Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

Sunday, 4 May, 2008

ألا فلنفرغ سجوننا وليصبح "صبح" من جديد!(*)

رمضان أحمد جربوع

لكي نتمكن من التطلع إلى الغد لابد من التخلص مما يشدنا إلى الماضي

خبر الإفراج عن عدد من إخواننا في الوطن الذين بات من المتعارف عليه اعتبارهم سجناء سياسيين خبراً ساراً وحافلاً بمضامين وأبعاد تتجاوز في رأيي الشخصي، على الأقل، قضية افراد معينين تم إطلاق سراحهم، لتحتضن آفاق وطن نتطلع إليه ونحلم به.
وقد يسهم ذلك في تمكيننا من إرساء دعائمه وبناء صروحه على أسس مختلفة، تضمن له القيام على قواعد قوية وراسخة ومستندة لتصالح وتفاهم وقبول ببعضنا العبض.

وأخلص للتمني بأن يتم:

(1) إفراغ السجون
تفريغ السجون من كافة المعتقلين، متحفظا عليهم كانوا أم محكومين، ممن يقعون تحت التصنيف السياسي أيا كان، فحتى وإن كان بعضهم خرج عن الحراك السلمي، إلا أن ما قضوه في السجون يعتبر كافيا ولا جدوى ترتجى من استمرار احتجاز، لايعود على الدولة وأمنها سوى بمحاجـّـات ومطاعن.
ونحن في ليبيا كما يقولون (حارتين وزوز)، نعرف أن هنالك العديد لا يزال في السجون. بل أذهب إلى ابعد من هذا وأقول بأن حتى ما صار يعرف "بالتعهد" عند الإفراج، لا لزوم له، فمن قضى السنين بعيدا عن الأهل والصحب، سيكون أول من سيحرص على عدم ارتكاب ما يرجعه حيث كان.

(2) كشف الغطاء عن بوسليم
قضية من قتل في سجن "بوسليم" يجب أن تسوّى، ويجب على الدولة أن تخرج أسماء من قتل وتصدر شهادات الوفاة رأفة بأهليهم وبالبلاد كذلك، أما الخشية من إظهار رقم عدد من قضى، يتعارض مع ما كانت تقوله، فلن يكون لذلك ضرر أو مساس بأمن الدولة، فالضرر الآن لاحق بالدولة ومصداقيتها من جراء استمرار القضية التي لن تنسى وتذهب أدراج الرياح، فما حدث حدث، ولقد صدر الوعد بالتحقيق ونحن ننتظر، ولكن آن الأوان لإراحة العائلات التي لا تزال لم تتيقن عـمّ حدث لأبنائها، يجب الانتهاء من هذا الملف وبأسرع ما يمكن حتى نضعه خلفنا، والمحاكم كفيلة بالفصل في من فعل ماذا و في مسائل التعويض وجبر الضرر.

أقول كلامي هذا في سبيل تصالح الدولة مع مواطنيها بكاملهم.

ولا تقولوا لي بأن العدد ضئيل ولا يهم، فكما أسلفت، لا يزال مجتمعنا مترابطا ومتواصلا والسجناء أو الذين قضوا، هم من لحمة أهل البلاد ولهم أسر وأصدقاء وجيران وزملاء.
وأقوله أيضا الآن، لأن ما أراه، يبعث على الأمل والرجاء في يشترك الجميع في بناء ليبيا الغد التي نحلم بها .. لأولادنا وأحفادنا، وحتى لا تكون ضغائن في النفوس ..
وأقول أيضا، بأن كلامي قد لا يقبل به في مفاهيم ومعايير دوائر الأمن ... ولكن هذه الدوائر، عندما تفرط في تهويل العواقب أو توصيف الأخطار، قد لا يخطر ببالها أحيانا بأن استمرار الوضع كما هو قد يعيق مسيرة الإصلاح والتصالح والالتفات عن الماضي والتطلع إلى الغد ... وأكرر .. ما حدث حدث، وكما يقول قومنا (حد العجب سبع أيام) .. وإن تحقق ما أتمناه سيكون نقطة لصالح الدولة لا عليها ...
لا أريد القدح في أحد، ولكني أرى:
بأن إفراغ السجون بالكامل وبدون استثناء، سيكون له إيحابيات أكثر بكثير من أية سلبيات أمنية قد تنتج عن ذلك ... القضية أساسا سياسة وليست أمنا، فلدينا دولة راسخة قائمة من عشرات السنين، وإذا كانت دوائر الأمن تخشى عليها من مساجين يفرج عنهم أو من بيانات عن أمور حدثت، فلعمري هنالك نقص ما في الإدراك .. من طرفنا أو طرف هذه الدوائر ... فلا يجب أن نقحم الأمن بالمفهوم القديم في المسألة.
ألا تقوم الدولة بإطلاق سراح من حكم بمدة طويلة في جرائم الحق العام؟ .. فأليس من الأولى إطلاق سراح من لهم رأي مخالف؟ ما حدث كان ممتازا .. بل وأذهب إلى القول بأننا تجاوزنا به العديد من الدول العربية، فلماذا لا نواصل المشوار ونتخلص من شيء لا لزوم لنا به؟
كم أتمنى أن يبطل إدراج اسم بلادي في بيانات منظمات حقوق الإنسان من جراء قضايا .. الإصرار عليها، في اعتباري، غير عقلاني! لا يعود بفائدة على الوطن والدولة ..
لقد حدث من قبل "أصبح الصبح"، وفرحت البلاد وفرح العباد .. حتى من لم يكن له شأن به فرح، ولم يحدث شيء سلبي ذو شأن ...

