Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الأحد 7 ديسمبر 2008

عالم فالت؟... هيا بنا "نقرصن"!(*)

القرصنة قديمة حديثة، ولم يسأل أحد منهم بعد؛ عن "لماذا؟"

رمضان جربوع

لكل حدث وأوان مصطلح، يخرج علينا بسرديات وأخبار وتعليقات، سرعان ما تأخذ زخما ثم تتوارى ويحل محلها أخر، مصطلح هذه الأيام 'القرصنة' والدعوة للحرب عليها لأنها تربك العالم وتجارته وتجعل البحار غير آمنة وتهدد السلام.

عن انتقاء الأخبار والمصطلح
بالأمس القريب كان الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل والدكتاتورية، وقبلها الخطر الأحمر الشيوعي وسلفها الفاشية والنازية والخطر الأصفر الصيني ناهيك عن الخطر الإسلامي الذي نعت لفترة بفرنسا القرن التاسع عشر بالأسود (إبان الحرب على الحركة السنوسية لتصديها للاستعمار الفرنسي في أفريقيا)، وتتعدد الألوان حسب الأوان حتى أن بعضهم كان يصف خطر الأيدز بالوردي! وخطر المخدرات بالأبيض! ولا ندري أي خطر قادم سينعت بالبنفسجي، أرستقراطية أوروبا قديما زعم بأن دماءها زرقاء، خطر أزرق؟
نحن بني يعرب، ومعنا دول العالم الثالث، نستقبل ما يخرّجه لنا عالم 'الغرب' كما هو ونتعامل مع الحدث، فمصطلح الوصف صار حدثا، ونصيغ خطابنا بمفرداته الموضوعة لنا نرددها كالببغاوات، ونستعمل معايير التصنيف نفسها ونقوم 'بالواجب' نحو المجموعة الدولية ونعقد اتفاقيات التعاون وتبادل المعلومات ونصبح طرفا في حرب 'الساعة' ، الغريب في الأمر أن الاستجابة لا تتم من قبل الحكام فقط بل يلحق بهم بعض نخبنا من إعلاميين واستراتيجيين ومخططين و'خبراء' وصحافيين وكتاب، وبالطبع يخرج عندنا، كما عندهم، خبراء وأخصائيون في شؤون الإرهاب والقرصنة و(الحركات) الإسلامية؟! .. الخ.
فلنق نظرة سريعة على 'القرصنة'، آخر الصرعات!

عن القرصنة يحدثونك!
القرصنة، وأخواتها مثل السلب والنهب والغزو والخطف والاحتلال والحرابة وإبادة الآخر وقطع الرؤوس وقطع طرق القوافل وسرقة الأوطان وسرقة مال الغير، كلها أنشطة بشرية قديمة قدم الزمن، وباعنا فيها نحن العربان لا يستهان به، وإن لم يصل إلى ما وصل إليه السادة في الغرب.
الصومال، وطن كامل تحطم واستلب وزرعت فيه الفتن وقطعت سبل العيش والرزق على أهله بحجج وترهات سقيمة، يهب منه بعض ممن اعتقدوا، على خطأ أو صواب، بإمكانية استرداد بعض ما سرق منهم، فيستعمل ذات السلاح النافذ، فيختطف السفن فيغتني بعضهم ويرتد بعض من خير هؤلاء 'القراصنة' على من يجاورونهم، وهم أيضا يحاججون بنية لفت أنظار هذا 'العالم' لمعاناة شعبهم عسى أن يقوم هذا العالم بإغاثتهم ونجدتهم، من خصم لدود؟ .. ترى من هو؟

