Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الخميس 3 ديسمبر 2009

للذين يحبون الوطن فقط*

رمضان جربوع

لم يعد هناك من شـــك في أن حالنا يستوجب الإصلاح، والشواهد تقول بالعزم عليه، وبعض المؤشرات تبشـــر بــــه، وإن على خجل، يبقى أن نفـــرز من يتولى زمام المشروع، وكما أسلفنا، من البديهي أن يستبعد من كان مسؤولا وأعطـــب، على أن تتم المحاسبة والمساءلة ثم يفعّل القــــانون، وهذا ليـــس من باب الانتقام والتشفي، بل لكي يعلم الجمــــيع أن تغيـــيرا قد حدث وأن الأمور لم تعد كمـــا كانت علـــيه وبالتالي سيستجيـــب لدعوة الإصلاح من كان يشكك فيها أساسا، أو من كان يستنكـــف من رؤية المفسدين وقد غيروا زيــهم وصاروا من المدعين بالإصلاح.

قدسية المال العام

الشرط الأساس في اللحاق بركب إصلاح ما في أي مكان، هو بالدرجة الأولى التحلي بالإثرية، أي أن من يتولاه يكون لديه الاستعداد لبذل أقصى ما لديه في سبيل تدارك حالة التردي في جميع مجالات قطاعات الدولة وخدماتها دون انتظار المكاسب والعطايا والجوائز، وهو بتعبــــير آخر، هو الذي يحب وطنه ويتألم لما صار إليه ويتمتع بقدرات وكـــفاءة تؤهله للمهمة المنشودة، ويظل حب الوطن هو الدالّة على إثريته واستعداده لخدمة وطنه ومواطنيه، وهذا الصنف من الرجال والنساء، يجب أن يكون لديهم 'قدسية' لمفهوم المال العام والحرص عليه وإنفاقه فيما له جدوى على المدى القصير والبعيد وعلى أن يكون عملهم شفافا ومعلنا على العامة يطرح مباشرة على الملأ في حالة تعدد الخيارات لاستدعاء الآراء، ولن يضيرهم ذلك فهم في نهاية الأمر يفترض فيهم تكريس حياتهم وجهدهم لخدمة غيرهم من أبناء الوطن.

نعم كان لدينا وما يزال

أمثال هؤلاء لدينا منهم الآلاف المؤلفة، ينتظرون ويأملون، ولا نحسبهم من الطامعين في عطاء جزيل، لديهم الخبرات والحنكة، ويبقى المأمول ليس إسهامهم في إصلاح ما عطب فقط، ولكن في وضع أسس ومفاهيم جديدة للخدمة العامة، أي خدمة الوطن، وتأهيل من سيليهم في المراتب.
والشأن الآخر المهم؛ العمل على إعادة بناء الفرد بحيث يصبح متفهما لوضعه كما هو وما يجب عمله وتأهليه بحيث تتاح له فرصة الارتقاء والإنتاج ويصير عبر ذلك مواطنا فعالا حريصا على ازدهار وسلامة وطنه، وليس عشيرته أو جهته أو رفاقه وصحبه من زمرة 'ذوي الولاء وكفى'!
الصنف الذي نتحدث عنه ونحبذه لم تتح له الفرصة سابقا كما يجب، وإن أتيحت لبعضهم، لم يتح لهم المجال لكي يؤدوا العمل الذي يرونه أصلح وأجدى، فتم إقصاءهم أو أقصوا هم أنفسهم (انظروا للاستقالات والهجرة). الإصلاح الذي لا يأتي من أمثال هؤلاء لن يكون إصلاحا بل مجرد طبقات طلاء على هيكل متهالك ينذر بالسقوط ولم يعد يجدي فيه ترقيع.
إذن، نكرر بأن الإثرية وحب الوطن والحرص على ماله، هي ما يجب أن يتمتع به 'المصلح' قبل أي شيء آخر، ولقد سبق وأن مرت ليبيا بتجربة مشابهة في أواخر أربعينيات وأوائل خمسينيات القرن الماضي بتجربة مشابهة إذ تولى نفر من الذين يحبون الوطن، على عاتقهم، على تعدد مشاربهم وقلة مواردهم، هموم الوطن وما يوجعه فقاموا بجهود 'إثرية' في جميع القطاعات وأثبتوا جدارة منقطعة النظير وأسسوا نمط عمل ورسخوا حب الوطن والعمل والكد والجهد في سبيله ولم يكن همهم التكسب والربح، فلم يكن هنالك ما يطمح فيه لأن الوطن كان معدما حينها أصلا، لقد أسسوا دولة!
لدينا أمثالهم يستطيعون أن يلجوا باب الإصلاح ومقاومة الفساد والقضاء عليه كممارسة وكثقافة أخذت تترسخ في عقولنا، قبولا مرغمين تارة، وعجزا عن بديل تراخيا.
ولكي يستطيع أمثال هؤلاء أي الذين يحبون الوطن- معاودة الكرّة، تلزم الإشارة إلى تعقيدات أوضاعنا الحالية وتلك المتعلقة بتغيير الظروف الاقتصادية والسياسية وما طرأ على الساحة الدولية التي تؤثر فينا سواء رضينا أم أبينا، ومن ذلك وجوب استغلال ما أتاحته لنا ثورة الاتصالات من سبل جديدة نستطيع اعتمادها في ترسيخ الشفافية والفعالية في العمل، سواء قبيل اتخاذ القرار الأقرب للصواب أو بعده من حيث المراجعة والمتابعة والتقييم أو كما كان يقول فقهاؤنا سالفا 'التجريح والتعديل'

