Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

السبت 2 أغسطس 2008

قبلية العـرب الجديدة... عـود عـلى بدء (*)

رمضان جربوع

القبيلة مفهوم ورثناه من أسلافنا بني يعرب في جزيرتهم، وهو موجود أيضا في تاريخ البشر كافة، نتطرق إلى تجلياته قديما وحديثا لاحقا، وما يهمنا الساعة تأثير القبيلة ودورها في إحكام التخلف وإعاقة التنمية البشرية على المستوى المدني أو الحضري العربي.

كيف صارت؟
لدى العرب تكونت القبيلة كنظام سياسي اجتماعي تلقائي تحددت ملامحه بدواعي الجغرافيا والبيئة والمناخ، فالمجموعة البشرية التي تآلفت كان هاجسها الماء والكلأ، وأمنها بمواجهة المجموعات الأخرى التي كانت أحيانا تغير على بعضها البعض، لأسباب اقتصادية بحتة (الجفاف والقحط)، يضفى عليها نعت "الغزوة"، ففي سبيل البقاء لا يهم أن تنقضي الجماعة الأخرى، بعد قتل رجالها وسبي نسائها والاستيلاء على أنعامها ومراعيها. وظل ذلك يحدث لدينا مرارا وتكرارا. وفي كل قبيلة ظهر زعيم، أحيانا تتسمى باسمه ويشار إليه بصفة "الجد"، ولو كان ذلك غير صحيح، حيث أنه لا توجد قبيلة واحدة في العالم تنحدر من نسل رجل واحد، ولكنه انتماء بفعل إرادي، أو قد يكون لازماً بدافع النفعية (البراغماتية الواقعية). ينغرس في الذهن أو العقل الباطن، ويصبح فرد القبيلة ابن عم الآخر. ويترسخ المفهوم بوسائل إعلام العصر (الشعر والشعراء) وما ينسجونه من تاريخ وأساطير لجماعتهم، وكذلك من مثالب ومطاعن للجماعة الأخرى.

كيف "تبدوينا"؟
أسلوب الحياة تطّـلب ذلك، ولكن العرب لم يكونوا على هذا المنوال قبل نزوحهم من أراضي اليمن السعيد (في غابر الأزمان)، فقد كانت أرض اليمن تعجّ بالسكان، في حياة مستقرة وزارعة منتظمة وتجارة رائجة، إلا أن تغيرات ذات طبيعة مناخية أو ديموغرافية أدت لهجرة المجموعات البشرية تِباعا إلى الشمال بجزيرة العرب، وما صار يعرف ببلاد الشام، وبعضها واصل إلى شمال أفريقيا، وشرقا على الشواطئ الأفريقية، وغربا للخليج وبلاد فارس وشبه القارة الهندية، يمكن إطلاق نعت قدماء سكان "اليمن السعيد" على الكلّ. هذه المجموعات كانت تنطق بلغات متقاربة منها العربية (المنسوبة لوادي عربة باليمن) والحميرية واللغات الأمازيغية (التي لا يزال يُـنطق بعضها إلى الآن في بعض أرجاء اليمن وإن كانت تحت مسميات أخرى) ثم بقية اللغات (وهي كثيرة) التي تطورت وصارت تعرف بمجموعة اللغات السامية (نسبة لسيدنا سام بن نوح) – مثل العبرية والآرامية والكلدانية والأشورية..الخ - حسب تصنيفات اللغويين الأوروبيين، الذين كانوا يصنفون اللغات الأمازيغية ضمن مجموعة اللغات الحامية (نسبة لسيدنا حام بن نوح)، إلا أن عدداً منهم خرج أخيراً بالدعوة لتصنفيف الأمازيغية ضمن مجموعة جديدة تحت مسمى (سامية/حامية). العربية انتشرت وتطورت بفضل الإسلام والقرآن الكريم وصارت أكثر ذيوعا.
القبائل كانت في جلّها من البدو الرحّل، تحمل سكنها ومتاعها وثقافتها معها أينما حلت. كانوا أيضا يحملون معهم دولتهم أو مؤسستهم السياسية وتراثهم، فلم يكن الاستقرار ممكنا، لم تكن هناك مدن أصلا، اللهم إلا في الحجاز، حيث طرق قوافل التجارة والأسواق الموسمية. الأوائل يعرفون بالربْع وسكان الحضر بالمَضَر. ولكل ثقافة وتنظيم منفصلان، وإن كانا يتقاربان في بعض الأوجه من حيث العصبية، أو التعصب الأعمى والمطلق للقبيلة، باعتبارها كنف الفرد ودرعه في مواجهة الآخر. والآخر هذا هو كل من لا ينتمي للقبيلة، عربيا كان أم أعجميا. مصلحة القبيلة كانت تأتي في المرتبة الأولى.