فلماذا لا يكون لدينا "أصبح الصبح" مرة أخرى ؟ .. معاذ الله أن نكون خائفين بعد!
أقول هذا لأني أؤمن بأن ثمة فارقاً جوهرياً بين قضية "سجين سياسي" واحد، وقضية مئات أو آلاف من سجناء الحق العام، وإليكم كيف تراءى ما رأيت:
تنحصر قضية المحكوم في قضية حق عام، بسبب مخالفة أو جنحة أو جناية ارتكبها، في شخص هذا المحكوم وحالته الفردية المحددة، ومن ثم فلا مشاحة في أنه يستحق أن يوقع عليه العقاب الذي تحدده التشريعات النافذة، وألا يثير إيداعه السجن للفترة التي يحكم عليه بها أي نوع من الاعتراض أو الاحتجاج، إلا أن قضية أن قضية "السجين السياسي" تختلف.
قضية السجين، تحمل في ذاتها معاني ومضامين وأبعاداً رمزية واضحة، تجعلها تتجاوز حدود الفرد المعين الذي تتجسد القضية من خلاله، لتكون قضية رأي وفكر، فالقضية في "الاعتقال السياسي" تتعلق في جوهرها وحقيقتها بمسألة حق الفرد "المواطن" في أن يكون له رأي أو فكر مختلف عن الرأي أو الفكر الذي يحظى بالقبول العام أو، إذا شئنا الدقة، القبول الرسمي. وهكذا فإن مادة "التجريم السياسي" لا تطال ذلك الفرد أو الأفراد المعينين بأشخاصهم وأسمائهم وحيثياتهم الفردية، ولكنها في الحقيقة تطال "حرية الرأي" ومدى اعتراف المجتمع بها لكافة أفراده، دون تمييز بينهم ولا تفريق، مهما اختلفت هذه الآراء أو تباعدت عن بعضها البعض، أو حتى تناقضت.
وهكذا فإن الحديث عن "معتقل سياسي" لا يعني الحديث عن فرد معين، له كيان بشري محدد الملامح من خلال اسم وتاريخ ميلاد ومسقط رأس وعائلة ومهنة ..إلخ، ولكننا عن "حق مواطن" في أن يكون له "رأي مختلف"، ومن خلال حق هذا المواطن الفرد فالحديث إذن يتعلق بحق مقدس لكل إنسان في المجتمع يصح أن يطلق عليه هذا الوصف.
ومن هذا المنظور فإن قضية "الاعتقال السياسي" تصبح قضية ذات أبعاد ومضامين وطنية شاملة، تتعدى –كما سبق أن ذكرنا- حدود الأفراد المعينين الذين تم إطلاق سراحهم، وإخوانهم الذين ما زالوا رهن الاعتقال، وينتظرون ساعة الإفراج والعودة إلى أحضان المجتمع، لتحتضن الوطن كله، وتشمل قاعدة من أهم القواعد التي يقوم عليها بنيان المجتمع السليم، حيث لكل المواطنين حقوق متكافئة متساوية، في التمتع بحياة تليق بالإنسان الذي كرمه الله وشرفه على سائر مخلوقاته، ألا و هي قاعدة المساواة التامة بينهم في الحقوق والواجبات. ولا شك أن حق الإنسان في الاختيار يأتي على رأس هذه الحقوق وفي مقدمتها.
الحدث الذي شهدناه في الأيام الماضية، هو حدث تاريخي بكل معنى الكلمة، فهو يجسد خطوة بالغة الأهمية على الطريق التي بدأت خطواتها منذ عدة سنوات، ثم تكثفت وتتابعت وازدادت زخماً من خلال المبادرة التي تبناها السيد سيف الإسلام للعمل على إغلاق ما أطلق عليه ملف "حقوق الإنسان" نهائياً، وهي المبادرة التي أدت إلى عمليات متلاحقة لإطلاق سراح معتقلين سياسيين، كانوا متهمين أو مدانين بجرائم لم يعد أحد يختلف على أنها "جرائم رأي" أو بتعبير آخر "جرائم سياسية"، كان من أهمها إطلاق سراح أعداد كبيرة من المتهمين بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، وتأتي عملية إطلاق سراح تسعين من المنتمين إلى "الجماعة الليبية المقاتلة" في الأيام الأخيرة الماضية كخطوة أخرى متقدمة جداً على هذه الطريق. ذلك أن هذه الخطوة تدل بكل تأكيد على أن تغيراً مهماً قد أخذ يطرأ على موقف المجتمع بصفة عامة من قضية "الجريمة السياسية" أو "جريمة الرأي"، من جهة أن المجتمع لم يعد ينظر بنفس القدر من الحساسية والتوجس والتخوف إلى مسألة "اختلاف الرأي" بين المواطنين، ولم يعد ينظر إلى هذا الاختلاف على أنه خطر يهدد سلامة المجتمع واستقراره، أو ينتقص من مكتسباته وإنجازاته، بل لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إننا بتنا نشهد بوادر فعلية تبشر بأننا قد شرعنا بالفعل في تجاوز تلك المرحلة التي شابتها سلبيات "التجريم السياسي" وعكرت صفوها وشوهتها بالعديد من الممارسات المرفوضة، وأحسب أن ثمة أجماعاً وطنيا آخذٌ في التبلور على ضرورة وأهمية السعي لتجاوز تلك المرحلة، والعمل على وضع أسس مختلفة للمرحلة القادمة. وهكذا آتي إلى المعنى الذي أردت التعبير عنه في مقالتي هذه، وألخصه فيما أتمنى أن يكون شعاراً نرفعه سوياً وهو "الالتفات عن الماضي، والتطلع إلى الغد".
أرى أننا لن نستطيع أن نتفرغ تماماً وبكل طاقاتنا وعقولنا لنتطلع إلى الغد الذي نحلم ببنائه، طالما ظلت هناك أشياء أو عوامل لا تزال تشدنا إلى الماضي وتركته التي نريد التخلص منها. وأحسب أن من أهم هذه العوامل التي سوف تظل تشدنا إلى هذا الماضي، رغماً عنا، هي تلك الملفات التي ما زالت عالقة، وبات من الضروري الملحّ أن نقرر إغلاقها نهائياً وإلى الأبد، أهمها على الإطلاق ملف "حقوق الإنسان"، الذي أفضل تسميته ملف "الجريمة السياسية" أو ملف "حرية الرأي"، وذلك عن طريق اتخاذ القرار التاريخي المنتظر بإصدار عفو وطني عام شامل عن كل "معتقلي الرأي"، بكل تصنيفاتهم وانتماءاتهم وتوجهاتهم من ذوي الحراك السلمي، وحتى أولئك الذين انتهجوا نهجا مغايرا، فهؤلاء قضوا في السجن ما يكفي لكي ليبرر الإفراج عنهم.
لقد باتت هذه الخطوة في تقديري ضرورية وملحة أكثر من أي وقت مضى، وهي لازمة لكي نتخلص من كل تلك الترسبات والمخلفات التي قد يكون من شأنها أن تشدنا إلى الماضي، فنتمكن من "الالتفات عن الماضي"، ويكون بمقدورنا بالفعل أن "نتطلع إلى "الغد"، ونسعى جميعنا لأن نجد السبل المناسبة التي سوف تمكننا من التعاون، كل بما لديه من فكر أو رأي أو كفاءة، لوضع الأسس التي نراها مناسبة ومفيدة لإعلاء بنيان الوطن الذي نحلم به.

بنغازي 4/4/2008
ramadanjarbou@yahoo.com
0912117800
________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة "قورينا" ، 4/4/2008م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home