Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الأحد 6 ديسمبر 2009

الموجبات والخيارات في اقتصاد الإصلاح*

رمضان جربوع

لا نزاع في‮ ‬أن الإصلاح المطلوب،‮ ‬وتدارك التعثرات السابقة‮ ‬يستوجب أن‮ ‬يكون شاملا،‮ ‬وأن بالتدرج،‮ ‬ليس فقط في‮ ‬تحديد مواصفات من‮ ‬يقع عليهم العبء للقيام به وكذلك في‮ ‬إخضاع من كان له دور في‮ ‬إعطاب مسيرة التنمية للمحاسبة وإعمال القانون واشتراط إقرارات الشفافية المتحقق منها،‮ ‬وتوفير وسائل النجاح من حيث التواصل مع المواطنين،‮ ‬الذين في‮ ‬غالبيتهم معدمون؛ برصد إنفاق مخصص لمكافحة الفقر وسد حاجات المعوزين‮ ‬– وهم كثر‮ ‬– وإتاحة الفرص للتعبير‮ ‬غير المقيد عما‮ ‬يجيش في‮ ‬صدر المجتمع،‮ ‬وإعادة النظر في‮ ‬الهواجس التي‮ ‬تتحكم في‮ ‬القرارات المتعلقة بالمسائل الأمنية وإيقاف وتحديد هيمنة المتسلطين من مدعي‮ "‬الولاء‮" ‬في‮ ‬كل صغيرة وكبيرة خصوصا الآن وقد التحق البعض منهم بركب الإصلاح‮ (‬وهم بالانفتاح‮! ‬أكثر شغفا‮) ‬حتى لا تتاح لهم الفرصة ليفسدوا مرة أخرى،‮ ‬يستوجب الأمر كذلك توسيع نطاق مشاركة المواطن في‮ ‬دق النفير وتكوين الصورة الأوضح للرأي‮ ‬العام عبر مؤسسات مجتمع مدني‮ ‬متوافقة مع المعايير الدولية،‮ ‬يتاح لها المراقبة والحث على الالتزام بحقوق الإنسان الأساسية ثم وبالتزامن،‮ ‬التوصل إلى حلول لقضايا نشأت بفعل تجاوزات وانتهاكات سابقة،‮ ‬والحلول‮ ‬يجب أن تشمل الاعتراف بخطأ الدولة عن طريق‮ "‬عمالها‮" ‬والاعتذار عما حدث منهم وجبر الضرر والتحقيق‮.‬ عند الشروع في‮ ‬تحقيق ما سلف،‮ ‬والذي‮ ‬نراه،‮ ‬حيويا وملحا ولا مفر ولا لف أو دوران حوله سنستطيع القول بأن مسيرة الإصلاح قد انطلقت ولاسبيل لإيقافها‮ ‬– ونحن نرى التباشير بذلك حتى وإن كانت خجولة‮ ‬– سيبقى السؤال الأهم‮:

‬ أي‮ ‬اقتصاد نريد؟

التعبير الأصح قد‮ ‬يكون؛ أي‮ ‬إصلاح اقتصادي‮ ‬نريد؟

لا شك،‮ ‬الخطوات الإصلاحية التي‮ ‬أشرنا إليها تستهدف تدارك آثار التعثرات السابقة،‮ ‬وستسهم دون شك في‮ ‬بداية تحسين مستوى حياة المواطن العادي‮ ‬الذي‮ ‬سيصبح أكثر اهتماما بالشؤون العامة،‮ ‬ولكن الإصلاح ليس بإصلاح عطب ما سلف فحسب ـ أي‮ ‬ذلك العطب الذي‮ ‬أدى لتدهور مستوى المعيشة وتعطيل التقدم ـ ولكن الإصلاح عن طريق وضع أسس واضحة المعالم،‮ ‬تشريعية وإجرائية وقضائية،‮ ‬حتى لا تضيع الخطوات سدى ولا تقود إلا إلى التموضع حيث نحن،‮ ‬وحيث ستظل الأخطار كامنة في‮ ‬معاودة الكرة بفعل من فعلها مسبقا‮.‬ بداية،‮ ‬الاقتصاد أو الإدارة لشؤون العمل والإنتاج‮ (‬بأصنافه‮) ‬وتنظيم العلاقات وضبط الإجراءات التعاملية ضمن تصور محدد مبني‮ ‬على المعطيات الآنية‮ ‬من مختلف العناصر وكذلك تلك التي‮ ‬ستحدث مستقبلا،‮ ‬لا نعلمها ولكن نستطيع أن نستشرفها،‮ ‬منظومة معقدة متشعبة،‮ ‬وهي‮ ‬مترجمة لمقاربة سياسية معينة معتمدة‮.‬