من الضحية؟
أوضاع العالم اليوم، ليست سوى نتاجا للأنشطة البشرية إياها، نتاج 'قرصنة'، عتيقة منذ أيام الإغريق والروم، بل فيهم الصين والهند أيضا، ثم قديمة، قبل وعند عصر 'النهضة' حيث كانت الدول الأوروبية 'النامية' والخارجة من عفن التخلف، تشرعن وتكرّس 'القرصنة' كوسيلة لاكتساب الأموال واستلاب الأراضي وأقامة الممالك، ملوك بريطانيا وفرنسا، كانوا يمنحون التراخيص بالقرصنة للمغامرين ضد أساطيل الأسبان لنهبها شريطة مقاسمتهم الريع مع العاهل الحاكم، الترخيص كان يصدر بمرسوم ملكي، وهؤلاء القراصنة صاروا أبطالا ومنحوا الألقاب النبيلة (نسبة كبيرة من نبلاء بريطانيا يرجع أصلهم لهذا النشاط) وأقطعوا الأراضي والدوقيات والإمارات وصاروا من ذوي الدم الأزرق!
ضحاياهم في ذلك في البدء كانوا هم أيضا قراصنة، من الأسبان والبرتغال، أساطيلهم كانت ترجع من الأمريكتين محملة بكنوز الذهب المنهوب من شعوب تمت إبادتها في الشمال وكادت أن تفنى في الجنوب، وحسب أوضاع التحالف، الهولنديين والبلجيك والدانمركيين.
وفيما بعد بأمريكا الشمالية والجنوبية، تم نهب أرض شعوب كانت ترحب بهم في البداية كمستوطنين جدد، كان هنالك متسع للجميع، ولكن الذين قدموا أرادوا الاستيلاء على كل شيء، وعندما قاوم أهل الأرض، أبيدوا بقوة نيران لم تكن معهودة، وبأمراض أتوا بها معهم لم يكن للسكان ضدها من حصانة. ولم يتبق منهم في الشمال سوى النزر اليسير، وبقايا منهم في الجنوب، لا زالت تعاني. يقدر عدد الضحايا بأكثر من ثلاثين مليون حسب الدراسات والبحوث الأكثر مصداقية. ثم شرع أهل الغرب يقرصنون في أفريقيا ينهبون خيراتها ويسْبـٌون سكانها ويسترقونهم ثم يبيعونهم في سوق النخاسة الأمريكية، ثم تقاسموا، بعد شجار، أراضيها وكونوا فيها المستعمرات، وكذلك فعلوا في آسيا ولا زالوا!

بعض مفاخرهم الحضارية
عن الاعتداء والسلب والنهب، نذكر أن ملك بلجيكا، الذي تملّك الكونغو وسلب ما فيها، قتل قرابة العشرة ملايين من سكانها، ورغم الوثائق والبحوث الجادة، لا تزال بلجيكا تتردد في الاعتراف بجرائم الإبادة، طبعا لن نستطيع نحن العرب تسميتها 'الهولوكوست' أو المحرقة، لأنها المصطلح الذي اختص به، على وجه الاحتكار، 'إخوتنا' اليهود، وهؤلاء بالمناسبة دخلوا حلبة القرصنة، فاشتروا وعدا بتمليكهم أرض فلسطين من بريطانيا مقابل دعمها بالذهب، وسلمتهم هذه ارضا لم تكن لهم أصلا، ولكنهم 'قرصنوها'.. لقد قرصنوا وطنا بأكمله شعبا وترابا، يكاد المرء يقول قرصنة من الباطن. الأنكلوساكسون، أشهر قراصنة الخمسة قرون الأخيرة، أتوا أصلا من موطن قرصان أي الدانمارك (من نسل الفايكنغ) وأقصى شمال ألمانيا، واستملكوا انكلترا وسكوتلاندا والويلز وإيرلندا، ثم انطلقوا في ممارسة هوايتهم عبر البحار. الفرنسيون، أوبالأحرى، قبائل الفرانك الجرمانية، أتوا أصلا مما يعرف بألمانيا اليوم، واستملكوا بلاد الغال والبورقونيي، والنورماندي وأرض البريتون والباسك والكورسيك .. الخ. وهم أيضا واصلوا مسيرة النهب عبر البحار .. الروس، في الأصل، قبائل همجية هبطت من السويد واستقرت في أصقاع آسيا الملاصقة لأوروبا ونهبوا الأراضي وشيدوا امبراطورية منها .. (راجعوا 'ابن فضلان' الموثق الوحيد لما حدث).
كل دول أوروبا مارست القرصنة، على بعضها البعض، وكذلك على الآخرين، وما كانت حروبهم طوال قرون وقرون، إلا في سبيل النهب والسلب وتأسيس الممالك بالغنائم.
ولما ازدادت التكلفة وقل المجال الحيوي لهذا النشاط، تهادنت الدول وأخذت تعقد العهود بالمقاسمة والتقسيم، فصار لكل منهم؛ مجال وثقافة، وشاعت بينهم 'ديمقراطية' تشابه تلك التي جرى العرف بها بين عصابات 'المافيا' طوال قرون، أي التفاهم وتقاسم مناطق النشاط من أجل الصالح العام، صالحهم هم فقط ...
تأسس النظام 'الدولي' على هذا المنوال، وهو ذاته لم يتغير، اللهم إلا المسميات وعمليات الإخراج والسيناريو، فلا تزال 'القرصنة' كامنة في وعيهم الباطن، ومن يريد دليلا فما عليه سوى النظر إلى فلسطين و العراق .. والصومال!

