Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الثلاثاء 7 اكتوبر 2008

الثروات المريبة! (*)

حملات تطهير عشوائية أم تكوين ثقافة شغف بالقانون؟

رمضان جربوع

في المقالة السابقة تطرقت لمسألة "الثروات المريبة". وقد رأيت العودة عليها بقليل من التوسع لما أراه فيها من أهمية، بل وخطورة على مسيرة الإصلاح الجارية الآن في بلادنا، والجارية أيضا بزخم منخفض أو مرتفع في بلدان العرب الأخرى، ولنبدأ بمحاولة الإجابة عن المقصود بالثروات المريبة؟

عالمية الظاهرة
الظاهرة عالمية وإنسانية، بمعنى اقتناص الفرص، تحت أي نظام حكم كان. تمرين اشتهر بممارسته العديد ممن يضعون مصالحهم الخاصة قبل المصلحة العامة، وفي سبيل ذلك لا يستنكفون عن ممارسة أمقت أنواع النفاق والتزلف، ناهيك عن الادعاء بالوفاء والإخلاص والإيمان المطلق بالشعارات المرفوعة، وآخرون يستغلون علاقات الزمالة والقبيلة والمهنة والقرابة والمصاهرة، وهم عموما يعرّفون براكبي الموجة، ومن سيماهم التقلب وفق انقلاب الأحوال، بل وفي حالة تغير مفاجئ، لا يرون ضيرا في الاصطفاف وراء من يحوز قصب السبق، محليا كان أم أجنبيا، ويحاولون الاستمرار في نهل الغنائم.

دلائل الماضي
أبرز دليل على ذلك - بمستوى العالم الواسع - ما وقع في الاتحاد السوفييتي، فعندما شاخ النظام، وتعطل الإصلاح، ووهن العظم منه، كان كبار المتنفذين فيه هم أوائل المتسابقين على حيازة التركة وتقسيمها، وبيعت أصول الدولة العظمى برخص التراب، ولكن من اشتراها؟ هم ذاتهم الذين كانوا يصولون ويجولون فيه، بعدما ارتدوا لباس الديموقراطية والإصلاح والشفافية واقتصاد السوق بل وحتى حقوق الإنسان، من حيث إنها الحل الأمثل لتحقيق ما فشلت الاشتراكية في تحقيقه، أو كما يقال لنا قديما: العدالة الاجتماعية! وما تحقق، حتى الساعة، هو تسلط غيلان الرأسمالية الجديدة المتوحشة، بعدما صار لها ثروات أسطورية، لم تتحقق لأفراد حتى في أعتى بلدان الغرب الرأسمالي.. قد تكون هناك جدوى من التذكير بأن هؤلاء هم أنفسهم، أو من بطانتهم، كانوا القابضين على رقبة النظام الاستبدادي الذي كان يبرر بمقولة أن الغرض النهائي هو سعادة المواطن في النظام الشيوعي ... وهو ما لم يتحقق في عهدهم الأول، وما أخاله متحققا على أيدي العصبة الحالية التي نمت واستغولت، وصارت لها أفرع ومافيات عالمية تتاجر في كل شيء، من السلاح إلى الرقيق الأبيض إلى كل ما يباع ويشترى من عقار ومصانع ومصارف.. ووصلوا حتى إلى بلدان العالم "الديموقراطي" الغربي والأمريكي، بل وحتى بلاطاته الملوكية. لا نحتاج للتذكير بأن "الدولار" لا دين له ولا عقيدة، ولا سياسة ولا مبادئ .. الدولار هو الدولار وكفي.

حدث كذلك في بلدان العربان
وعندما ننظر لبلداننا العربية، خصوصا تلك التي كانت لها تجربة "اشتراكية"، نجد الشيء نفسه قد حدث، قبل أن يحدث في بلاد الروس السوفييت. لم يستنكف عتاة المنضوين تحت "كوادر" المؤسسات العتيدة، أو الأخوات الخمس: التنظيم السياسي، الأجهزة الأمنية، الأجهزة الإعلامية، أجهزة إدارة الدولة البيروقراطية أو التكنوقراط، ثم القبلية المقيتة أو المدعين بصلات عائلية ما.