انتقالية؟

وبلادنا اليوم تواجه المرحلة الانتقالية من اقتصاد القطاع العام الذي‮ ‬كان‮ ‬يقوم بكل شيء،‮ ‬إلى اقتصاد السوق الليبيرالي‮ ‬حيث دور الدولة لا‮ ‬يتعدى المراقبة والضبط والتدخل عند الحاجة القصوى،‮ ‬هذا الاقتصاد‮ "‬السوقي‮" ‬لا‮ ‬يصلح لنا اعتماده فورا لأنه‮ ‬يتطلب مؤسسات،‮ ‬بمعنى دولة تعمل بواسطة مؤسسات مشرعنة من السلطة التشريعية كاملة الاستقلالية وغير قابلة للتدخل‮ (‬مثل ديوان المحاسبة المستقل،‮ ‬والقضاء كامل الاستقلال قرارا وادعاءا وتنفيذا لأحكامه ـ بعد إصلاحه طبعا ـ ثم المؤسسة المختصة بشؤون الميزانية وإنفاقها وضبطها من حيث الجدوى والجدية ومؤسسات حماية المستهلك الأهلية،‮ ‬وكذلك مؤسسات الإشراف على الخدمات المهنية والحرفية والمالية والعاملين بها‮.. ‬الخ‮)‬

في‮ ‬انتظار دولة المؤسسات

نحن مازلنا في‮ ‬مرحلة إعادة النظر وربما في‮ ‬إعادة التأسيس لهذه المؤسسات التي‮ ‬سيستغرق إعمالها وقتا طويلا،‮ ‬فهي‮ ‬لا تأتي‮ ‬بمجرد صدور التشريع بها،‮ ‬ولكنها تحتاج لتغيير في‮ ‬الثقافة السلوكية سواء من طرف المواطن أو أولي‮ ‬الأمر في‮ ‬مختلف قطاعاتهم‮. ‬المؤسسات التي‮ ‬نتحدث عنها تحتاج لترسيخ مفهومها لدى كافة الناس،‮ ‬ولن نستطيع إقناعهم بالمفهوم إلا من خلال الأداء الجيد والمراقب‮.‬ نحتاج لرجالات تكنوقراط عاليي‮ ‬الكفاءة والفعالية،‮ ‬وإن كان لدينا بعض منهم،‮ ‬إلا أن النقص فيهم لا‮ ‬يزال مفجعا،‮ ‬ولما كنا نتحدث عن اقتصاد‮ ‬غربي‮ ‬النشأة،‮ ‬وحيث أننا صرنا نتعامل مع مؤسساته الدولية‮ (‬ابتداء من الاتفاق مع صندوق النقد الدولي‮ ‬والبنك الدولي‮ ‬في‮ ‬سنة‮ ‬2005) فهي‮ ‬أيضا تتطلب اعتماداً‮ ‬فعلياً‮ (‬وليس شفوي‮ ‬فقط‮) ‬بشروطه،‮ ‬ومنها الشفافية في‮ ‬الميزانية والأداء،‮ ‬ضبط الإنفاق والمطابقة ما بين الوارد والصادر والرصيد ومحاسبة المسؤولين عن التجاوز،‮ ‬الجدوى الاقتصادية،‮ ‬ثم،‮ ‬الاجتماعية أيضا بالنسبة لنا باعتبارنا من دول العالم الثالث‮ .. ‬إلى آخر المنظومة‮.‬