شفافية مطلقة وديوان محاسبة

هذا لا يتم إلا بإحكام مبدأ الشفافية المطلقة، فكل قرار بإنفاق أو تعديل يجب أن يكون مطروحا للنقاش والحوار ما بين من لهم اتخاذه ومن سينطبق عليهم، كل إنفاق يجب أن يخضع لعلانية مطلقة وينشر مع قراره؛ موجباته وهل تندرج ضمن سلم الأوليات، وما هي الجدوى المتوخاة، (انظروا لعقد إنشاء حديقة بسبعمئة مليون دينار!) فكل عقد بشراء أو بإنشاء، يجب أن يكون متاحا الاطلاع عليه ومن تقدم له وكم وكيف مع شرح المبررات والمسببات التي استوجبت طرح العطاء ثم منح العطاء لمتقدم دون آخر، ثم وبكل شفافية وحجج تستحق الاسم، يجب التأكيد أن السعر المقبول به صار كذلك لأن 'مؤسسات' دولية متخصصة وبعضها بالمناسبة يبذل النصح دون مقابل مثل منظمة الشفافية الدولية وغيرها- لم تر فيه إجحافا أو ريبا برشى أو 'زلوف!'
هنالك أيضا مؤسسات تجارية ذات سمعة محترمة تعمل في أوروبا وآسيا، تقوم بالبحث في مكونات المطلوب وتقريب السعر العادل والذي لا يسمح بإضافات باهضة تأكل الأخضر واليابس من 'المشروع' (في ستينات القرن الماضي كان جميع المشتريات والعقود الحكومية تمرعلى مؤسسة بريطانية مستقلة متخصصة تعرف باسم 'وكالة التاج' وهي التي تقرر بأن السعر مناسب أم غير ذلك وإن كان هنالك من خطأ يشوبه في مواصفاته.
هذا عن المال العام، ولكن عندما يقر القرار بالإنفاق لا مفر من المتابعة الحسابية عالية المهنية والفعالية، ولن نستطيع تفعيل ذلك إلا عن طريق مؤسسة متخصصة عالية الكفاءة لا يؤمها إلا من هم معروفون بالنزاهة من محبي الوطن، وهذه المؤسسة يجب أن تتمتع بصلاحية الضبط القضائي وباستقلالية مطلقة عن الأجهزة التنفيذية في الدولة (الوزارة) ولا تؤدي الحساب إلا إلى 'مصدر السلطات' مؤتمر الشعب العام دون غيره، وهو ما يعرف في العالم بديوان المحاسبة' أما الاستمرار فيما يعرف بأجهزة 'الرقابة الشعبية' التي نرى أنها فقدت صفة الاسم الذي تحمله بمجرد النظر في سيرتها أو عجزها عن إيقاف استفحال الفساد، فهذا سيكون عقبة كأداء في طريق أي إصلاح منشود.
كل مسؤول قيادي يجب أن يخضع لتقييم دوري كل سنة للنظر فيما أنجز وما أنفق، فإذا علم أحدهم بأن لا رقيب عليه، أو أن الرقيب غير ذي جدوى، فلن يتغير شيء.

إصلاح القضاء رديف لإصلاح الوطن

لن يستطيع 'ديوان المحاسبة' القيام بواجباته على أكمل وجه إلا إذا كان هو 'المدعي العام' المدافع عن مصالحة الوطن، وهذه الصفة تستوجب تشريعا لها لتحل محل 'الإدعاء العام' أو 'النيابة' في مسائل المال العام، ومن البديهي والمعروف لدى كل مهتم بهم الوطن، أن الفساد في بلادنا قد حلّ بجميع القطاعات بما فيها القضاء، فلابد من الشروع في إصلاح الجهاز القضائي وجهاز تنفيذ الأحكام وآلياته، فلقد فسد البعض من عناصر الاثنين لا ريب، وديوان المحاسبة عندما يتمتع بسلطة قضائية محددة المعالم ولا يحاسبه في خطواته سوى مؤتمر الشعب العام، السلطة التشريعية، سيكونان أكثر فعالية، وهي تضفي على العاملين فيه الحماية القانونية ومن ثم لا يشخصون أحدا من المتنفذين و 'المتسلطين' المدعين بولاء أجوف أو حيازة رضوان ما أنزل الله به ولا الشعب من سلطان.
لن نستطيع شق الأجواف لنكشف ما في القلوب بحثا عن 'حب الوطن' ولكن لدينا الوسائل الحديثة للمتابعة والتقييم التي ستفيدنا إذا تحقق المنشود من حب الوطن، أي العمل الصالح الذي سينبىء عن نفسه بنفسه.

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة القدس العربي الخميس 26/11/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home