قبائلنا الجديدة!
بظهور الإسلام، الذي كان عامل تحضر ووعي أوسع بالعالم والعلم، خفتت حدة العصبية، وصار الولاء للدين والعقيدة أولا، إلا أن العصبية ذاتها رجعت ثانية، عندما صارت دولة الإسلام التي ولدت بمعايير أخلاقية ومباديء مساواة؛ ملكا عضوضا تحت بني أمـيّة. أحسب أن العصبية تمكنت منا ورسخت في عقلنا الباطن، حتى في بني الحضر، ولكن ضمن مجموعات بطابع آخر، خصوصا ذات الحراك السياسي (أحزاب وتنظيمات ذات رؤية فكرية محددة نافية للآخر) بل حتى بطابع جِهوي معين ينتمي لمنقطة أو مدينة ما، وأحيانا وفقا لمذهب ديني معين موروث، ناهيك عن طبقات كبار الموظفين والمتنفذين، بحيث يحمون بعضهم بعضا، ويسدون الطريق على كل من يخطر له منافستهم في الاستحواذ على مقاليد السلطة والمال والمزايا. بل إن المأساة تتمثل في أن حكام العرب، سواء أكانوا أمراء أم سلاطين أم ملوكاً أم رؤساء، شكلوا هم أيضا "قبائل" و"عشائر" افتراضية حواليهم، معتقدين أنها سوف توفر لهم الأمن والأمان وإحكام عصا السلطان، مقابل المزايا والعطاء وصلة "العمومة" الجديدة التي غالبا ما تكون موهومة ... لقد شاهدنا مؤخرا كيف قام "ابن عم!" صدام حسين ببيعه للأمريكان! وشاهدناه من قبل وهو يغزو عندما أصابه "قحط!"
في مدن بلاد العرب الكبيرة لا تشاهد ظاهرة "القبلية" بوضوح، كما هو الحال في الصغيرة أو في الأرياف والبوادي. يرجع ذلك في تقديري لنشوء نوع من الحياة الاقتصادية والثقافية التي تستلزم الاندماج والتعامل من قبل أفراد المجتمع مع بعضهم البعض، وكذلك لوضوح صورة القانون وضوابطه للعلاقات فيما بينهم، وتواجد السلطة الرسمية ذات القوة والشأن، بمعنى أن "الدولة" كانت تتواجد في المراكز الحضرية الكبيرة بفاعلية أكثر مما هي في البياد والأرياف. القبلية وعصبيتها لم يعد هناك حاجة إليها؛ فالقانون والقضاء يحمي المواطن، أو هكذا المفترض.

خطر الفشل وشيك يا قوم!
صار للعرب دول وحكومات وأعلام وأناشيد وطنية وجيوش ووزراء وسفراء، ولم يتحرروا من عصبية القبلية بالكامل. كانت دائما موجودة في العقل الباطن. التقسيم المفروض على الأمة (عربية أو إسلامية) تم من قبل "آخر" أوروبي هذه المرة. ما يحزن في هذا الطرح أن هذه الدول قد أخذت تذوي شيئا فشيئا، فالموقع الاستراتيجي والموارد الطبيعية مثل النفط والأموال الناتجة عنه وغيرها كانت كلها عوامل بالغة الأهمية للغرب، ولم يكونوا ليسمحوا بتطور طبيعي لمجتمعاتنا أو إطلاق حرية القرار لها. ومن هنا كان التدخل في شؤون هذه الدول وعلاقاتها مع بعضها البعض والطريقة التي تعامل بها شعوبها مقابل الوعد، مجرد الوعد، بالحماية من الآخر!
النخبة المتعلمة التي كانت على وشك التخلص من عقدة القبلية، وتخـلـّص منها البعض في المراكز الحضرية الكبرى، إلا أنها، وعلى الرغم مما تحمل من مؤهلات ودرجات علمية، انغمست هي الأخرى من جديد في الذهنية القبلية، بل وحتى عامة الناس أخذوا شيئا فشيئا يلجؤون إليها ... لماذا؟

