Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الثلاثاء 5 يناير 2010

القضاء، الإصلاح، الأمن.. لمن المشتكى؟*

رمضان جربوع

دون شك، أية وضعية لأمة أو دولة لا تستديم، فظروف المجتمع فيها وفي العالم دوما تتغير، وإذا لم تتواءم الأمة مع المستجدات، فستحين اللحظة التي يستحيل فيها الاستمرار وبقاء الحال على ما هو عليه وسينهال عليها "الأكلة"، المستجدات تطرأ وتدخل في الغالب دون استئذان، ومن بينها مفاهيم وأوليات حقوق الإنسان وما تلقاه من صدى على مستوى المجتمع الدولي، وكذلك ثورة الاتصالات وما أحدثته من دفق هائل بتوارد المعلومات والأخبار التي لم تكن متاحة في وسائل الإعلام الرسمي الذي عادة ما يضيق الخناق عليها أو يوردها مشوهة وبرتابة مملة لدرجة أن لا أحد يعيرها اهتماماً، فأخبار الأمس هي أخبار اليوم والغد.

الاستكانة المعيقة

الدولة المستكينة في وضعيتها يترسخ على قمم إداراتها نفس الشخوص لعقود من السنين، لأنهم عادة أكثر باعثا للاطمئنان وكأنهم أصبحوا البلسم لكل علة في كل آن وزمان، ولكن هؤلاء، وكما جرت عليه الأحوال في معظم بلدان العربان، "يتكلسّون" ولا يبحثون عن تطوير أو تحديث أو إصلاح، فهذه أمور لشد ما تزعجهم عندما تتحول إلى مساءلات وطلب تقديم حسابات عن المبتغى وعن المنجز منه، لذلك تراهم أكثر الناس بعدا عن مجرد التفكير بإصلاح.

الإصلاح، بمفهومه المطلق، هو أولا الإدراك بأن هنالك ما يستدعي المراجعة والتقويم لسوء النتائج أو قصورها عن المقصود، ثم التناغم مع المستجدات التي من ضمنها ما يتعلق بأمور التجارة والاقتصاد والمتطلبات الجديدة الذي تقضتيها العولمة – التي لم تعد خيارا-  وانتشار المعلومات، وهو كذلك؛ ولعله الأهم، التعامل مع ادراك الشعوب لإمكانيات المطالبة بالحقوق عندما ترى انتهاكات أو غياب عدالة في توزيع ثروة الوطن أو قصوراً فادحاً في الأداء لقلة كفاءة وعدم جدارة وكذلك عند حدوث المظالم وما قد يصاحبها من كوارث.

من لزوميات الإصلاح الحقيقي

أية حركة إصلاحية تستحق الاسم لا مفر لها من اعتناق هذه المفاهيم الجديدة القديمة، فهي معروفة أصلا ولكن وكما أسلفنا أصبحت في متناول اليد عبر تطور وسائل الإعلام الآتي عبر الفضاء، والانحياز لمطالب المطالبين بها ليس سوى الخطوة الذكية لاكتساب ثقة المواطن ومن ثم الاطمئنان بأن هذا المواطن سوف يستجيب ويتفاعل مع التوجه الإصلاحي الجديد وبالتالي تجد حركة الإصلاح فيه عونا وسندا، المواطن العادي صار يجري المقارنات بين ما يحدث في بلده وما يحدث في غيره!

دواعي الإصلاح كثيرة، فمنها أيضا انتشار الفساد بل وحتى نكاد نقول "القبول" به اجتماعيا عندما يشظف العيش وتعز الوسيلة ويشتد الفقر، فيؤدي وكما جرت به السنن، إلى خلل في القيم والأخلاق وغيابها وتلاشيها شيئا فشيئا من جراء اللهث وراء لقمة العيش أو وراء الثروة التي استحالت بالطرق الشرعية القانونية وتترسخ عقلية جديدة مفادها الاستعداد لفعل أي شيء في سبيل نيل المبتغى، والأسوأ من ذلك كله؛ أنّ من قام بذلك وصار ذا جاه وهيلمان، يلقى في مجتمعاتنا الحديثة القبول والإشارة إليه بالبنان، بينما في ماضينا القريب كان يمثل أنموذج الفساد وانعدام الذمة ولا يلاقي إلا الاستهجان والنفورفي الحالة التي يعم فيها الفساد ويصبح "مستساغا"، فهو واصل لا محالة إلى كافة مستويات الإدارات في البلاد بما في ذلك القضاء، وإن حدث ذلك فسيكون وبالا وعبئا ثقيلا على أهل الإصلاح وصحبه، ولذلك أسباب ودواء

