمحكمة الجنايات الدولية أو ربما تشكيل محكمة خاص للنظر فيها، لقد فعلوها معنا سابقا ومع غيرنا ولن يتورعوا إطلاقا عن تكرار ذلك عندما يرون ذلك في مصلحتهم.

الدولة ستقبل لأن أمامها الآن فرصة استدراك ما فات عليها تحقيقه أي الولوج للقرن الواحد والعشرين وإصلاح ما عطب من منشآت ومؤسسات وخدمات وتعليم وصحة وتأهيل وتدريب وبنية تحتية، وحتما يجب أن يتم ذلك الآن حيث لم تعد لدينا مبررات حصار أو نقص مال أو عدو متربص، وكل هذا متثمل في بيانات ونوايا مشروع الإصلاح والمصالحة في ليبيا الذي يقوده السيد سيف الإسلام ، بمعنى آخر، القبول بحل قضية بوسليم والعزم بشجاعة وجرأة في سبيل إحقاق الحق ينضوي بكل بساطة تحت لواء الإصلاح والمصالحة والنهضة المنشودة، ونحسب أن الانفراج في قضية بوسليم سيقدم دفعة جبارة نحو السير حثيثا في نهج الإصلاح واستدراك ما فات. 

أما نحن عامة سكان الوطن، فسنقبل دون شك لسببين، الأول لأن هاجسنا الوطن ومن حقنا أن نأمل ونطالب بحل تنفرج فيه الأزمة وتنفرج عند ذلك أسارير هذا الوطن،  والثاني، الرقم مهول، فالقول بألف ومائتي ضحية في بلد بالكاد يبلغ تعداد سكانه خمسة ملايين، مفاده أنه  سيكون من النادر أن لا توجد لمواطن في ليبيا علاقة ما بأهالي الضحايا، سواء بالقربى أو المصاهرة أوالجيرة أو زمالة الدراسة أو العمل، ولعل أوثق العلائق هي العلاقة في الوطن الذي يضمنا كلنا. 

من سيقف ضد مشروع الحل؟

 قد تكون  المؤشرات الحالية لا تطمئن، قضية بوسليم صارت محل اعتبار منذ إطلاق مشروع الإصلاح وليبيا الغد بعد إدراك الحاجة لتسوية الملفات العالقة – الحقوقية على وجه الخصوص، والمشروع ذاته تعرض للتعثر وإن كان لا يزال ينبض من حين لآخر، قد يفهم المرء أن النية معقودة ولكن العزم والحسم لايزال محل اعتبار من حيث التوقيت والأولويات ولكن هنالك أيضا اعتبارات أخرى تعرقل الانطلاق دون رجعة عنه، ومنها: 

البعض في  مؤسسات الدولة لا يسره الحديث عن الإصلاح أو حقوق الإنسان وعلى الخصوص مبدأ "التساوي" في الحقوق وأن لا أفضلية لأحد مهما علا شأنه، فهذا قد يفقدهم "النفوذ" الخاص الذي يتمتعون به وممارسة التسلط والادعاء بمديونية الدولة ونظامها لهم وكأنهم هو الذي صنعوا الوطن وبنوه! 

مراكز القوى – ونستعمل التعبير على مضض على الرغم من مقتنا له،  فالانطباع لدينا بأنها موجودة و ما زال العديد من أفرادها يتمتع بنفوذ ما، والانطباع أيضا بأنها تحالفت من حيث لا تدري مع رجال البيزنيس (أو رجال أعمال الهدّة) وهو ما يطلق عليه في  هذه الأيام اصطلاح "زواج المال مع السلطة" وصار لها بالتالي هاجس آخر ألا وهو فقدان بعض الميزات الخاصة بهم مثل عدم تعرضهم للمحاسبة أو مساءلتهم عما يجري في البلاد من عبث وانتهاك حقوق وفساد مستشري ومستغول وبالتالي قد يحد ذلك  من تكديسهم للأموال غير الشرعية! وبالطبع الشروع في المحاسبة ورفع الظلم والمساءلة، سيعني بطريق غير مباشر عن طريق  الزخم الذي سيحدثه القبول بالحل المطروح، بأنه، أي مبدأ المحاسبة والمساءلة، سيلحق آجلا أم عاجلا بمن أفسد ونهب جنبا إلى جنب مع مع انتهك حرمة الإنسان، حتى لو كان متهما!

هنالك دائما الخشية من أن حسم موضوع مذبحة بوسليم قد يؤدي إلى فتح ملفات أخرى تسببت في الكثير من الضرر وقد تلحق بجزء كبير من رجالات الدولة، وهؤلاء هم أول من يعرف ما عملوا وبالتالي سيعارضون أي تقدم نحو المصالحة والمراجعة والإصلاح فبالنسبة لهم؛ مشروع ليبيا الغد كما تم طرحه يشكل خطرا وشيكا عليهم.

