Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

السبت 6 سبتمبر 2008

سيف وجهابذة الأخوات الخمس! (*)

رسالة لعـالم العـربان وللاعـتـبار

رمضان جربوع

لا مراء في أن خطاب السيد سيف الإسلام الأخير الذي أعلن فيه انسحابه من الحياة السياسية والتوقف عن التدخل في شؤون الحكومة المباشرة، كان له وقع وأي وقع!

لا يستطيع أن ينكر، إلا جاحد، أثر الفعل "الحميد" الذي تركه سيف في حراك البلاد السياسي، بل وحتى الاجتماعي، رغم قصر فترته النسبية. صار لنا، نحن عامة الناس، الحديث والكتابة وإبداء الرأي في كثير من الهموم التي نعاني منها، في وطن لم يبخل عليه الخالق بشيء، أرض شاسعة، موارد رزق وفيرة، قليل من السكان، انفتاح على العالم موروث منذ القدم، طموح كامن لا نظير له في أفئدة مواطنيه، موقع في وسط العالم العربي، مشرف على أوروبا وبخلفية قارة أفريقيا الواعدة. كان من المفروض، خصوصا بعد الإعلان عن أهداف ثورة 69، ونداء القفز إلى الأمام، والتصريح بعدم الانحياز لا للشرق ولا للغرب، والإصرار على عروبة وإسلام يختصران ثقافة أهل البلاد وتطلعاتهم وما يصبون إليه..أن يكون غد يوم الأمس مشرقا، فماذا حدث؟

الأخوات الخمس!

بعد طفرة عظيمة في التعليم والبناء والخدمات، وتواصل وتفاعل ما بين قيادة البلاد وأهلها، كان من المقدر أن تستمر عجلة التنمية في الدوران بدون توقف، لتمكن ليبيا من تبوأ مركز متقدم في العالم، إلا أن عملية إعادة بناء الدولة ووضع التوجهات وأساليب العمل، شابها ما يشوبها عادة، وفي شتى بقاع العالم، من عوائق ومعوقات، كان من أهمها:

(1)

تزامن وتوازي الفعل التنموي الهيكلي المحلي، وما يتطلبه من حشد قوى وجهود، مع الفعل الخارجي، العربي منه على وجه الخصوص، وبعده العالم الخارجي، الغربي منه والشرقي، ونتج عن ذلك تعدد الاهتمامات والاستراتيجيات، فكان لابد من خيارات، وكانت عديدة، سارت الأمور وتحت وطأة ظروف دولية وحراك محلي فسر على غير وجاهة، وارتئي قصر الفعل بمنظومة مفاهيم حكم معينة صارت بعد سنوات مستوفاة في الطرح الجماهيري، وما صاحبه واقعيا، وإن لم يصرح به، الحزب الواحد، وبتعبير آخر "حركة اللجان الثورية" بوصفها المحرضة للجماهير على ممارسة الحكم المباشر لنفسها بنفسها.

(2)

وكان لابد من إعلام "جماهيري" بمعنى الصحافة والإذاعة ليقوم بمهمة الإخبار والشرح والتفسير كيفما كان، وتحول هذا "الإعلام" إلى جهاز ديناصوري يفرز مواده بوفرة حتى صار مثله مثل أجهزة المنظومة السوفييتية، شكلا وإن لم يكن بنفس المضمون، وبتفسير شعبي بسيط: "عنزة ولو طارت"!

(3)

البلاد، كأي بلاد، تحتاج لحكومة تنفيذية بيروقراطية، تكنوقراط يعني!، ماذا صار لدينا؟ قائمة لا تزيد على مائتي اسم تتداول الكراسي طوال ثلاثة عقود بنفس النهج، يطلب منها تنفيذ قرارات الساعة، والكثير منها كان ضخما في المؤدى والمفهوم مثل التحول إلى الاشتراكية وما صاحبها من تأميمات وبتر لأعضاء القطاع الخاص، الذي كان واعدا، ثم الثورة الزراعية وإقامة المزارع بالآلاف المؤلفة، وتشييد الصروح الصناعية في كل المجالات، باختصار حتى مع الابتعاد عن تقييم الخيارات ومناسبتها للحالة الليبية، تحول التكنوقراط إلى آلة ديناصورية هي الأخرى، وإن كانت بأطراف عديدة متعددة، فهذه وزارة وتلك هيئة وأخرى مجلس، ثم شركات عامة ومؤسسات عاملة، إلى آخر القائمة. ولم يتمكن أحد، من الذين قد يعلمون، من المعارضة أو النقاش أو حتى مجرد التساؤل! ... واستمرأ هؤلاء التكنوقراط المقام، وصاروا يفعلون كما يحلو لهم، ويكيفون الصيغ والتوجهات حسب ما يرون في الحدود المتاحة لهم، والتي لم يتوانوا يوما عن توسيعها، صلاحيات وميزانيات وإفرازات، ولا حسيب ولا رقيب!