إعمال القانون واحترام القضاء

محاربة الفساد أصلا يجب أن تتم بالطريق السلمي القانوني، وعندما نقول القانون نقول القضاء، ولكي نقول "القضاء" فيجب أن يكون محترما مستقلا، بمعنى أن يصدر أحكامه وفقا للقانون الصادر من الجهة التشريعية الشعبية، وأن تصير أحكامه منفذة بلا تدخل أو مماطلة وإبطاء من الجهات التنفيذية والأمنيةوالجهاز القضائي ذاته، وهو يحتوي على العناصر الطيبة وكذلك بعض الخبيثة يجب أن يلحق الإصلاح ببنيانه، وليس ذلك بعسير، فيكفي مراجعة سير وسلوكيات رجاله على طوال السنين على أن تتم المراجعة من ذوي الأهلية، وسيفرز الخبيث من الطيب، ويجب أن تكون عناصره من ذوي السمعة والكفاءة والاحترام، ولا يكون تعيينهم أو ترقيتهم أو ديمومتهم على الكراسي وفقا لأهواء "البعض".

استقلالية القضاء يجب أن تكون شاملة بمواجهة كافة السلطات التنفيذية في البلاد، من وزارات وإدارات بما في ذلك الإدارات الأمنية المتعددة، وعلى الخصوص التي تختص بما يعرف "بالأمن القومي". ونعطف الآن على هذا "الأمن القومي" للوطن ..

عن مفهوم الأمن القومي

مفهوم الأمن القومي شأنه شأن كل مفهوم أو فلسفة تٌعتمد في سياسات الدولة، قابل للتغير والتبدل، بل إننا نرى لزومية ذلك لكي يتآلف ويتطور ويواكب ما يستجد في العالم أو في الوطن ذاته.

لم يعد الأمن القومي مقتصرا على مكافحة الجوسسة والأعمال الهدامة بفعل أعداء أجانب، بل أنه صار شأنا يتعلق بالاقتصاد وحسن سير العمل ومكافحة الفساد ومنع تولّد "مراكز قوى" تتحكم في مصير الوطن بطريق غير مباشر ولا تبغى سوى مصلحتها الخاصة أو مصلحة زمرة الراسخين المتشبثين بالوضع الراهن، أي الوضع الذى استدعى الإصلاح أصلا

نشير أيضا، إلى أنه ومن ضمن الضرورات السياسية والاقتصادية (من حيث منع إهدار ونهب المال العام أو حتى في سبيل الاستثمار الأجنبي المتوخى منه الاستفادة من الخبرات والتطوير وتكوين الكوادر) أن يكون القضاء مستقلا نافذ الأحكام يقوده أناس لا يخشون لومة لائم في قول الحق، هذا إذا كان من ضمن مراد الإصلاح أن تصبح لدينا "دولة قانون"، القانون وحده لا يصنعها، بل استقلال القضاء واحترامه وتنفيذ أحكامه، هو من يفعل حدث في كثير من البلدان العربية أن حكم القضاء ببراءة متهمين، وحدث أن قضى بعض المحكومين مدة عقوباتهم ولكنهم ظلوا في السجون قابعين، لأن بعض عناصر "الأمن القومي" رأت أنهم ما زالوا يشكلون خطرا على المجتمع، وكأنهم لا يستطيعون متابعتهم والتنصت عليهم وإحصاء أنفاسهم بكل ما أوتوا من عِدد وأعداد

لا مفر من إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي ومدى صلاحيات الأجهزة المناطة بالحفاظ عليه، ولا مفر من توضيح الرسالة بأن ما كان سائدا فيما مضى لم يعد يواكب المستجدات، ولن يكون هنالك إصلاح ما لم يترسخ مفهوم قدسية القضاء وأحكامه. "الأمن" في جميع الأحوال يجب أن يخضع لما يقوله القضاء.

إذا ظل الأمر على ما هو عليه، أي الاستخفاف بأحكام القضاء، فلن يكون هناك إصلاح، لأن المواطن العادي سيفقد الثقة ولن يتفاعل معه، ونخشى أنه سيعتقد بأنه بدعة أخرى من البدع!

الإصلاح لكي ينجح، لابد له من قضاء نزيه مستقل محترم، ولا بد له من الدعوة لإعادة صياغة مفاهيم الأمن القومي الذي يجب أن يضع ضمن "أخطاره" التي يلاحقها: الفساد والمفسدين الذين ينخرون في عظام الوطن وإداراته وقيمه وأخلاقياته.

إذا رأى المواطن أمام ناظريه المظلمة وقد حاقت به حتى بعد أن أنصفه القضاء، فلمن المشتكى؟

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة أويا طرابلس و القدس العربي ـ لندن، الإثنين 31/12/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home