شرع المشرعون في هذه البلدان في التأميمات، بغاية القضاء على طبقة رأسمالية "مزعومة، مختلقة أو ما شابه"، في سبيل إسعاد المواطن ومساواته بجميع أفراد المجتمع، وإتاحة الفرصة للجميع. لسنا هنا في باب التمحيص في سلامة القرار والخيار، ولكن همنا الإشارة إلى أن ما تم فعله في الواقع، بدا وكأنه مفعول بأيدي أناس يهمهم في الدرجة الأولى عدم نجاح التجربة، فماذا نتج؟ ... حالة إفقار لعامة الناس، وحالة إثراء فاحش للمتنفذين الجانحين، وهم قلة، ولكنهم استطاعوا القبض على الزمام، وما استفاد من التغيرات الحادثة إلا هم، فكوّن العديد منهم ثروات مفجعة الأرقام، وصاروا ذوي صولات وجولات. وعند التمعن في هؤلاء القوم وسلوكهم، نجد وبكل سهولة - ففي بلداننا لا شيء يغيب عن السمع والعين، أي ما يسمعه المواطن ويراه أحيانا رأي العين- نرى أن من برز منهم هم ذاتهم أصحاب السطوة والتسلط، هم نتاج لثقافة "التسلط" والاستحواذ على كل شيء: من الرأي إلى الرؤية إلى الفعل، ثم إلى طمس الحقائق والنتائج في سيناريوهات مزدانة بالألوان تقول غير الحقيقة دوما!

وعندنا؟
في ليبيا، كما في العديد من البلدان العربية المشار إليها، تغير التوجه وصار الإصلاح مطلبا، ليس مطلبا محليا فقط بل دوليا، كشرط من شروط العولمة والاندماج في بوتقة التجارة والمال الدولية. لدينا الآن أجندات جد ممتازة في الطرح والتصور، حتى وإن كانت ليست على المستوى المأمول، ولكنها تظل خطوات هائلة وشجاعة وجريئة، لا يسعنا سوى مباركتها والدعوة إلى تفعيلها، ولكن:

من واجبنا التنبيه
والتحذير من المعوقات التي قد تخرج على الساحة، ومنها موضوع هذه السطور: الثروات المريبة!
بدءاً، ليست كل الثروات مريبة، فهناك أناس حباهم الله بنزعة الكد والجهد والذكاء والتيقظ، استطاعوا بواسطة العمل النزيه تكوين ثروات، والكثير منهم يراعي حقوق الناس والدولة. هؤلاء ليسو شأننا، ولكن أولئك الذين كونوا ثروات عظيمة عن طريق الوظيفة المناط بهم أداؤها، أو عن طريق الصفقات التي تتم بالخفاء، سواء لمشتريات ما يلزم لبرامج التنمية أو القوات المسلحة أو التعليم، بل وحتى مبيعات النفط وانتهازيات وصفقات زمن الحصار، أو عن طريق الاستيلاء على المال العام أو الأراضي العامة بغير وجه حق، وغير ذلك كثير، منهم من استطاع تكديس الثروات من مخصصات أو صلاحيات استملكوها بغريزة التسلط والاستحواذ، إلى هنا والأمر معتاد، فنحن نراه في كتب التاريخ القريب والبعيد في أرجاء الدنيا، ولكن ثمة خطر يا سادة!

الخطر الخطر
الخطر، أن هؤلاء أفاقوا لما يجري من تغيير وإصلاح وشفافية ومؤسسات وإعمال قانون ومحاسبة، فكان أن اغتنموا الفرصة المتاحة أو التي أتاحوها لأنفسهم، ودخلوا إلى السوق بعنفوان وجسارة، فتملكوا الشركات العامة، واشتروا أسهم الشركات المطروحة للبيع، وإن استمروا فلن يكون غريبا أن يصير الاقتصاد الليبي كله في متناول أيديهم ومن ثم سيتحكمون في مصائر الليبيين ويسيطرون على الكيفية التي ستدار بها البلاد.

كل هذا أمر طبيعي، وحدث مثله كما قلنا في غيرنا من بلدان العرب والغرب، ولكن أن يدخل هؤلاء بتغيير جلدتهم دون تغيير القلوب فذلك لعمري أمر جسيم. والمقصود هنا أنه إذا ما مارس هؤلاء جل النشاط الاقتصادي أو نسبة كبيرة منه وهم في ذات العقلية والثقافة العتيدة، أي ثقافة الفساد والتسلط والهيمنة واستخدام العلاقات السابقة واللاحقة لتحقيق مأرب واحد فقط، هو مأربهم بمعنى مصلحتهم، إن حدث هذا فسيكون هذا الأمر وبالا علينا كلنا وعلى بلادنا. لقد حدث مثله في بلدان العرب والمنظومة الاشتركية إياها، ففي بلاد الروس ظهر التغيير والإصلاح بصورة عمائر هائلة وسيارات باهظة الأثمان وملاه ووسائل عيش وبذخ لا نظير لها حتى في البلدن التي صنعتها، بينما معظم المواطنين الروس لا يزالون يعانون شظف العيش، ولا يزال مواطنو الدول الاشتراكية العربية يعانون ما هو أشظف، ولا تسألونني عن أي دول أتحدث، فأنتم تعرفونها!