حلاوة الكرسي!
بكل بساطة وأسف أيضا انهيار مشروع "الدولة" وغياب الشورى أو الديموقراطية، أو إن شئتم اضمحلال مفهوم الحكم الرشيد، فكل "آمر" يجلس على كرسي السلطة ويذوق "حلاوته"، يصعب عليه فراقه، ومن ثم يبذل الجهد كي يدوم بقاؤه، وتهب لنجدته فيالق الفرق العظيمة من آل "شطيطح بن طيطح" يسوغون له الأمر ويكيفونه ويسبكون له القوانين والدساتير وتعديلاتها، ويحذرون صارخين من مغبة التغيير والإصلاح والتطوير لنظام الحكم حيث أن الحالة حرجة وتتطلب بقاء السلطان ...

الحالة كانت دائما حرجة لدينا يا قوم! .. .. ثم ماذا؟ الاضطرار للقبلية؟
ابتدأ الفشل في دولنا العربية، وأخذت ظاهرة الفشل تظهر للعيان في مؤسسات الدول بالتدريج، فأهدرت الأموال والإمكانيات، وانتشر الفساد وعم البلاد، بل إن بعض هذه البلدان قد دخل فعلا مرحلة الفشل، انظروا العراق والصومال وربما، لا قدر الله، السودان ... والقائمة طويلة!
كان محتما أن يلجأ الناس لمفهوم القبيلة التقليدية في الكثير من بلداننا، فلم يعد المواطن العادي يشعر بالأمن والأمان على نفسه ورزقه الحالّ أو الذي يتوخاه! وكان لابد من "حماية" من نوع ما. وهنا كانت "العصبية" متربصة، فاعتنقوها وصارت هي نبراسهم، فما أن يتقلد أحدهم منصبا مهما، حتى تراه يكدس "بني عمومته" في مؤسسته، بتعيينات جزافية، يبررونها لأنفسهم بمقولة أنهم يأخذون "حقهم" الذي صار مهددا من قبل الآخر. والآخر في هذه الحالة هو من ينتمي لغير قبيلته أو عشيرته أو عقيدته السياسية أو الدينية، أو بكل بساطة من له مصلحة قد تتعارض مع مصلحته. وكما كان متوقعا، تولي المناصب من قبل "أهل الولاء" بدلا من "ذوي الكفاءة"، كل هذا لم يكن ليقود البلاد إلا على طريق واحد:

القبلية معيقة للتطور والتنمية ومنها الفساد وابنه الفشل!
لم يعد لنظام القبيلة من معنى. وما ظهور قبائل العراق ومشايخهم في محاولات إصلاح حال العراق إلا ترهات وانتهازية وتنافس على المزايا. القبلية وعصبيتها معيق أساسي في طريق التنمية والإصلاح والتنمية والتحضر والتمدين، وها هي تطل على الكويت والأردن واليمن من جديد، ربما لتجهض محاولات الانتخابات الديمقراطية المفترضة، فلم ينجح إلا من استعان بقبيله! ...
البداوة لم تعد موجودة، بل إنها تكاد تنتهي بالمعني الذي كانت عليه، فباديتنا قديما كانوا يولدون في بيوت شعر ووبر، يعملون صباحا مساءا، ويرتحلون مع أنعامهم بحثا عن الكلأ والماء، أما اليوم فالكل تقريبا يعيش بما وفرته الحياة الحديثة وأتاحته البلاد بقدر ما تملك من موارد.
البداوة القديمة أصبحت من التراث، يحن إليها البعض وتتشابه مع ما يفعله الغربيون عند قضاء إجازاتهم في معسكرات بالجبال أو الأرياف، ولم تعد حالة ذهنية أو طريقة حياة، ولكن ما ورثناه منها هو "العصبية" الفجّة التي تلغي الآخر، وتكيل له وتذيقه أحيانا صنوف العسف والعقاب والإقصاء، بل حتى التخوين والاتهام، بل أصبح "الآخر" صيدا ثمينا وضحية جاهزة عند الحاجة واستحقاق خلق "أعداء" و "خونة" سابحين ضد تيار السلطان، أيا كان .... هذه العصبية تفشت، وصار لها مخرجات لا تعتمد على اسم قبيلة، بل على "ذهنية" وأنانية ضد من يصوره البعض للآخر ويخرجه كعدو! .. عدو لمن؟

