Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الأحد 5 ديسمبر 2010

ويكَ لم تعد قادرا على الإخفاء .. ولا الاختفاء!

رمضان جربوع

 

السرّ يكمن في أن "السرّ" مات!

ويكَ، أو يا ويلك؛ من وحي تداعيات تسريبات "الويكي ليكس" المؤذنة بأن الآتي أخطر وأعظم.

والمعنِي؟ أي سلطان من سلاطين العالم. والجاني؟ إنها ثورة المعلومات والاتصالات وتقنياتها التي انفلت زمامها وصارت تتطور ساعة بعد ساعة، بسرعة لم يعد ممكنا متابعتها ناهيك عن إدراك أو حتى توقع مدى تأثيرها على بني البشر كلهم، فقيرهم وغنيهم، عالمهم وجاهلهم،  ولكن كيف؟

الكون لن يعود كما كنا نعرفه أو كما عرفه أسلافنا. والسر يكمن في أن "السرّ" مات .. رحل ولن يعود لدينا أسرار بعد اليوم، وسيأتي اليوم الذي تتحقق فيه – علميا- مقولة أسلافنا التي مفادها: السر يموت عند مغادرته الشفتين بل ربما مجرد تخيله في خلايا الدماغ الرمادية .. يوما ما!

العالم مقسم لدول ومناطق نفوذ، وأنظمة قائمة واقتصاديات وحكومات تروح وتغدو، وجيوش واستخبارات وفيالق درك وجندرمة ومصارف وبورصات وشركات كبرى، فعلية ووهمية، كلها تحكمها المصالح، سياسية واقتصادية واجتماعية وعنصرية، وأحيانا غرائز حب البقاء والهيلمان والتيه والزهو ومحاكاة الطواويس!

كلهم يعلنون العمل علنا، بينما هم يجوسون الديار في عتمة، يتهامسون ويتآمرون ويدبرون نهارا وليلا، يقولون غير ما يفعلون، ينطقون بغير ما يكنّون، ويزوّرون ويدلسون ويداهنون وينافقون ويسخرون ويضحكون، ولا ترف لهم شعرة أنف خجلا!

قبل الحاسوب هكذا كانت الأمور منذ قرون، ما يحسبونه سرا، يرسم كذلك ويحصر تداوله بين صفوتهم، ومن الصفوة من يخون من حين لآخر فيقوم "بالتسريب"، وسرعان ما يتم تلافي الأمر و"كلفتته" إلا أن الحاسوب وتقنيته الرقمية وما أدت إليه من ثورة المعلومات – بحق وحقيق- وسرعة انتقالها وصعوبة اعتراضها.

اليوم وبفعل تأثير هذه الثورة تضاعف حجم هذه المعلومات بآلاف المرات بل بملايين مرات، ولما كبر الحجم ازدادت الحاجة لمزيد من ال "الصفوة" لمعالجتها واستخلاص المفيد منها، وظهر جيل جديد من المقربين تدرب علميا ورقميا وصار أول المستفيدين من المعلومات وما تحمله.

ومن ضمن ما تحمله: بضاعة خطرة وقد تكون سامّة للبعض، والبضاعة تتعلق بمبادئ حقوق الإنسان، والحق في الرأي والتعبير، والحق في المعلومات (آه منك يا معلومات!) وأيضا النزاهة والشفافية والعدل، ومن دفق المعلومات الهائل كان البعض من "الصفوة" المصرح لها أمنيا بدرجة معينة، من يحمل سمات الإنسانية وبغض الظلم والكذب وانتهاك الحقوق والزعم بعكس ذلك، وبطبيعة الحال كان المفروض أن يكون متوقعا، أن يلجأ البعض إلى بث "تسريبات" تفضح المكنون وتفشي المسرور وتضع النقاط على الحروف – وهذا بالضبط ما تعنيه ظاهرة الويكي ليكس وما سيأتي بعدها ...  ترى من المتضرر ومن المستفيد؟

المتضرر بالطبع هو من يخشى أن تفشى أسراره، والمستفيد هو الذي كان متضررا من هذه الأسرار، أي المواطن الإنسان العادي في كل مكان ... ولكن ما هي العواقب والتداعيات؟ 

سيفقد الكثير من سلاطين العالم المصداقية، وستصبح هذه سلعة نادرة إلى حين، وسيضطر العالم إلى إعادة صياغة طريقة إدارة دفة السياسة والحرب والاقتصاد والدبلوماسية، سيأتي اليوم الذي يساس به العالم بالشفافية والنزاهة والعدل، خشية ومخافة من "التسريبات" ، نعلم أن ذلك سيستغرق ربما عقودا طويلة بمنظورنا اليوم، ولكننا نحن اليوم لا نعلم بمدى تسارع ثورة المعلومات والاتصالات وشمولية تأثيرها على الناس، ليس فقط في دهاليز الساسة، بل وحتى في أخلاقهم، الواقع الرقمي الوشيك سيخلق زخمه الخاص به والذي لا نستطيع حتى سبر غوره. لن يسر هذا الكلام سلاطين العرب، ولكن ألا نجد لهم مخرجا؟

المخرج الممكن بداهة، هو أنه إذا كان هنالك سلطان يخجل من سر فعل، فليس عليه سوى ترك فعله، وإذا كان السلطان يخشى أن يعلم غيره ما يسر، فعليه أن لا يسر شيئا أصلا ...

