Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

السبت 4 سبتمبر 2010

وطني وخطر "الصوملة"

رمضان جربوع

المصطلح جديد، فهو تفكك الدولة وانهيار بنيانها وانقسامها إلى دويلات تمثل مصالح فئات وهو منسوب لما يحدث الآن في الصومال الذي كان دولة. والمؤَدّى قديم، فقد كان اللفظ المستخدم قبل ذلك هو "البلقنة" عندما شرعت  الدولة العثمانية في الانهيار والتفتت بالقرن التاسع عشر فتحولت منطقة البلقان بجنوب شرق أوروبا إلى دويلات لا تكاد تقوم بأودها.

ما يحدث في ليبيا هذه الأيام جد خطير في رأينا، ويتمثل في:

استشراء واستغوال الفساد الذي أوشك أن يصير نمطا سلوكيا مقبولا في المجتمع، بل إنه بالنسبة للبعض صار الطريق الوحيد للوصول للثروة  الطائلة أو حصته في ثروة الوطن، أو لمجرد قضاء الحاجات في الإدارات الصغرى والكبرى، التفاوض على مبلغ الرشوة يكاد يكون بالصوت الجاهر العالي وأمام الناس، والناس صارت تقول عن الذي جمع الملايين فسادا وبهتانا: "فلان فتح دماغه" أو "عرف كيف يخدم على روحه!"

الخطر مزدوج كسكين ذو نصلين حادين، فهو ينهب المال العام ويثري الأثرياء ويفقر الفقراء، وهو يقلب القيم والمعايير والآخلاق وقريبا لن يعود أحد يبالي في هذا البلد بما سيصيير إليه الوطن، "مصوملا" أم غير مصومل! إذا استمر الحال على ما هو عليه فلن يجد الوطن من يدافع عنه.

وفي حالة واقعة؟

أما  إذا وقعت واقعة مفاجئة لم تكن في الحسبان القريب، فستكون هي الطامة الكبرى المنذرة بانهيار الوطن (أو ما سيتبقى منه) وتفتته ونهبنه وتقسيمه إلى مناطق نفوذ وربما إمارات و"بانتوستانات" بل إننا نخاف من الذي نستطير منه شرا بمجرد التفكير فيه، ألا وهو التقاتل والتحارب من أجل الغنائم وحماية رقع المصائد.

فبلادنا الآن بها، شئنا أم أبينا الاعتراف بذلك، مراكز قوى تشكلت بحكم ديمومة البعض على الكراسي بعقود طويلة، أو من الذين يدعون القربى، أو ممن يدعي بأنه المدرك الفاعل الذي لا يشق له غبار في شؤون الأمن والأمان، ويعلم الله بأن مجرد وجودهم كان السبب في الكثير مما حدث للوطن من فقر وعوز وعدم استقرار، هنالك أيضا حملة المباخر بأطيافهم المتعددة الألوان

 مراكز القوى هي التي تتحكم في شوؤن الوطن ولو من الناحية الإدارية التقريرية مباشرة أو بطريق غير مباشر، فهي تعين فلان وتقيل علان، وهي تخطط وتعتمد هذا المشروع وتطيح بآخر، وهي تدفع الفواتير لهذا وتعطل لذاك، وبحكم مراكزهم ومناصبهم (وأحيانا من دونها) صارت لهم الكلمة العليا في كل شيء تقريبا، من شؤون القضاء والنيابة إلى التعليم والصحة والأمن  والإعلام والدفاع ومشترياته والمصارف والخارجية والداخلية، مراكز القوى هذه تتمثل في بضعة رجال جنح معظمهم ولا نقول كلهم، ولم يكتفوا بالعيث فسادا نتيجة قلة الكفاءة والجدارة في جميع هيكلية وبنيان الدولة، بل أخذوا الآن يعيثون فسادا مباشرا بنهب مال الوطن ومواطنيه.

هذا ليس تجني ولا هذيان

فبعد واحد وأربعون سنة من الثورة، وستون من الاستقلال، وبعد مئات المليارات من دولارات النفط لا تزال ليبيا دولة متخلفة على جميع المستويات بل لا تستطيع حتى مداناة مثيلاتها من الدول التي كنا ننعتها بالرجعية!