ثقافة جديدة؟
صحيح، تطور العالم وتقدم على المستوى، وخرج من ينادي بحقوق أخرى للإنسان غير تلك المنشأة على 'القرصنة' وأسهمت وسائل التواصل بين المعتقدين في 'الإنسانية' والحق والعدل، وقد ينتج عنها خيرا، ولكن ليس في المنظور القريب، والأمر يتطلب جهدا قد تساعد فيه الثورة الآنية في الاتصالات وسهولة التحصل على المعلومات وإمكانيات البحث، وهنا لا أرى لنا إسهاما في المعمعة سوى الولوج فيها، ولكن ليس بالمفردات التي يصنعها لنا القراصنة، عفوا، أقصد أصحاب المصالح الكبرى وعلى وجه التخصيص، أعضاء مجلس الأمن ومن جرى جريهم من وسائل إعلامية وإخبارية وإخراجية .. نعم، يجب علينا أن نذكر التاريخ ونكرره عندما نتنازع معهم، ويجب أن لا نملّ، فالكثير من عامة الناس في الغرب لا يفهمون فيه شيئا، إنهم لا يعرفون سوى الرواية الرسمية متعددة الإخراجات ولا يجب أن ننبطح ونجاريهم في كل ما يقدمونه لنا من تبريرات وحجج، لدينا ما نقول فلنقله ولا نتماثل بهم ولنحاول الوصول إلى من لم يستطع الوصول إلينا، وعنده استعداد لسماع الرواية الأخرى وعلى الخصوص من عامة مواطني العالم، لن تكون هنالك نتائج فورية ولكن المأمول الاقتراب منه بفعل التراكم والترداد.

عن ... لماذا؟
يجب علينا أن ندعوهم إلى طرح السؤال المهم والأهم، ألا وهو لماذا؟ ما هي الأسباب وراء ما يحدث؟ هل هنالك إنسان يولد إرهابيا أو قرصانا؟ ما هي الظروف التي أدت إلى ذلك؟ ماذا يقول التاريخ؟
نحن نعرف الإجابة، إنه الظلم، إنه السلب والنهب السابق لما فعلوه، فلنحاول أن نوصلها لهم، أو لسنا أمة تحمل تاريخها فوق أكتافها؟
لا أدري، ماذا سيفعل سلاطين العرب في هذه الحرب الجديدة على 'القرصنة'؟ هل سيوجهون جيوشهم ضد الصومال؟ أم يشترون الأساطيل الفاخرة لمطاردة قوارب 'القراصنة' البائسة؟ حذاري أن تصيب نيرانكم زوارق صيادي السمك التايلدنيين كما فعلت بحرية امبراطورية الهند العظيمة، أم سندافع عن مداخيل قناة السويس التي لا يستمتع بها عامة الناس بل بعض من 'قراصنة' الداخل؟ لا داع، المستفيد من قناة السويس سيدافع عنها، فلا تتجشموا أعباء لستم بقادرين على حملها! يكفيكم التنديد والاستنكار والتوعد والوعيد!