الخطر الجسيم والذي أراه حالاّ، إن لم يرحم ربي، هو أن الجهابذة أو المتسلطين الأثرياء سيستمرون في النظر إلى المواطن الفقير من عل، وبكل استعلاء، فلقد كانوا يتفوقون عليه سابقا بالمرتبة والمنصبة والصلة وقوة نبرات الهتاف وشراسة وجور التعامل، واليوم حتى وإن أزيلت العديد من ألوان الطواويس عنهم، إلا أن ثرواتهم وقد صارت تحمل الجنسية السويسرية، قد أصبحت لديهم باعثا لقوة أخرى كامنة ولا تزال ثقافة التسلط مغروسة يانعة في جوفهم ولا يزال المواطن الفقير كما هو فقيرا فقيرا، كان راضيا في السابق منتظرا، أم اليوم فإن صار لهؤلاء الصولة كما كانت لهم على نطاق كبير سابقا، فما عسى المواطن الفقير أن ينتظر؟

لزوميات "الإنصلاح" بدون الانزلاق مرة أخرى!

ليست العلة في القوانين، فلدينا منها أطنان. وهي في معظمها كفيلة بدرء الشر المحدق، ولكن ما ينقصنا هو ثقافة جديدة، ثقافة تقول بأن لا فرق بين مواطن وآخر، لا في الفرص ولا في الحقوق. ولكي تنمو لدينا هذه الثقافة يجب، فورا وحالا، تفعيل ما يلي:

- مؤسسات المجتمع المدني الحر بدون تعسف وإملاءات أمنية ما أتى الله بها من سلطان، وعلى أن يتاح لها العمل في أي مجال كان بمجرد الإشعار بالتأسيس.
- صحافة حرة تتحدث وتحقق فيما يعن لها، متوخية مصلحة المواطن والوطن أولا وآخرا. ويجب حماية من يكتب فيها، ومنع المتنفذين المستفيدين نم التعرض لهم، وعلى القضاء أن يتابع ما يعرض فيها ثم التحقق منه وملاحقة من استهان بممتلكات الشعب العامة أو بالحريات الشخصية أو بحقوق المواطنين.
- دعم استقلالية القضاء المطلقة، على أن يصاحب ذلك تطهير أجهزته ومكاتب الإدعاء من كل دخيل مريب، تدريب عناصر جديدة غير مشبوهة، تتخصص في التحقيق والتقصي عن كل ثروة أو عقلية ثروة مبنية على التسلط والأنانية والشللية أو القبلية، أيا كانت!
- الاستعانة بخبرات من سبقنا، من أي مكان في العالم كان، ولدينا عبرة في الدول التي صنفت في جدول النزاهة وقلة الفساد مثل سنغافورة، كوريا الجنوبية، الدانمرك، السويد وغير ذلك كثير، عسى أن نخرج من مستنقع ذيل قائمة الشفافية الدولية التي تكرمت علينا بتصنيفنا بالدولة الــمائة وستة وعشرون من حيث الفساد، من أصل مجموع 180، وهو مركز الصومال، أو 178 مرتبة جمهورية العراق الشقيق!
- لا بد من آلية قانونية تستهدف "تبييض" الأموال، ولا أقصد هنا أموال المخدارت والتهريب، بل الأموال التي تم التحصل عليها من قبل مناضلينا الأعزاء من جهابذة الأخوات الخمس إياهم، وهذا ليس بعسير، فها قد صار لدينا سوق مالية، أفلا يجدر بنا الاطلاع على من اشترى ماذا، ثم وبكل حرص التحقق من "صلاحية" استحواذ هذه الأموال التي اشتروا بها تلك الأسهم؟ ثم أليس لدينا سجل عقاري جديد بعد ذلك الذي أحرق، (لا يزال يسمى اشتراكي)
- أوليس ممكنا تتبع مظاهر الغنى والثراء البادي للعيان؟ فمن المعروف أن من يصير من ذوي الملايين في غالب الأحوال يتجه للاستمتاع بها، فهذه مزرعة بها حديقة حيوان، وتلك فيلا ناطقة صارخة بقدرة مالكها "الإنشائية"، وهنا سيارة سوداء سمينة تفجع الناظرين إليها يبلغ ثمنها بضع مئات آلاف، أو ليس ممكنا استنطاق هذه الشواهد؟ إنها تكاد تصرخ بذاتها قائلة: هنا ثروة .. هنا ثروة! ويكفيكم مشاهدة بعضهم وقد صار يرتدي الهندام الأنيق متعدد الألوان يكاد يحاكي به الطاووس!

