Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

السبت 1 نوفمبر 2008

الأبريليون وإعـاقة مسيرة ليبيا الغـد 2025 ! (*)

رمضان جربوع

من هم؟
الأبريليون نسبة إلى السابع من أبريل 1976، فيما عرف بالثورة الطلابية، التي انطلقت في مدينة بنغازي، لتطهير الجامعة من الجماعات "الرجعية" و "الماركسية"، وممن كانوا تحت مظلة الإسلاميين، مثل حركة الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي، وكل من كان يحمل فكرا مغايرا ممن تم تصنيفهم بالمضادين أو المعرقلين لمسيرة للثورة. كانت الحركة، التي سميت كذلك بالانتفاضة، إرهاصة لقيام حركة اللجان الثورية فيما بعد.

أشهد بما رأيت
كشاهد على أحداث ذلك العام، ولمعرفتي بالعديد من هؤلاء، حيث كان لي بينهم صحب وأهل، قضى البعض منهم، وقبع آخر في السجون سنين وسنين، وهاجر غيرهم، أستطيع القول بأن لا أحد منهم كان يضمر عداوة للثورة، والأمر برمته لم يكن سوى بعض احتجاج على تدريب عسكري عام، تم تشريعه على الطلبة، مع مطالبة بتصحيح بعض أوضاعه، بما يتفق مع واجبات الدراسة. وكان هؤلاء الطلاب يرون أن هذا التدريب العام تحول إلى إذلال عام مهين وقاس ولم يكونوا ضد فكرة التدريب أصلا ولكن كيف تم تطبيقها، وربما الأهم كان مطالبة باتحاد طلبة مستقل عن مخططات الدولة.
إلا أن المسألة تطورت، وتم تصويرها من قبل البعض على أنها خطر جسيم يهدد الثورة. ولا أزال على رأيي أن الأمر لم يكن كذلك، كان مجرد اختلاف في الرأي والرؤية وسوء تصرف، ربما عولج بردة فعل سيئة التصرف هي الأخرى، وكان من الممكن انفراج الاحتقان بقليل من التفاهم والتحاور.
نشير إلى أنه في بداية سنوات الثورة الأولى كان المجال مفتوحا للنقاش السياسي العلني، فيما عرف بندوة الفكر الثوري، إلا أن ذلك توقف على إثر الثورة الشعبية سنة 1973، التي خلصت لتشكيل اللجان الشعبية التي تولت إدارة مختلف المصالح في البلاد.
المرحلة تاريخيا كانت بالغة التأثير في حياتنا السياسية منذ ذلك الحين، فرجال السابع من أبريل، أو كما أسميهم هنا "الأبريليون" كانوا بمثابة الطليعة الثورية المدنية، فقد تولوا بعد ذلك إدارة دفة الدولة بصورة شبه كاملة، وأنيط بهم فيما بعد تنفيذ شعارات الثورة وسياساتها، ولم يكونوا، وحسب ما رأيته في حينه ولا زلت أرى، مؤهلين أو قادرين على الأداء المطلوب، بل إني أذهب إلى أبعد من ذلك فأقول بأنهم ربما أساؤوا للثورة والبلاد أكثر مما نفعوا، ولا أحتاج لدليل على ذلك فيكفي أن ننظر لحال بلادنا اليوم.
لست في باب تحليل المسيرة وكيف كانت، فليس هذا محله، ولكن أذكر باقتضاب أن السبب، ودائما في رأيي، كان نشوء ثقافة التصنيف والإقصاء، وما نتج عنها من مقولة أن من ليس معنا فهو ضدنا، وتناسوا أن الوطن وكذلك الثورة في أطروحاتها كانت للجميع. فإلى هذه اللحظة لا أدرى:

رجعي؟
ما هو المقصود "بالرجعي"؟ هل يعقل أن يكون هناك من يطالب بالرجوع للخلف؟ وأي "خلف" .. ألم نكن من أشد بلدان العالم فقرا وتخلفا؟