ومع كل ذلك  فكلا من مشروع الغد بمقتضياته ومنظومة الدولة القائمة والمضطرة للتكيف مع ما يحدث في العالم بسبب ثورة المعلومات وتيسرها للكافة وكذلك الزخم والتفاعل المحلي  في مجالات الحقوق والحوكمة الراشدة لكي تصبح ليبيا جزء مشاركا وفعالا، كل ذلك سيكون دافعا ومحرضا للحل المنشود ولن يكون لنا خيار سوى العمل على إقفال الملفات والإقدام على كبح جماح كل من يعارض الانفراج. فلن ينجح المشروع في ظل عدم الحسم بكل الشجاعة المتطلبة ولن تقوم للدولة قائمة وهي تتعثر مترهلة من إرث سلبي؛ المتسببون به ما زالوا يستعرضون علينا "إنجازاتهم" المتوهمة، تلك الإنجازات التي في سبيلها تم بذل القناطير المقنطرة من الأموال والإمكانيات، ولكنهم عاثوا فيها وحسبوا أن الهتاف سيجدي لوحده.

أين الحقيقة؟

بطبيعة الحال نحن لا نملك المعرفة الكاملة  بحقيقة ما حدث على وجه الدقة، ولكن مما يتردد على الأسماع دون كلل  منذ سنين، قد يكون فيه جزء من الصحة، فلنستعرض – تخمينا – ما حدث:

معتقل بوسليم، ونقول معتقل وليس سجن، لأن مفهوم السجن يعني قضاء العقوبة بعد الإدانة والحكم أو الاحتجاز انتظارا لها، ولكن الاعتقال سنين بعد سنين دون إدانة من محكمة قانون، ودون تحديد تاريخ إفراج، ودون أمل، لا اسم ينطبق عليه سوى "المعتقل" .. كان يحوي المئات، يعانون وحسب ما يقول من أفرج عنهم أو ذويهم، من بؤس العيش والمعاملة بالغة السوء وانعدام العناية الصحية وتفشي الأوبئة مع الحرمان من الحقوق وزيارة الأهل.  من ضمن المئات عزم البعض منهم على التمرد والمطالبة بتحسين الأوضاع – خطأ ذلك كان أم صوابا، وتطورت المسألة إلى اعتصام واحتجاز رهائن، هذا يحدث في كل سجون ومعتقلات العالم. عند تفاقم الأزمة صدر الأمر بإنهاء "التمرد" وكان من الممكن أن يتم ذلك بعدة وسائل متاحة، مثل استعمال الغاز المخدر أو الحد من إمداد المياه والطعام أو التفاوض أو غير ذلك، ولكن في لحظة ما – ربما نتيجة التوتر والاحتقان وانغلاق التفكير في العواقب،  حدث إطلاق نار، ثم نيران بهستيرية وهوس و تطورت الحالة وخلصت إلى مذبحة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

صحيح أن الدولة أو المؤسسة المسؤولة كان عليها تحرير الرهائن وفك التأزم، ولكن الذين قاموا بالتنفيذ لم يكونوا على المستوى – على أقل تقدير – ولما كان هؤلاء من عمّال الدولة، فمسؤولية ما فعلوا في حق الغير تقع عليهم، ولكن تظل مسؤوليتهم هم تجاه الدولة قائمة والتالي لا مفر من محاسبتهم، ويجب قانونا أن لا تناط بهم أية مسؤولية في خدمة الدولة والوطن مستقبلا. ولا يمكن لهؤلاء أن يتعللوا بأوامر صادرة، فنحن لا نستطيع إطلاقا تصور صدور أمر تصفية بهذه البشاعة، المرجح أن الأمر صدر بإنهاء الأزمة وبالتأكيد لم يكن ذلك يعني مذبحة. يبقى دائما عوامل أخرى قد تكون أسهمت في استفحال الأمر، لعل أهمها: ضعف التأهيل والقدرة على التفكير في النتائج المحتملة، امتهان "الآخر" الذي وصم بالشرير المناوئ، التوتر والاحتقان والانفعال وعدم التروي بل ربما جنون دموي ..

وختاما نقول: مشروع الإصلاح، وكذلك "الدولة" في حاجة ملحة للمصداقية لكي يتبين للجميع بأن الوطن ملك لمواطنيه وليس لقلة تتذرع بدواع الأمن أو الثورية أو القبلية أو بماضيها الذي تراه تليدا وهو في حسباننا عن ذلك بعيد.

إن حدث هذا فسيكون من شأنه جعل ليبيا موصوفة بالشجاعة في الحق والجرأة على من أغمط الحقوق.

يحدونا التفاؤل بأن  ذلك سيحدث حتما ولو بعد حين، إن لم نتفاءل ، فما هو البديل؟ موات وسكون؟ ألم نكتفي من ذلك بعد؟

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com


     


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home