Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الجمعة 7 مايو 2010

السياسات والعبثيات *

رمضان جربوع

نمتاز نحن، بني يعرب؛ بشغفنا واستغراقنا في العبثيات، نصرح وندين ونستنكر ونستقبل ونتحادث ونبرم ونوقع ونقرر وندير ونسنّ قوانين ولوائح  ونباشر في مشاريع ومواقف وتوجهات من المفترض أنها تستند على سياسات محددة سلفا تتعدل بمنهجية تجاري ما يستجد في العالم، المشكل أن هذا كله لا يمكن تصنيفه إلا في باب العبثيات! لماذا؟ لأننا – وعلى عكس ما نقول- لا نملك سياسات ثابتة ترشدنا وتهدينا اللهم إلّا تلك التي تعني بديمومة الكراسي للملوك والسلاطين ومن انتحل صفتهم في دوائرهم ودار في ركابهم

القراءة من خارج دبلوماسية الروتين

نفهم الحرص على الاستمرار في بقاء الأمور على ما هي عليه فالعروش مهمة وكذلك أولياء العهد؛ ما لا نفهمه هو أن الأنظمة العربية وبغض النظر عن شرعيتها المفترضة ورغبات أولي الأمر فيها، يقع عليهم حتما مسؤولية الرعية وما قد تعانيه، كذلك مسؤوليتهم تتسع لزاما مع ما يمليه الواقع الجيوسياسي إن لم نقل هموم الأمة العربية وتبعا لها، شئنا أم أبينا؛ الإسلامية.

 أوطاننا تستلب وتغتصب الواحد تلو الآخر ولا يستفيق أحد، يعتقدون أن الهجمة القادمة لن تجرفهم فلديهم مواثيق وعهود من سلاطين الروم والفرنجة ومعهم الأنغلوساكسون .. قالوا لهم: اطمئنوا! نحن نحارب "الإرهاب" وننشد السلام في "الشرق الأوسط" واستقراره وسنحل لكم "مشكلة فلسطين"، ونوفر لكم الأمان من هجمات إيران، ونضمن لكم أمان ناقلات نفطكم، أما أنتم فعليكم مسؤولية تزويد العالم بالطاقة ومواردها عندكم ونحن نحميكم .. ونحميها، سنحضر لكم التقنية ونعالجكم من أمراضكم ونصنع لكم الطائرات والمركبات الفارهة واليخوت، فقط نريد منكم أن تؤيدوا "الشرعية الدولية" والقانون "الدولي" وإرادة "المجمتع الدولي" فأنتم أعضاء فيه بل أعضاء مهمون جدا، وسنبعث لكم المندوبين والمراسيل للتباحث في مشاكل الشرق الأوسط وسنلتقط الصور معكم وسندعوكم للزيارة والمباحثة!

يريد العديد من زعمائنا تصديق ما يقال لهم، ويستجيبون وإن على مضض، وأحيانا بدون "مضض" تارة يعملون ما يطلب منهم بالدقة حتى وإن صرحوا في "عبثياتهم" بعكس ذلك

 العبثية هنا يقصد بها في الغالب الإيهام بانشغالهم بمسائل الوطن الكبير والصغير، وهي على كل حال مادة ينسج منها حملة المباخر "بخوراتهم" ويصطنعون منها مدادا يحبرون به الصحائف ... المهم أن تطمئن "الرعية" وتعتقد بأن الأمور بخير وألف خير، لا تنشغولوا، نحن نقوم بالواجب

الرعية تعاني من الإحباط واليأس والانهزام الذاتي مع شظف العيش وقليل الرزق الذي هو ليس سوى بقايا وفتات قصاع الأكابر، الأكابر كانوا مناطين بتوزيعه بالعدل والقسطاس، وما وزعوه إلا فيما بينهم، طبعا هم مهمّون أيضا! ... إذا عدلوا في التوزيع فلن ينالوا سوى "حصة" السيد المواطن وهذه بالتأكيد ليست الجزاء العدل لمجهوداتهم ولا تكفي باعتبار أهميتهم! ...