بورجوازي؟
وكذلك "البرجوازي" هذا المصطلح الذي أعطت له أدبيات الماركسية بعداً سياسياً لم يحمله أساساً، فكلمة "البورجوا" بالفرنسية – من حيث جاء- تعني من يسكن "بلدة" أو "مدينة" ولا يعمل بالزراعة، وليس من أصحاب الإقطاعيات الكبرى أو من طبقة النبلاء، بل إن "البورجوازيين" تاريخيا كانوا هم أصل الطبقة المتوسطة الحال في أوروبا، والتي دفعت بالنهضة فيها إلى المراتب العليا والانتماء إليها كان متاحا ولا يتطلب شروط أصل أو دم، وكما عندنا البدوي الذي يعيش في البادية وفق شروطها يتحول إلى حضري عندما ينتقل إلى المدينة ويتوافق مع شروطها تدريجيا، هذا كل شيء ولا غيره!

إسلامي سياسي؟
وذات الشيء ينطبق على معتنقي فكر الإسلام السياسي، فالإسلام هو الدين السائد في البلاد وثقافته ليست بغريبة ولا مستهجنة، الجديد في الأمر كان الإصرار على نظام يتخذ الإسلام كمرجعية سياسية أولى.

يساري؟
كذلك لا أستطيع رؤية مكمن الخطورة فيمن يرى الخيار الاشتراكي طريقاً صحيحاً في حينه، حتى وإن كان بمنحى يختلف نوعاً عن المطروح، أو لم يكن من ضمن شعارات الثورة الرئيسة الاشتراكية؟
كل هذه التيارات لم تكن موجودة إلا على مستوى طبقة المثقفين النخبة وهم قلائل على كل حال!
كان في الإمكان! لو أتيح حيز للرأي الآخر وفرصة للحوار المستمر، ألا تتضرر الثورة بشيء، بل ربما كان حالنا غير الحال، كل ما سلف كان من الممكن التعامل والتعايش معه، فلم تكن لدينا أبدا أحزاب سياسية رئيسة ذات حشد جماهيري أصلاً، ولم تكن لدينا نقابات حرة أو مُسيّسة أو صحافة كاملة الحرية.

لماذا؟

إلا أن الإعاقة الكبرى، وفي رأيي دائما، كانت في عملية تصنيف وإقصاء من يختلف في الرأي، ومن ثم صار لدينا كوادر للدولة متماثلة في التفكير والنظر، ومؤسسة على رؤية واحدة، ولم تتح الفرصة الكاملة لمبادرات ذوي الاجتهاد، والتي لو حدثت لأدت إلى إثراء الفكر الثوري عموما، وما ينتج عنه بالضرورة من تحسن في الأداء، وبجمل قصيرة، صارت مراتب الدولة الرئيسة توكل لمن "رؤي" أنهم الأجدر أو فلنقلها بصراحة: ذوي الولاء المطلق، بغض النظر عن الكفاءة المطلوبة، وبإلحاح، لتولي شوؤن بالغة الأهمية في مسيرة الثورة والبلاد، مثل الوزارات وإدارات الجامعات والمؤسسات العامة الكبرى، بل وحتى قطاعات الأمن بأنواعه، ومعظم من تولى هذه المناصب لم يكن أهلا لها!ّ

الكراسي التي تدور والجالسون هم هم!

توالت على ليبيا وزارات وإدارات بتشكيلات تتغير من حين لآخر، ولكنها دائما ضمن دائرة لا تتعدى المائتي اسم محدد. وكل تشكيلة توالي مسيرة سابقتها في كل القطاعات. وصاغت هذه التشكيلات شؤون الرقابة والمتابعة وما يتوافق معها، ولم يحدث أبدا أن استحدثت آليات مراجعة وتقييم كان من المفروض أن تؤدي بدورها إلى تعديل وضبط المسيرة. كل من أقصي، عزف عن الحياة العامة، إن لم يودع السجن، أو حتى تتم تصفيته، ومن نما وترعرع في هذه البيئة، وكان له رأي آخر وكفاءة ما، ولم يكن مودودا من قبل السادة الأبريليين، كان يعزف هو الآخر أو يعزل أو يقبع في دائرته أو يهاجر.