عن الجهادية
وحتى لا ينزعج أحد من هذا الطرح، تجب الإشارة، أن الإسلام عندما نما واشتد عوده، تعرض لهجومات قراصنة ذلك الزمن (روم وفرس) الذين كانوا لا يريدون منافسا لهم، يسيطر على طرق التجارة، فكانت الحروب أو الغزوات دفاعا عن النفس واحترازية أكثر مما هي قرصنة أو 'أسلمة بحد السيف' ولما صارت الأمة محكومة بملوك 'يعضّون' انقسمت إلى ممالك هنا وهناك، وإن بقي فيها الإسلام هوية، وإيمان في قلوب معتنقيه، والحروب التي قامت في العصور الوسطى وما بعدها، سارت على نفس منوال الزمن، الكل يقرصن ... فنقرصن نحن أيضا، وهي حقيقة ثابتة، فعندما كانت سفن الفرنجة (القرصانية) تصول وتجول ضد الدولة العثمانية في البحر الأبيض، قام سلاطين الآستانة 'بخصخصة' المقاومة، وأعطوا هم أيضا التراخيص إلى الباشوات والبايات والدايات والأمراء بنهب سفن الخصم، وكنا نسمي ذلك 'جهادية' في شمال أفريقيا .. ولكن في هذا العصر، كما في سابقه، لا يزال بين ظهرانينا قراصنة يرتدون حللا أخرى، فها هي الولايات المتحدة وبكل جسارة تقرصن بلادا كاملة، بثرواتها وسكانها وتمارس فيهم إلى هذه الساعة تقتيلا وسلبا ونهبا، الضحية هذه المرة، ليست بلاد الهنود الحمر، ولا الفيلبين إنها أرض السواد، أرض العراق، ومن سخريات الأقدار، أن سلطان العراق السابق عنّ له ممارسة هواية القرصنة قبلهم، فاستولى على الكويت، أما الآن فالخشية أن يتمزق العراق إلى إمارات صغيرات يسهل امتصاص دمها بيسر وسهولة، تماما مثلما فعل الأسلاف من القرصان البريطاني في جنوب العراق.

دعوهم يقرصنوا!
وإجمالا للكلام، فلندع إخوتنا الصوماليين يفعلون ما يعن لهم، الصوماليون علموا من قبل، أن لا حيلة لنا في أمر جاء من علٍ، فلا نحن بمؤيدين لأفعالهم ولا يجب علينا معارضتهم، وإن كان لنا حول على معارضة فلنوجهها إلى قراصنة أخر في أوطاننا في الداخل يعيثون فيه فسادا!

قرصان الداخل
لعل الغريزة اللعينة، ظلت كامنة فينا بشكل أو آخر، منذ أيام الجاهلية عندما كانت القبائل تغزو بعضها البعض وتسلب وتسبي وتقتل، وتتفاخر بذلك، وها هي عشائر العربان من الصنف المتسلق الطفيلي تغزو مناصب القيادة والإدارة في مجتمعاتنا فتسلب وتنهب الأموال... ولا تتورع عن نهب الأملاك وعقار الجار عندما تحين فرصة، ولا يستنكفون من فرض الجزية على كل متقدم بعطاء أو مطالب بحق، والخطر من قرصان الشقران أنهم يحلون ببلد فينهبون ما ينهبون ثم يغادرون ولكن قراصنتنا من بني جلدتنا لا يغادرون، بل يظلوا على صدورنا قابعين كالجثـّامة، ديدنهم النهم ولا من شبع، وفي ظننا، هؤلاء ليسو سوى أقنان لقراصنة كبار من أهل المال والدولار، يتم تثبيتهم وترسيخهم فوق شعوبهم لكي لا تنهض ولا تطالب بحصتها، وهم قد لا يعلمون ... ولكنهم، لا بارك الله فيهم، ينددون ويستنكرون.
عالم فالت الزمام، فـٌرض علينا، عالم اصطنعه قرصان، ولا يزال يقرصن ... هل نقرصن نحن أيضا؟
أم نسعى لفهم وتفهيم الإجابة عن 'لماذا؟ .... لمن لم يفهم ..
بالكلمة .. فقط بالكلمة، الكلمة عندما تتردد وتتكرر وتنطق بحقيقة وتطالب بعدل ... ستسمع يوما ما!- '

ramadanjarbou@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر الجزء الأول من هذا المقال بصحيفة قورينا / بنغازي وصحيفة القدس العربي / لندن ، 04/12/2008


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home