(4)

ونظرا للظروف التي سادت إبان العقود الثلاثة المنصرمة، ردود فعل دولية وعربية وأخرى محلية، ثم ضغوطات سياسية وحربية، ناهيك عن تهديدات تصح أحيانا، وأخرى لا توجد إلا في أذهان مدبجي التقارير. فكان لا بد من نمو ديناصور آخر بمسمى الأجهزة الأمنية، التي تعددت وتشعبت، ثم تضخمت حتى استغولت، وبات تأثيرها محسوسا في جميع مناحي الحياة في الوطن. وبدايات الأجهزة الأمنية كانت، كما هو الحال في كل بقاع العالم، كما يقول لنا التاريخ، كانت من حيث انتهت مثيلاتها التي سبقتها من العهد الملكي، والتي بدورها كانت موروثة من حكم الإدارة البريطانية في فترة الانتقال من الاستعمار إلى الاستقلال!

(5)

ثم، وأيضا كما يحدث في بلدن العالم، ظهرت علينا، عند ابتداء الوهن والخلل في مؤسسات الدولة وسيادة القانون، الظاهرة المقيتة المسماة بالعصبية القبلية، حيث لجأ إليها البعض ضمن تكتلات وفقا لعلاقات ما، ولجأ آخرون لاستخدام صلة القربى ببعض الشخصيات القيادية الهامة، فكونوا بدورهم تكتلات، واستباحوا لأنفسهم ما لا يبيحه لا قانون ولا عرف، والظاهرة انتهازية، بل وأكاد أقول منافقة، فهي بكينونتها الاسمية، أو للعلاقة الاسمية، صحيحة كانت أو مفتعلة، لم يكن شأنها الوطن، بل شأنها الأول والأخير هو ذاتها، ومصلحتها وما قد تجنيه من مغانم.

وهكذا تكونت لدينا خمس مؤسسات أخوات شقيقات، تتداخل في بعضها البعض أحيانا، تتعارض أخرى، تتحالف مرات وتتحارب أخرى، وهي وإن كانت بتوصيفها مؤسسات، على الأقل الأربع الأوائل منها، لا بد من وجودها في أي دولة، ولقد وجدت لدينا. وعناصرها، أي عناصر الأخوات، فيها الغث وفيها السمين، فيها الجدير وفيها غير الكفء، وفيها المخلص المتفاني للوطن وفيها الجهبذ، أي العنصر المتسم بكثرة الحراك والصراخ والتواجد بدون فعل إيجابي، ولكنه في سبيل حيازة واستمرار "المقام" لا يعزف عن الطبل والزمر والتخوين والإقصاء وشن المعارك بدون أعداء، والأعداء يختلقون على كل حال في كل زمان ومكان، هكذا تقول كتب تاريخ العرب ....

إذن مشكلة التنمية والتقدم والإصلاح، الذي لا يجب أن يختتم أبدا، تصبح معاقة ومعرقلة بفعل هؤلاء الجهابذة، وجهابذتها في ليبيا تمرسوا في الصنعة وصاروا فيها مهرة فعلة، وحققوا مكاسب وغنائم وصاروا من أصحاب الثروات والسلطات والمواكب والحرسات، فكيف يمكن لهم أن يتنازلوا عن كراسيهم؟ هكذا وبكل بساطة؟

لا شك أن السيد سيف الإسلام في مسيرته الجريئة كان شجاعا، حتى وإن كان يتمتع بدعم القيادة العليا، إلا أن إصلاح حال ما صارت إليه البلاد لم يكن ولن يكون هينا، فظاهرة الجهابذة مترسخة في كل أرجاء البلاد، وعلى كافة مستويات الإدارة والقرار، وهي أصلا تريد وتصر على استمرار الحال على ما هو عليه، فكيف لفرد واحد أن يقوم بمجابهتهم؟ خطورته ليست في عدم "الكبير" ولكن في ثقافته التي صارت تمسك بخناق المجتمع ككل، وهنا أقف لحظة ... لعل فيها الأمل!

التصدي لمعيقي الإصلاح، سواء ككل أو الأخذ بتلابيب كل أخت على حدة، ليس هينا أبدا، ولكنه يهون ويصبح ميسورا في حالة ملاقاة المعيقات بمعطياتها الأساس، والتي حسب رأيي المتواضع، تكمن كلها في "ثقافتها" التي سادت لثلاثة عقود، أي ثقافة الجهبذة والادعاء بالقربى ونيل الحظوة، والعلم بكل شيء وبأنهم هم المخلصون الوحيدون وأنه بدونهم لن تقوم للنظام قائمة ...