أهو تغيير؟ وبأية وتيرة؟

إذا،‮ ‬في‮ ‬هذه المرحلة،‮ ‬لم‮ ‬يعد الحديث عن‮ "‬إصلاح‮" ‬فقط،‮ ‬بل‮ ‬يتجاوزه إلى تغيير كامل في‮ ‬البنية الاقتصادية للوطن،‮ ‬والخشية كل الخشية هي‮ ‬تسريع وتيرة التغيير بدون الاستعداد لها كما‮ ‬يجب فهذا من شروط النجاح أو الوصول إلى بر الأمان‮.‬التغيير سيمس البنية السياسية لامحالة،‮ ‬والسياسة وحسب ما طرح في‮ ‬البلاد واعتمد،‮ ‬عبر المؤتمرات الشعبية ومؤتمر الشعب العام،‮ ‬تظل هي‮ ‬الأخرى عرضة للتغيير أو لنقل التطوير،‮ ‬ومن الممكن جدا إحداث التغيير والتطوير بأدوات عمل وأداء وأزمان ومواقيت‮ "‬ممارسة السلطة‮" ‬عبرها،‮ ‬ففي‮ ‬هذه المرحلة لابد من أن‮ ‬يكون لكل مواطن صوت فيما‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬البلاد أو فيما‮ ‬يعزم العمل به،‮ ‬وليس عبر قرارات‮ ‬يتم إعدادها وتعرض ويوافق عليها،‮ ‬الموافقة لا‮ ‬يجب أن تقتصر على الاعتماد فقط‮ (‬على طريقة الختم والبصم‮) ‬بل على كيفية الإعداد من حيث المبادرة المباشرة،‮ ‬على أن‮ ‬يكون التناول والنقاش والاعتماد متزامنا مع ما تأتي‮ ‬بها اللجنة الشعبية العامة‮ (‬الوزارة‮) ‬من اقتراحات،‮ ‬وما‮ ‬يأتي‮ ‬من الشعب.‮

خيارات؟

وعوضا عن الاستمرار في‮ ‬الحراك كما سلف،‮ ‬لدينا خيارات أخرى دون شك،‮ ‬ولنا الاستفادة من تجارب جيراننا‮ (‬تونس ومصر‮)‬،‮ ‬والاستفادة ليست بالاتباع ولكن بتلافي‮ ‬ما صار لديهم من‮ "‬أعطاب‮" ‬والابتعاد عما سببه‮.‬ في‮ ‬كلا الدولتين،‮ ‬الاقتصاد موجه بصورة مركزية من قبل الدولة،‮ ‬وإن كان‮ ‬يبدو ليبيراليا في‮ ‬الظاهر إلا أنه مقصور على‮ "‬تعاون‮" ‬و"تحالف‮" ‬ما بين مؤسسة الدولة الشاملة المهيمنة وقطاع الأعمال والذي‮ ‬يحتوي‮ ‬في‮ ‬جزء كبير منه على‮ "‬أوليغارشية‮" ‬نخبوية من‮ "‬ذوي‮ ‬الولاء‮" ‬وأحيانا من ذوي‮ ‬القربى والمشاركة الخفية،‮ ‬وكل ذلك تحت حراسة مشددة وأحياناً‮ "‬شرسة‮" ‬من أجهزة الأمن المتعددة‮.‬

بالتأكيد ليس هذا هو الخيار الذي‮ ‬نريد

لدينا هاجس،‮ ‬بل فلنقل أمل كبير،‮ ‬في‮ ‬ضمان‮ "‬الاستحقاقات الاجتماعية‮" ‬التي‮ ‬يجب أن تكرس،‮ ‬فهي‮ ‬إلى جانب حقوق الإنسان الأساسية وضماناتها،‮ ‬وحرية التعبير،‮ ‬هنالك ضمانات نحتاجها ولنا الحق فيها ولا اجتراء على‮ "‬الدولة‮" ‬في‮ ‬ذلك،‮ ‬مثل الحق في‮ ‬تكافل الفرص والحق في‮ ‬العمل والتعليم والصحة‮.‬ نريد من أهل الإصلاح،‮ ‬الإعلان عن الالتزام به وتكريسه وتشريعه ومأسسته شريطة أن‮ ‬يشمل الحقوق والاستحقاقات،‮ ‬الإنسانية والاجتماعية والسياسية،‮ ‬حتى نستطيع أن نضع استراتيجيتنا الاقتصادية،‮ ‬أو مخطط التغييرات المنشودة بوتيرة نستطيع احتمالها وإنفاذها،‮ ‬ولهذا حديث آخر‮ ...‬

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة أويا ، وصحيفة القدس العربي، الخميس 3/12/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home