Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ramadhan Ahmed Jarbou
الكاتب الليبي رمضان أحمد جربوع


رمضان أحمد جربوع

الإثنين 1 فبراير 2010

الأغنياء والفقراء .. عندما تتسع الهوّة! *

رمضان جربوع

في كل نظام عربي تحوّل من الاشتراكية أو الاقتصاد الموجه المدار من الدولة، إلى نظام اقتصاد السوق (لكي لا نقول الرأسمالي) يحدث غالبا ظهور طبقة جديدة رأسمالية عنيفة النزعة والسلوك، طفيلية التواجد والتكاثر،فاحشة الثراء والنهم، وفي المقابل لا نجد سوى طبقة فقيرة أصبحت ظروفها أشد قسوة مما كانت عليه أيام "السوق الاشتراكي" على ما عليه من مآخذ. 

تٌرى ما هو السبب؟

عند التحليل الأولي، نجد أن أصحاب الثروات الجديدة- أو أثرياء التحوّل الإصلاحي، هم في الغالب رجالات العهد (الاشتراكي!)  بجميع قطاعاته  والإدارية والأمنية المتنفذة ومن يدور حولهم من صحب وذوي قربى ومصاهرة من الصنف الانتهازي أو رجال الأعمال الذين لم يعد يعنيهم سوى اقتناص الفرص، ربما لانعدامها بالصورة القانونية عندما يصبح القانون لا يستخدم سوى لإحكام أحكام جديدة لا تصب سوى في مصلحتهم ومصلحة الذين مكّنوهم، هؤلاء لا شأن لهم بالوطن أو بفقراء ساكنيه. ومصدر قوتهم وهيمنتهم ورثوه عندما كانوا من حملة المباخر، ومازالوا! واليوم صاروا يرددون أنهم من حماة  الجديد.  

الفقراء الجدد، إضافة للذين "انفقروا" اشتراكيا، هم الذين كانوا قادرين إلى حد ما على مواجهة أعباء المعيشة ضمن المتاح لهم من دخل حيث ارتفعت تكاليف الحياة وارتفعت الأسعار لعنان السماء بسبب تردي ادارة الاقتصاد "الاشتراكي" لعته وانعدام كفاءة القائمين عليه، وانخفاض قيمة العملة المحلية واختفاء الدعم الحكومي لسلع "الإغاثة" ناهيك عن قلة الخبرة والتأهل للقيام بأعمال خاصة. كذلك انضم إليهم، ربما على نطاق أضيق، ما كان يعرف بالطبقة الوسطى من مهنيين أو حرفيين مستقلين، خصوصا الذين تعففوا أو وجلوا عن الانضمام إلى الجوقة الجديدة لتحفظات أخلاقية أو سياسية أو لمنعهم من ذلك بحكم سريان تعريفات المشتبه فيهم سياسيا. هذه الفئة إما هي في طريقها إلى التلاشي أو التقلص. 

أما إذا سألنا لماذا الوضع الجديد؟

من البديهي أن التحول لاقتصاد السوق صار مرتبطا تنفيذيا بالتوافق مع معايير العولمة أو إملاءات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ناهيك عن اشتراطات الشركات متعددة الجنسيات. وقد يكون من بين الأسباب ميل أصحاب القرار بالتحول؛ أو المناط بهم تنفيذه؛ يأخذون ما يسهل إعماله وتطبيقه، متناسين أن التحول والتوافق مع المعايير الدولية له متطلبات أخرى قد تكون شديدة الوقع عليهم والتي من بينها الإصلاح القضائي والإداري وإحكام سلطة القانون على الجميع بدون استثناء أو محاباة بما في ذلك السماح بحرية الرأي وحرية الإعلام وحرية التقصي والبحث لمواكبة ما قد يحدث من مخالفات وواسطات لا يعلم إلا الله إلى أين سوف تودي بالأوطان.