لابد من ثقافة مضادة!

والثقافة المضادة لصدها هي ثقافة المجتمع المدني، فسيف الإسلام وحده لن يستطيع شيئا بمواجهة ثقافة راسخة متصلبة في أذهان آلاف غفيرة من هؤلاء الجهابذة، والتي للأسف زحفت حتى إلى أذهان أفراد المجتمع، وصار العديد منهم يعتمد مقولة لا نجاح أو وصول أو إيفاد أو ثروة أو أي شيء .. بدون علاقة وساطة مع السادة "الجهابذة" ...

المجتمع المدني يقول بمبدأ "الوطن للجميع"، ولا فرق بين زيد وعمر إلا في الإخلاص للوطن، وحب الوطن وأهل الوطن قبل حب الذات.. المجتمع المدني يقول بحق الرأي وبحق الرؤية، فالحق في الرأي المخالف يجب ألا يعتبر عدوانا وتآمرا، والحق في الرؤية، بمعنى فهم الوضع القائم موضوع الإشكال بصورة قد تختلف عن "رؤية" السادة الجهابذة، ويجب ألا يجرم من يقول برأي مخالف ويقول برؤيته للوضع التي قد لا تتوافق مع رؤية الغير.. والرؤية قد تكون للوضع الحال، أو للوضع الذي يجب أن يكون عليه. المجتمع المدني لا يجرم ولا يستدعي للتحقيق من يقول بغير "رأي" و"رؤية" الآخر ... المجتمع المدني السليم يعتمد أولا وآخرا على حقوق الإنسان ....

يظل تأثير حراك المجتمع المدني مرهونا بالحيز المتاح له، الحيز الذي كان متاحا في ليبيا اختزل بفعل الجهابذة، ولابد له من أن يتبوأ مكانه في دائرة الحراك، ولا يتأتي ذلك إلا بمشاركة كل من يدعو للإصلاح، ويكون نظيف السجل، ويكون همه الأول خدمة الوطن لا خدمة مصارف سويسرا!

وهنا أميل لموافقة السيد سيف الإسلام على ما نواه من اعتزال الحراك السياسي المباشر، فهو وحده لن يستطيع، ولكن وكما وعد بأنه سوف يستمر بنشاطه في ميدان حراك المجتمع المدني، فقد يكون له دور مهم نأمل فيه، وندعوه بأن يركز عليه، ألا وهو تفعيل المجتمع المدني والعمل على تغيير شروط النشاط فيه، وفقاً للمعايير الدولية، وإتاحته للجميع بدون إقصاء أو تشكيك أو تخوين أو "موافقات أمنية" .... حراك المجتمع المدني عندما يتاح له الحيز والإطار القانوني اللازم، ستستعر شعلته، وسوف يحرض الجماهير ونخبها (أي القادرة على العطاء دون مقابل) على حشد القوى والدعوة للإصلاح وبصوت عال، وسيكون لها تأثير كرة الثلج التي تهبط من قمة الجبل صغيرة وتكبر وتكبر حتى تصل ضخمة، يصعب إيقافها وسيكون مؤداها خيرا في خير!

المجتمع المدني في حاجة للحرية ولصحافة تعددية ولكتابات وإسهامات الخيرين في مجتمعنا، وهم كثر ولله الحمد، ولكن الكثير منهم لا يزال عازفا عندما يسمع عن الاستدعاء والتحقيق بتهم التضليل، كما حدث للدكتور فتحي البعجة ومحمد طرنيش وأحمد المغربي وأخيرا سمعنا أيضا عن استدعاء الكاتب الأديب الشاعر أحمد الفيتوري، حتى لو كانت المعاملة مهذبة، إلا أن المبدأ لا يزال مستهجنا، حسب معايير العالم اليوم، المجتمع المدني في حاجة لوقفة شجاعة للقبول به من الباب الواسع دون تخويف أو إرعاب!!

وبعد يا سيد سيف الإسلام، ما يجري لدينا، وعلى الرغم من كل شيء، لا يزال يبعث الأمل في نفسي، ولازلت متفائلا، فبالله عليكم: إذا لم أتفاءل، فما أخالني فاعلا؟ ... أجلس وأستقبل؟ كما كنت طوال العقود الثلاثة؟

وكلمة أخيرة ... حذار.. حذار.. من أن تتحالف بعض عناصر الأخوات في جبهة واحدة لقفل الباب على الإصلاح،... الإصلاح الذي ليس منه فكاك! والقوم استغولوا ولم يدركوا ذلك بعد!

ramadanjarbou@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة القدس العربي/ لندن 4/9/2008


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home