لا نحتاج لألبرت أينشتاين لمعرفة السبب

بدأت المسألة بتولية وتنصيب من لا يستحق ولا يفقه مسائل الدولة

·   حجب حرية الرأي لآجال طويلة والاكتفاء برأي واحد، صائبا كان أم غير ذلك

·   غياب مبدأ "لا حصانة لأحد"، فلاعتبارات عديدة – منها القربي والولاء وأسباب أخرى لا نفهمها، يصبح جرم الفساد أمام العيان بفجاجة منقطعة النظير، ولا تتم محاسبة، وإن تمت فلا عقوبة تطبق، بل إن البعض من الفاسدين سرعان ما يتقلدون مناصب أرقى وأعلى وكأن الأمر مكافأة على تحقيق سبق "فسائدي" عظيم ربما يدخولون به معجم "غينيس" للأرقام القياسية.

·   غياب وتغييب مبدأ الشفافية في إدارات الدولة، فكل ما يجري فيه أسرار خطيرة لا يقربها إلى ذوي الحظوة، وبالتالي منعنا من معرفة أين تذهب أموالنا وما حدث لها، بل حجم كبير من عملية النهب والسطو تتم دون أن يعلم بها أحد، الشفافية أصحبت تهمة سياسية يستوجب المطالبة بها الاعتقال حسب ما يقول البعض من هؤلاء.

الوطن في خطر، لأن الفساد وصحبه ينخر فيه

الوطن في حاجة إلى وقفة لا لبس فيها، يجب الصراخ عاليا "لاحصانة لأحد" مهما علا شأنه أو قرب دمه، هذا إذا ما أريد لهذا الوطن ومواطنيه  كرامة وأمنا وأمانا.

دون شك محاسبة من فسد وأفسد ونهب ونصب أمر لا مفر منه، ولكننا وإلى هذه الساعة (وربما  بفعل الفساد) لم يعد لدينا الأجهزة القادرة على البحث والتقصي والتحقيق ثم التقديم للمحاكمة للتحصل على الإدانة، قد يكون من المفيد البدأ في إصلاح حال القضاء والنيابة (والمحاماة) ثم الانطلاق لشن الحملات على شرط أن تكون وفقا للقانون وبدون عسف أو تجني أو محاكم خاصة.

يا ليت الخبر صحيحا

يتردد على أسماعنا هذه الأيام عن قوائم طويلة من المسؤولين يتم تحضيرها لإزاحتهم بهدوء من مواقعهم انتظارا للتحقيق معهم. نتمنى أن يكون ذلك صحيحا، فأحيانا مجرد الشبهة بفساد تكون كافية لوقف نفوذ المعني إلى حين التحقيق والتبرأة أو الإدانة. ويعلم الله أن الذين تشابهم شبهات الفساد لا يعدون ولا يحصون من كثرتهم، وسيكون إيقافهم أو مجرد سحبهم من "التداول" أمرا إيجابيا.

الفساد وعدم الحرب عليه يقضي على ما أُنجز

بالأمس كانت لدينا أكواخ من الصفيح يعيش فيها مواطنون فقراء، شيدت لهم عمارات وأحياء وضعنا عليها لافتات تقول "حي الأكواح سابقا" ، ثم توقف السيل، ونبت الفساد وترعرع فاليوم صار لدينا، وبالذات في مدينة بنغازي أحياء اكواخ من الصفيح من جديد، فهل نطلب من السادة القيمون على أمورنا وضع لافتات تفيد بالمعني؟ لهم الخيار في أي معنى يرون .. "سابقا" أم "حاليا" ..

في حين من الزمن كان العديد من الناس يجد النجدة في أموال الصدقات والزكاة من شدة الفقر في البلاد، ثم جاء النفط وعم الخير وتحققت إنجازات، إلا أن السيد "الفساد" انتصر علىنا أخيرا، فأصبحنا نرى العائلات الليبية رجال ونساء وأطفال،  ترتاد مآدب الرحمن في شهر رمضان في بنغازي أيضا!

الفساد لا ينتج إلا فسادا في الأخلاق، ودمارا، وعصبيات قبلية مقيتة، وانعدام أمن، وازرداء للقانون، لن ينجح أي مشروع لإصلاح ولن تنجح أية جهود تنموية ولن يتحسن وضع المواطن إلا بالشروع في القضاء على الفساد، الفساد خيانة للنظام السياسي في البلاد، خيانة للوطن، خيانة للدين، خيانة للضمير، الفساد عمالة للأجنبي المستعمر أو المحتمل السابق أو القادم، فإن تدهورت الأمور وساءت فالخشية أن "الصوملة" أو "العرقنة" في أحسن الأحوال،  ستكون الخيار لهم وستكون بتدبير نكون نحن فيه الفعلة الجناة ....

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

__________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة "أويا" ـ طرابلس، وصحيفة "القدس العربي" ـ لندن ، الخميس 2010/9/2

     


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home