أنت لا تعرف ... هذا غير مهم عدو وكفى!
التأثير السلبي والكارثي يتمثل في ضمور الدولة ومؤسساتها وعجزها عن تلبية احتياجات المجتمع الذي خولها، افتراضا، بذلك. ولكن الكارثة الأكبر تكمن في خصوصية وضعنا نحن، بلدان النفط والموارد والموقع الجغرافي وأصحاب عقيدة أصبحت مخيفة الآن لدى الغرب. والغرب يريد أن يتعامل معنا وفقا لقواعد التعامل السائدة في العالم، وهذه تتطلب دولة ذات مؤسسات وقانون، ليس ورقيا، ولكن قانون ينفذ ويسود على الجميع. وإذا لم نتخلص من عقدة العصبية ونعالج السبب الذي أدى إلى تولدها من جديد، ومن ثم القيام بإصلاح وتطوير أنفسنا وبلداننا، فسيأتي هذا الغرب من جديد على أحصنة من حديد ونار، وسيقوم هو بإنشاء ما يتوافق مع مصالحه... وسندفع له كذلك ثمن ذلك ذهبا ودما وخرابا! انظروا العراق يا سادة!

هراء حكمة المشايخ
لا تعتقدوا أبدا أن "مشايخ" القبائل بحكمتهم المفترضة (!) هم من سيأتي لنا بالسعد. الغرب يعرف جيدا من أين تؤكل الكتف. لقد نصّب من قبل "مشايخ" لا يملّون ولا يكلّون من الدعاء لهذا الأجنبي ... بل لقد أسبلوا عليه النياشين والأوسمة! ألم تروا ديك تشيني يزهو فخرا بالنيشان؟
"مشايخ" قبائلنا في ليبيا قديما هبّوا في وجه المستعمر الإيطالي، وبذلوا كل ما أوتوا لأنهم، كانوا خائفين على دينهم، لم يكن لدينا بترول ولا يحزنون، هؤلاء قوم ولـّـوا، فماذا نفعل نحن الخلف المتعلم الذي عاش في ظل هذا البترول؟ لا شيء! اليوم عادت قبائل العرب تصول وتجول، لا بفعل انتماء أو كرامة أو عزة، ولكن بعصبية مقيتة يقودها، وحسرتاه، نخبة متعلمينا.
لا تعتقدوا أنه ليس لكم قبائل، كل بلدان العرب لديها قبائل، وإن لم تحمل الاسم، فهي تحمل بالتأكيد "العصبية"! رحم الله ابن خلدون، كان قد قال بأن البادية (بالمفهوم القديم أو قبائل القرن الواحد والعشرين بالمفهوم الجديد) عندما يأتون لمدينة بأعداد قليلة يتطبعون بطباع أهلها، ولكنهم عندما يأتون بأعداد كبيرة (وهذا من حقهم) فإنهم يتركون أفضل ما لديهم في البرية، ويحضرون أسوأ ما عندهم ويجعلون سكانها يتطبعون بطبعهم الجديد، ثم يردف: وسيحتاجون إلى ثلاثة أجيال حتى تنقضي عنهم "العصبية"... أي مائة عام!
اللهم زد في أعمارنا لعلنا نفرح قبل أن نقضي!

ramadanjarbou@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة القدس العربي/ لندن 31/7/2008.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home