 وإن خطر على بال  السيد المواطن الاعتراض أو أبدى طموحات زائدة في التعلم والعيش بصحة وكرامة أو في أية حقوق أخرى كحرية الرأي في ما يجري، في هذه الحالة؛ يخرجون لنا "عبثيات" أخرى منها: الأمن القومي والالتزامات الدولية أو الشكوى من تردي الحال ثم إذا رفع صوته؛ في هذه الحالة سيستضيفون من يشذ عن القاعدة الموضوعة إلى حيث ينسى حتى اسمه أو ما كان يقول!

عندما تدارشؤون الأمة، أو الوطن بهذا النهج، أي لا سياسات واضحة موضوعة لحمايتها، معلنة ومفعّلة ولا تستند إلا على مصالح الأمة، ولمّا كانت السمة الظاهرة في "سياساتنا" هي العبثية، ما هي النتيجة؟

 سينتشر العبث بكل مقومات الدولة والأمة ومواردها وأرضها ومياهها وبحارها وأجوائها وصحتها وتعليمها وجامعاتها ومدارسها وإعلامها وجيوشها، ستصبح الدولة عبثا في عبث! لا يستفيد منه سوى البطانة الفاسدة العابثة ويعم القهر والفقر والسقم والجهل إن لم نقل الحمق!

وإن أردتم أمثلة، فألقوا نظر عابرة على العلاقات ما بين دولنا، ما بين القائمين على أمور الأمة  والأمة ذاتها، بون شاسع وبحر لاطم من العبث والفشل والقصور، وكل ذلك جعلنا لقمة سائغة سهلة المنال يزدردنا العتاة القابضين على أعناق السلاطين والرؤساء، صحيح لم يبلعوهم بعد وإن شرعوا بالبعض، هم يهضمون اللقمة بروية قبل التقاف الأخرى، مسألة وقت إلّا!

تأمّلوا!

دولتنان متجاورتان ما يوحدهم أكثر مما يفرقهم، حدودهما مقفولة، وزير دولة يطلق لفظ العدو على العدو ثم تعتذر دولته وتقول أن المقصد تبيان أن العداوة تتعلق بالدولة التي يزور، دولة أخرجت انتخاباتها فرسانا لم يستطيبوا ما نالوا فشرعوا باتهامات العمالة المتبادلة لكل منهما وكأن الذي أتى بهم أصلا عدو لدود! دول تستنكر حقوق الإنسان وحرية الرأي والصحافة وتتهم القائلين بعدم الفهم لظروفها، وبأنها فردوسا لما أنكروا عليها، إعلام دول يستنسخ الواحد الآخر؛ يكفيك أن تسمع واحدا، تغير مفرد الاسم كما تشاء، فكأنك سمعت الجميع، دول شعوبها جائعة ويقولون لك تعاني من التخمة، جامعات تستلم نصف أمّي وتخرّج نصف جاهل، يقول لك الزعماء نحن لا نثق بإسرائيل ولكننا سنتباحث معها مجاملة للرئيس أوباما، مسكينة أمريكا هي الأخرى تحب العبث! دولنا تقوم بمشاريع توليد الطاقة من الذرة والشمس والريح بينما يغرق معظمها في بحار النفط، نشتري كل عام ما يكفي إسرائيل سلاحا لعقود من الزمن، يصدأ السلاح فنشتري غيره، نحن نحب السلام وخيارنا السلام .. لذلك لا نستعمل السلاح ضد الآخر .. ربما ضدنا الرعية أو ضد بعضنا البعض حتى لا نزعج السلام العالمي!

هل من حل؟

لماذا لا تعقد الرعية اتفاقا مع حاكميها؟ تتنازل عن الثلاثة أرباع من مواردها لتغطية لزوميات العبث، وتحوز الربع على أن تتصرف فيه بحريتها؟ أليس ذلك عدلا؟ أم هو عبث آخر؟

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة  "اويا" ـ طرابلس ، وصحيفة "القدس العربي" ـ لندن ،  الخميس  6/5/2010


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home