كيف ضاعت الكفاءات؟

فقدت بذلك البلاد آلافاً مؤلفة من كوادرها الموجودة أصلاً، وتلك التي تكونت فيما بعد، وكلهم دون استثناء يحبون وطنهم، ولم يبق يمسك بزمام الأمور بالكامل تقريبا سوى "الأبريليين".. كانت لهم سلطة فعلية مباشرة، يفعلون ما يشاؤون في معظم الأحوال، ويفعلون ذلك باسم الجماهير التي خولتهم افتراضاً، ولم يمكنّوا هذه الجماهير ومؤتمراتها من محاسبتهم كما يجب. سادت ثقافة الإقصاء وترسخت، وإلى جانبها كيلت التهم لكل قائل بغير قولهم، فخُوِّن، وربما اعتُبر متآمرا على الثورة وعلى سلطة الشعب، التي اختزلوها في أنفسهم. بل لقد صارت لهم الكلمة العليا حتى على القضاء وأجهزة الأمن بتنوعها، لقد صارت لهم صناعة جديدة، اسمها اصطناع الأعداء!
شخصيا أجزم بأنه لا يوجد ليبي عدو لوطنه، قد لا يوافق على ما يجري، ولكن ذلك لا يعني أبدا أنه يضمر العداء! الأبريليون لا يزالون على الكراسي قاعدين، وما انفكوا يرددون ذات الكلمات، وأصبح عملهم الرئيس الشعارات والشعارات، وتعليق اليافطات، وتدبيج الخطب الملحمية التي تقول بأننا قاب قوسين أو أدنى من الفردوس، وخشية فقدان المناصب ها نحن نرى العديد منهم يخرج هاتفا للإصلاح، إصلاح ماذا؟ لم يعلموا بعد أن الإصلاح أصلا يرمي إلى تقويم ما جعلوه هم معوجـّا!

الآن وقد حل التفكير بالإصلاح ولماذا أتكلم الآن؟
الأمور لم تعد كما كانت، فلقد صارت لدينا حركة قوية وبنفس عالية الوتيرة تدعو للإصلاح، الذي أصبح لا مفر منه ولا خيار غيره، إن أردنا أن نتلافى أخطاء الماضي وتجاوزاته لكي لا تتكرر.
ظهرت لدينا، ولو متأخرة، حرية الرأي وحرية إبدائه، كما أفعل أنا الآن، فما كنت أحلم بقدرتي على قول ما أقوله اليوم من بضع سنين ولت إلى غير رجعة بإذن الله.
وصار لنا بعض المتمسكين بحب الوطن، من الذي بقوا فيه، أو عادوا إليه، وكذلك كوادر شابة يافعة ذات كفاءة لا تنتمي لفئة الأبريليين، قبل بها أخيرا، وهاهم يضعون البرامج والتصورات للمسيرة الجديدة نحو الغد، ليبيا الإصلاح، ليبيا الغد! ولا ضرر ولا مساس بشعارات البيان الأول للثورة و سلطة الشعب، فأن يكون الشعب هو صاحب السلطان فليس ذلك سوى الديموقراطية، ولا يبقى سوى وضع آليات الاختيار والضبط والربط والمحاسبة والشفافية وبيان المسؤوليات بوضوح، على أن يكون خيار الأغلبية هو الفيصل، ولا ضير في أن يكون الخيار بالحل الوسط ما بين مختلف الآراء والرؤى والتوجهات إن أمكن، وإلا فلنحتكم للأغلبية، المواطن العادي يعرف بسهولة متى تكون أموره جيدة، ومتى تكون غير ذلك، فعندئذ له أن يغير الوضعية التي ارتآها سابقا بغيرها ولابد من آلية تمكنه من ذلك!

استشراف ليبيا 2025!