أيها السادة إذا لم نلتفت لهذا اليوم، فمتى؟ عندما تقع الفأس في الرأس؟

بديهي أنني لا أعمم، ففي مؤسسات الأخوات الخمس هنالك دوما أناس مخلصون، يعملون لما يرونه في صالح الوطن، ولكن هنالك دائما جهابذة أخذتهم العزة بالإثم، وأخذتهم الشراهة أيما مأخذ، وماذا بعد؟

لإحباط شرور الجهابذة دون ضجيج؟
أرى، وفق رؤيتي المتواضعة، وقد أكون مخطئا، أن الإصلاح المتوخى لن "يصير منه" إلا إذا كان إعماله متوافقا مع البحث والتحقيق في سيرة المناط بهم أمره أو الذين سيندسون ويدخلون فيه. يجب علينا الاعتبار بما حدث، فلا عيب إطلاقا فيما رفع من شعارات، لن يستطيع إنسان الطعن فيها تعسفا، ولكن المأساة تكمن في إخراج ما حدث بصورة لا تمت للواقع بصلة، هل العيب في الجهابذة فقط؟ .... طبعا العيب فينا أيضا، فمن رأى حيادا عن الطريق القويم وسكت ورام السلامة، يتحمل جزءاً من المسؤولية، ولو بمقدار.
لا أتمنى أن تنطلق حملات "تطهير" عشوائية ذات ضجيج، سرعان ما تنطفئ، يجب أن تكون حملات مقاومة الفساد والتسلط والانتهازية على هيئة "ثقافة"، بمعنى صيرورتها شرطا اعتباريا لكل من يتصدى لمسيرة إصلاح حقيقي ودائم يحمل في طياته أيضا ثقافة إصلاح الإصلاح ذاته.

سيرة الأسلاف!
لن يكون الأمر شاقا، وإن كان من البديهي أن من لا تعجبهم هذه الكلمات سيتصدون لها بقول أو آخر، ولكن لنا في سيرة أسلافهم من جهابذة العالم عبرة، فكثيرا ما اختلف الشركاء منهم في توزيع الثروات وتقاتلوا، وكثيرا منهم انتحر أو استُنحِر، ألم تسمعوا برئيس الوزراء الذي "انتحر"، أو ذاك الذي كان بارزا في أجهزة أمن إحدى الشقيقات، ضاق بالدنيا ذرعا، رغم الميارات التي جناها ... "فانتحر" هو الآخر وأين!؟ في بلاد الإنجليز!، ثم ألم تسمعوا بوزير الداخلية أو الأمنية الذي انتحر هو الآخر مؤخرا، رغم المليارات التي كدسها؟ ثم ذلك الجنرال الذي كان صاحب الأمر لا يقسم إلا برأسه ومعزته، ألم ينتحر هو الآخر؟ كان ذلك مصادفة على درحات سلم الدخول للقصر، ثم آخرون يختفون من حين وآخر أويصابون بمرض عضال أو تصيبهم نازلة الحادث الأليم، هؤلاء السادة لديهم مقدرة عجيبة على الالتفاف حول كل من يبرز اسمه في البلاد. ومع ذلك لا يظل تحييدهم مستحيلا فنحن نعلم بأن عددا منهم، من ذوي المقاييس العجفاء (المرّيز) !، سيكونون على استعداد للاعتراف والتعاون والشرح والتفصيل الممل في حالة عقوبة بسيطة، ولا بأس في ذلك في سبيل نيل السمين الحنيذ! ... ويا ليت من أحد يقدر على إيصال رسالة إليهم، رسالة بسيطة قصيرة، مفادها:
الوزراء في فرنسا وفي أمريكا "ينتحرون" كذلك .... الانتحار أو "الاستنحار" ليس قاصرا على بلاد العربان!
المهم والأهم، أن تتكون لدينا ثقافة وشغف بالقانون، فلا جدوى من تصفية حسابات عشوائيا، ولا جدوى أو خير يترجى من التضحية بكباش من هنا أو هناك، يجب أن يكون الأمر ثقافة ومنهاجا، ما ينقصنا ليس القوانين بل تفعليها وتطبيقها على الجميع سواسية!

اللهم أجرنا من الثروات المريبة، وأصحابها، فلم يعد لنا جهد على احتمال، لقد انتظرنا كثيرا، وها قد لاح فرج، ألا فليكن فرجا بحق وحقيق!

ramadanjarbou@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة قورينا / بنغازي ، و صحيفة القدس العربي / لندن ، 3/10/2008


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home