المخرج يكمن في أن يعمل كل منهم فكره، ويتدبر حاله ويزيل أوهامه، فالمال والسلطان والهيلمان ومعهم الحلفاء (من الداخل والخارج)، كلها ستصبح تحت المجهر، وسيظهر سلاطين العرب على العيان، بأنهم في نهاية الأمر ليسوا سوى سلع تشترى وتباع، بل أن سلاطين الغرب والشرق كافة، مستبديهم وديمقراطييهم، سيظهرون أيضا على "حقيقة" لا تمت للحقيقة بصلة وسيضطرون للوقوف أمام محاسبي شعوبهم ومن ثمة دفع الحساب، وعندها لن يكترثوا بكم يا سلاطين العرب أبدا ..

مخرجكم، التعامل مع الواقع، الإعلان بالاستعداد للحساب، استبعاد كراديس المطبلين والمزمرين وحملة المباخر، والدكتوراهات الزائفة،  ثم الاعتذار وطلب الصفح والوعد بالتشاور والتعهد بعدم المساس ببيت المال، وعدم تولية ذي الولاء، وتنصيب ذي الكفاءة ثم العمل بالشفافية والنزاهة والصدق .. ثم الإعلان والعهد بأن أسراركم نفذت ونفقت ولم يعد لكم شيء تخفونه وأنكم للحساب مستعدون ...

بالطبع ستقولون هذا هراء ... انتظروا قليلا فيما ستأتي به "الويكيليكسات" الجديدة الأخرى، وانتظروا ما نوعية المواضيع التي سيتحدثون عنها – مثل الحسابات السويسرية السرية، والعمولات البهية، والسجون الخفية، وفساد الحاشية بل وحتى وربما سيتحدثون عن احتمال نفوق بعض الماشية من شياطين إنسكم وأبالستكم.   أنصتوا لخبرائكم – من ذوي الصدقية-  عندما يحدثونكم عن الانترنيت والعالم الرقمي وعدم إمكان "اضطهاد" وسحق المعلومات ولكم أن تسألونهم عن الهاتف الذكي وغير ذلك مما يخرج وسيخرج وسيكون في متناول المواطن الإنسان العادي. وصدقوا بأن حلفائكم في الغرب والشرق لن يستطيعوا لكم غوثا، فسيكونون هم في شغل شاغل عندما يضطرون لأن يبرروا ما كانوا يفعلون

إذا كنتم تخشون هتك ستار الأسرار، فلكم خيار، ألا فلا يكن لديكم أسرار أبدا، أبطلوا الأسرار وكونوا منها أحرارا، حدثوا شعوبكم بما صار حقا  وليس بما تريدونه أن يكون صائرا .. ولم يصر!

لو استطعتم استيعاب ذلك والعمل بموجبه .. قد تفوزون بقصب الفوز، بكونكم أول من أدرك ثم تاب وحكم بعدل ولم يأكل إلا بإحسان .. ربما ..

قد يقول البعض أن التقدمة أعلاه مبالغ فيها، ولن نجزم نحن ولن يستطيع من يعترض أيضا، لا أحد يعلم علم اليقين بما ستأتي به غدا "عولمة" المعلومات والاتصالات وتقنياتها وكيف ستؤثر، ونحسب أن لا أحد يستطيع التحكم فيها، فلقد اضطر القوم لتطويرها لتساعدهم فيما يفعلون فسهلوها وأتاحوها للجميع وها هي قد خرجت عن السيطرة وصار كل من محا أميته الإليكترونية قادرا على تطوير ذاته، والعبرة ليست بالتطوير العلمي بل الأخلاقي أيضا ..

نحسب أن تأثير هذه الثورة سيكون أقوى وأشد من تأثير اختراع العجلة والكهرباء والذرة.

عالمنا غدا لن يكون كعالمنا اليوم، بل إن الساعة التالية لن تكون كساعتنا الآن ...

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

__________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة "أويا" ـ طرابلس، وصحيفة "القدس العربي" ـ لندن ،  2010/12/2

     


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home