صدر عن مجلس التخطيط الوطني ومركز البحوث والاستشارات بجامعة قاريونس تقرير برؤية استشرافية لليبيا سنة 2025 من أهم ما جاء فيه:
أن تترسخ في المجتمع الليبي مفاهيم ثقافة الانفتاح والتنوع والتسامح وحرية التعبير، وأن يسود العدل وتكون الحرية هي النبراس، وأن يكون مفهوم الأمن الوطني متوازنا ما بين حقوق الإنسان وحرياته وتحقيق السلامة والأمن والاستقرار ويرتكز على ثوابت الهوية والكيان والمصالح الوطنية.
وكما يقول التقرير استمرار سيناريو الأوضاع الراهنة حتى ولو ببعض التعديلات غير الجوهرية قد لا يؤدي بنا إلى الحال الذي ننشد.

السيناريو المنشود

فلابد من سيناريو يتلاءم مع تطلعات شعبنا في حياة كريمة، التي هي من حقه، فالبلاد بلاده وليست لفئة معينة تنعم بكل شيء، بينما يعاني قطاع كبير من جماهيرنا من الفقر وسوء الخدمات الصحية والتعليمية، ناهيك عن أزمات السكن، وغياب شبه كامل لتنمية بشرية تستحق الاسم، ويكون في إمكانها خلق المهارات وتعلم التقنيات، فلا زلنا مجتمعا ريعيا يعتاش معظمنا على مرتبات هزيلة، وسط أسعار أخذت تتصاعد يوما بعد يوم، فإعلانات عن مشاريع خيالية من عمائر شاهقة وفنادق ومنتجعات سياحية ضخمة، قد يكون جيدا في وقت ما، ولكننا في وقتنا هذا نحن في حاجة ماسة إلى غير ذلك، نحن في حاجة إلى شيء آخر، غير تلك الحديقة العامة المزمع تشيدها في طرابلس بمبلغ يصل إلى سبعمائة مليون دينار، نحن في حاجة إلى برامج إغاثة فورية لشديدي الحاجة من سكن ومأكل وعلاج، وبحاجة إلى برامج تعليم يضعها أناس آخرون من غير الأبريليين، تؤدي إلى خلق مهارات وقدرات على المبادرات التجارية والصناعية التجارية وسط القطاع الخاص أو الشريك للعام... نحن في حاجة لهذه الأولويات الآن وقبل كل شيء!

الدستور والمجتمع المدني الحر الذي لا نجاح من دونهما!
نحن في حاجة إلى وضع أسس المجتمع المدني، بمؤسسات متكاملة حرة طليقة من أية قيود أمنية أو سياسية، نحن في حاجة إلى إعادة إنشاء بنية قضاء مستقل ذي كفاءة واحترام ونفاذ، نحن بحاجة إلى مؤسسات أمنية يكون همها الأول أمن المواطن، وليس أمن السادة الأبريليين، أو كما يرونها هم. نحن في حاجة إلى شرطة مدربة حرفيا وقانونيا ومؤهلة لتحمي المواطن، الذي أصبح يعاني من كثرة حوادث العنف وارتفاع معدلات الجرائم بأنواعها.
باختصار نحن بحاجة لدستور يضع الضوابط ويوزع الأدوار ويعطي كل ذي حقه ويحاسب على من يتجنى.
ما نراه يطرح الآن جيد، ويعبر عن أماني معظمنا، ولكننا أصبحنا نرى وَهَناً في تفعيل آليات الإصلاح والتشريع المطلوب، أتمنى أن لا يكون كل ذلك مجرد أماني .. نريد شروعا في العمل ونريد القرار بذلك.
أما أن نترك أو تترك أمورنا رهن السادة الأبريليين، كما كانت طوال قرابة الثلاثين عاما، فلا أرى أن ذلك سيجدينا نفعا.. ويا ليت .. يا ليت ... يتخلى السادة الأبريليون عن كراسيهم، وسنقول لهم سعيكم مشكور ووداعاً.... ويا ليت يا ليت تقول القيادة للسادة الأبريليين وداعا!

ramadanjarbou@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة قورينا / بنغازي ، وصحيفة القدس العربي / لندن ، 30/10/2008


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home