من الأسباب الأخرى نجدها تكمن في واقعة أن المستفيد من أي نظام كان، سوف يعارض أي تحول قد يفقده ما كان لديه من مزايا أو نفوذ، وإن رأى هؤلاء أن التغيير قادم على كل حال، فسوف يحرصون على أن يحافظوا على ما لديهم رغما عن القانون متمترسين وراء من سيقف لجانبهم ويقومون بالأدوار المطلوبة حسب وجهة نظرهم، ومن بين ذلك تبييض الأموال المنهوبة من الشعب، القفز على "بيت المال" وأدواته، سواء المتمثلة في أدوات الإدارة من التسجيل العقاري إلى إدارات التخطيط وتصنيف الأراضي والضرائب والقضاء والإدعاء وكافة المؤسسات المختصة بالتصاريح والاستثمار وإدارة المؤسسات التي بقيت للدولة أو التي تستحدث بمسميات جديدة، ومن جراء ذلك يحكمون الوثاق ويشيدون الجدران  حتى لا يأتين عليهم غريب أو مدعي بحق بموجب قانون. 

والنتيجة؟

سيكون "الاقتصاد" الجديد حكرا على الأثرياء الجدد، فمن ذا الذي يستطيع أن ينازعهم؟ فهم المالكون لكل شيء، من ثروة إلى سلطة معلنة أو خفية، إلى السلاح – المباشر أو غير ذلك، وهم المهيمنون على كافة أجهزة الدولة وهم يوقعون الرعب في قلوب من يتجرأ على المحاسبة أو أحياناً حتى على التظلم، أو ليست منظومة "الشركاء العلّيين" كفيلة بتوفير الدعم اللازم بحجج مفتعلة أو بمجرد التخويف.

ستتضخم الثروات وتتجاوز عشرات الملايين لتدخل فئة المئات منها وقريبا الآلاف أيضا، وسيزداد الفقراء فقرا وستتضخم الهوّة ما بينهم، وتصبح الدولة "المتحولة" متكونة من فاحشي الثراء ومن يخدمهم وعامة الناس ويذهب مفهوم الوطن ويرحل ...

ستتعطل قطعا خدمات الدولة ويتردى أداؤها؛ والخشية كل الخشية أنها قد تتحول رويدا رويدا إلى دولة فاشلة، ولهذا السبب يحق لكل ضمير وأريحية وطنية أن يحذر ويلفت الانتباه ويطالب بمراجعة ما حدث لدول عربية أخرى مرت بنفس التجربة وما حدث لها .. 

لقطع الطريق على هؤلاء، يجب على كل مطالب بإصلاح، أن يقرن إصلاح الاقتصاد بإصلاح القانون والقضاء والرقابة والمحاسبة

استحداث مشاريع والتعاقد على تنفيذها (بما في ذلك الأبراج المشيدة) وشراء الطائرات وبناء الفنادق واستيراد كل نفيس مهما غلا سعره، ليس إصلاح اقتصاد، إنه استنفاذ موارد الشعب وثروته. القائمون على مثل هذه المشاريع وأطر العمل الجديدة إذا ظلوا هم أنفسهم من كان يدير الدولة من قبل، فسيحيلون كل شيء إلى دمار من بعد .. وإلى فقر لذات الشعب؛ وثروات لهم وتغييب لحقوق الإنسان الاقتصادية  والقانونية، ويا ليت الأمر يقف عند ذلك، بل قد يصبح الأثرياء الجدد "أمراء" لا ناهي لهم ولا محاسب ...  

إذا قضت الطبقة الوسطى وفاضت روحها، وتم القضاء على كل صوت قد يعارض ما يحدث، فلن يكون هنالك تنمية ولن يكون هناك إصلاح.

 الذين "استغولوا" من فرط السلطة المطلقة والثروة الطائلة سيحملون هم فقط صفة "المواطن" الحر ولن يعيروا أدنى اهتمام بالفقير المفترض شرعا وشرعيا: مواطنا؛ وإن حدث ذلك فماذا سيبقى من الوطن بالله عليكم؟

ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com

____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة "أويا" ـ طرابلس ، وصحيفة  "القدس العربي" ـ لندن ،  الخميس  28/1/2010


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home